الحب شعور إنساني عابر للزمن والحدود. منذ فجر الحضارة، عبّر البشر عن الحب بطرق مدهشة ومتنوعة. ومن بين كل أساطير الحب التي أبدعتها الحضارات القديمة، تبقى أسطورة أدونيس وعشتروت الفينيقية واحدة من أكثرها عمقاً وتأثيراً — قصة حب وموت وبعث وُلدت في بيبلوس اللبنانية وغزت العالم القديم بأسره.
أدونيس: «سيّدي» — الشاب الأجمل في العالم القديم
اسم «أدونيس» ليس يونانياً كما يظن كثيرون، بل هو كنعاني فينيقي صرف. إنه مشتق من الكلمة السامية «أدوني» التي تعني «سيّدي» — وهي نفس الكلمة المستخدمة في العبرية والآرامية. استخدمها الفينيقيون لقباً تبجيلياً لهذا الشاب الأسطوري فائق الجمال، فتبنّاها اليونانيون كاسم علم دون ترجمة.
تروي الأسطورة الفينيقية أنّ أدونيس وُلد في منطقة بيبلوس (جبيل اللبنانية)، وكان جماله لا مثيل له بين البشر. حين نضج، رآه كل من يقع عليه نظره يُفتن به. لكنّ الإلهة عشتروت ذاتها — سيدة الحب والجمال — لم تستطع مقاومة سحره. أحبّته حباً عميقاً وعنيفاً، وتركت عرشها الإلهي لتكون بقربه في غابات لبنان حيث كان يعشق الصيد.
الموت في جبال لبنان
رغم تحذيرات عشتروت المتكررة، كان أدونيس شغوفاً بالصيد في غابات جبل لبنان الكثيفة. في يوم مشؤوم، خرج أدونيس للصيد وحده في الجبال، فواجه خنزيراً برياً ضخماً. نطحه الخنزير بنابه فجرحه جرحاً قاتلاً. سالت دماء أدونيس على الأرض الجبلية وسالت مع مياه الينابيع حتى وصلت إلى النهر — نهر أدونيس (نهر إبراهيم الحالي) — فصبغته باللون الأحمر القاني.
حين سمعت عشتروت بموت حبيبها، هرعت إليه حافية القدمين عبر الصخور والأشواك. وبينما كانت تركض، جرحت أشواك الورد قدميها فسال دمها على الأرض، فتحوّلت الورود البيضاء إلى حمراء — وهذا تفسير الفينيقيين لوجود الورد الأحمر. وصلت عشتروت إلى جسد أدونيس المسجّى وبكته بكاءً مريراً هزّ الأرض والسماء.
سالت دماء أدونيس فصبغت نهر بيبلوس باللون الأحمر — وبكته عشتروت فتحوّلت الورود البيضاء إلى حمراء إلى الأبد
— من أسطورة أدونيس وعشتروت الفينيقية
النهر الأحمر: حين تبكي الطبيعة على الحبيب
نهر إبراهيم (نهر أدونيس القديم) هو نهر حقيقي في جبل لبنان ينبع من مغارة أفقا الشهيرة ويصب في البحر المتوسط قرب بيبلوس. والمذهل أنّ هذا النهر يتحوّل فعلاً إلى اللون الأحمر في كل ربيع، حين تحمل مياه الثلوج الذائبة ترسّبات من التربة الحمراء الغنية بأكسيد الحديد من أعالي الجبال.
رأى الفينيقيون في هذه الظاهرة الطبيعية المذهلة دليلاً حياً على أنّ دماء أدونيس لا تزال تجري في النهر كل عام، وأنّ حزن عشتروت يتجدّد مع كل ربيع. وكان احمرار مياه النهر إشارة لبدء موسم الحداد والاحتفال السنوي بأدونيس. مغارة أفقا — منبع النهر — كانت مكاناً مقدساً يحج إليه المتعبدون من كل أنحاء المتوسط، وكان فيها معبد قديم لعشتروت لا تزال بقاياه قائمة حتى اليوم.
البعث والعودة: الحب أقوى من الموت
لم تقبل عشتروت بفقدان حبيبها. نزلت إلى العالم السفلي — عالم الأموات — لاسترداد أدونيس. هناك وجدت أنّ ملكة العالم السفلي قد أُعجبت بجمال أدونيس أيضاً ورفضت إعادته. نشب صراع بين الإلهتين حتى تدخّل إيل كبير الآلهة الكنعانية وحكم بتقسيم الوقت: يعيش أدونيس ستة أشهر مع عشتروت على سطح الأرض، وستة أشهر في العالم السفلي.
