بلاد الرافدين: مهد الحب والحضارة
الحب شعور إنساني عابر للزمن والحدود. منذ فجر الحضارة، عبّر البشر عن الحب بطرق مدهشة ومتنوعة. وفي بلاد الرافدين — الأرض الخصبة بين نهرَي دجلة والفرات — وُلدت أولى التعبيرات المكتوبة عن الحب في تاريخ البشرية. على ألواح الطين المحفورة بالخط المسماري، خلّد السومريون والبابليون والآشوريون مشاعرهم في قصائد وملاحم وقوانين لا تزال تدهش العالم حتى اليوم.
قبل أكثر من خمسة آلاف سنة، أسّس سكان بلاد الرافدين أولى المدن في التاريخ — أور وأوروك ولجش وبابل — واخترعوا الكتابة، وسنّوا أولى القوانين، وبنوا معابد عظيمة للآلهة. ومن بين هذه المنجزات الحضارية الهائلة، كان للحب مكانة خاصة: فقد كتبوا أقدم أغنية حب في العالم، وألّفوا أقدم ملحمة أدبية تتناول الحب والصداقة والفقد، وعبدوا إلهة جمعت بين الحب والقوة هي عشتار.
ما يميّز بلاد الرافدين عن غيرها هو أنّ سكانها لم يكتفوا بالتعبير عن الحب في الشعر والفن، بل قنّنوه في شرائع قانونية حدّدت حقوق الزوجين وواجباتهما بدقة مذهلة. شريعة حمورابي البابلية — التي تعود إلى نحو 1754 قبل الميلاد — تضمّنت عشرات المواد التي تنظّم الزواج والطلاق والنفقة والميراث، في سابقة فريدة لم تعرفها حضارة أخرى في ذلك الوقت.
«عريسي الغالي على قلبي... جمالك حلو كالعسل... أنت أسرتَ قلبي فدعني أقف مرتجفة أمامك»
— من أقدم أغنية حب في العالم (لوح سومري، نحو 2000 ق.م)
الحب السومري: البدايات الأولى
الحضارة السومرية — التي ازدهرت في جنوب العراق منذ نحو 3500 قبل الميلاد — هي أول من دوّن مشاعر الحب كتابياً في تاريخ الإنسانية. على ألواح الطين الصغيرة، نقش الكتبة السومريون بأقلام القصب قصائد حب رقيقة تُعدّ أقدم أدب رومانسي مكتوب في العالم. كانت هذه القصائد جزءاً من طقوس «الزواج المقدس» (هيروس غاموس)، حيث كان الملك يتزوج كاهنة تمثّل الإلهة إنانا في احتفال سنوي يرمز إلى تجدد الحياة والخصوبة.
من أشهر هذه النصوص أناشيد الحب للملك شو-سين (نحو 2037-2029 ق.م) التي كتبتها عروسه في ليلة الزفاف المقدس. في هذه الأناشيد تصف العروس شوقها للملك وجماله، وتتوسل إلى الإلهة إنانا أن تبارك زواجهما. هذه النصوص تكشف أنّ سكان بلاد الرافدين رأوا في الحب قوة مقدسة تربط بين الأرض والسماء.
عشتار: الحب والقوة في إلهة واحدة
لم تعرف الحضارات القديمة إلهة أكثر تعقيداً وقوة من عشتار (إنانا عند السومريين). فهي إلهة الحب والجمال والخصوبة، وفي الوقت نفسه إلهة الحرب والقتال. كانت مرتبطة بكوكب الزهرة — ألمع الكواكب في سماء الليل — وكانت معابدها من أعظم المنشآت المعمارية في مدن بلاد الرافدين. في مدينة أوروك وحدها، كان معبد إنانا (إيانا) يحتل مساحة واسعة في قلب المدينة ويعمل فيه مئات الكهنة والكاهنات.
أسطورة نزول عشتار إلى العالم السفلي من أشهر الأساطير في تاريخ الأدب. في هذه القصة تقرر عشتار النزول إلى مملكة الموتى لمقابلة أختها إريشكيجال، فتمر بسبعة أبواب يُنزع عند كل باب قطعة من ملابسها وحُليّها حتى تصل عارية تماماً. وأثناء غيابها يتوقف الحب والخصوبة في العالم. هذه الأسطورة تعكس فهماً عميقاً لارتباط الحب بالحياة نفسها.
ملحمة جلجامش: الحب والصداقة والخلود