هذا الحكم الإلهي كان تفسير الفينيقيين لتعاقب الفصول: حين يكون أدونيس مع عشتروت على الأرض يزدهر الربيع والصيف، وحين يعود إلى العالم السفلي يحل الخريف والشتاء. هذه الفكرة — ربط الحب بدورة الطبيعة والحياة والموت — فكرة عبقرية تكشف عن عمق الفكر الفينيقي. فالحب عندهم ليس مجرد شعور عابر، بل هو القوة التي تحرّك الكون وتجعل الأرض تنبت والأشجار تثمر.
مهرجان أدونيس: أشهر احتفال في العالم القديم
كان مهرجان أدونيس (الأدونيا) من أشهر الاحتفالات الدينية في العالم القديم بأسره. كان يُقام كل عام في بيبلوس ويستقطب آلاف الزوّار من كل أنحاء المتوسط. كان المهرجان يمتد عدة أيام ويمر بمرحلتين متناقضتين تعكسان قصة أدونيس.
تبدأ مرحلة الحداد: كان الناس — وخاصة النساء — يبكون ويولولون حزناً على موت أدونيس. كنّ يُقمن «حدائق أدونيس» — أوعية صغيرة يزرعن فيها نباتات سريعة النمو سرعان ما تذبل وتموت، رمزاً لحياة أدونيس القصيرة الجميلة. كان الحداد حقيقياً ومؤثراً، والنساء يلطمن وجوههن ويشققن ثيابهن. ثم تأتي مرحلة البعث والفرح: يُعلَن عن عودة أدونيس إلى الحياة، فتتحول الأجواء إلى احتفال بهيج بالغناء والرقص والموسيقى.
من بيبلوس إلى أثينا وروما
بفضل التجّار الفينيقيين، انتقلت أسطورة أدونيس وعشتروت إلى اليونان حيث تبنّاها الإغريق بحماس. في النسخة اليونانية أصبحت عشتروت أفروديت، واحتفظ أدونيس باسمه الكنعاني — وهو من أندر الأمثلة على احتفاظ أسطورة يونانية باسم شرقي أصلي، مما يدل على قوة الأصل الفينيقي.
في أثينا، أصبح مهرجان الأدونيا احتفالاً نسائياً كبيراً تقيمه النساء على أسطح المنازل. وفي روما تبنّوا الأسطورة ذاتها باسم فينوس وأدونيس. الشاعر الروماني أوفيد أعاد رواية القصة في كتابه «التحوّلات»، والشاعر الإنجليزي شكسبير كتب قصيدة طويلة بعنوان «فينوس وأدونيس». هذا كله يؤكد أنّ أسطورة فينيقية وُلدت على شاطئ بيبلوس اللبنانية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من التراث الأدبي العالمي.
حتى في الأدب العربي الحديث، استلهم الشاعر السوري علي أحمد سعيد اسمه الأدبي «أدونيس» من هذه الأسطورة الفينيقية، مؤكداً استمرار حضورها في الوجدان العربي. وزهرة شقائق النعمان الحمراء — التي تنتشر في ربوع لبنان وبلاد الشام كل ربيع — سُمّيت كذلك لأنها حسب الأسطورة نبتت من دماء أدونيس.
خاتمة: أسطورة أدونيس وعشتروت هي واحدة من أعظم قصص الحب في التاريخ الإنساني. وُلدت في بيبلوس اللبنانية وأبحرت مع التجّار الفينيقيين لتغزو قلوب العالم القديم. رسالتها الخالدة هي أنّ الحب الحقيقي لا يموت — كما أنّ أدونيس يعود كل ربيع، فإنّ الحب يتجدّد دائماً. هذا الإيمان بأنّ الحب أقوى من الموت هو إيمان إنساني عميق وجد صداه في القرآن الكريم الذي جعل المودة والرحمة بين الزوجين آية ربانية خالدة، وفي التصوف الإسلامي الذي رأى في الحب الطريق إلى الحقيقة المطلقة. والفينيقيون — أجداد اللبنانيين — يحق لهم الفخر بأنهم أهدوا العالم واحدة من أجمل قصص الحب التي عرفتها البشرية.
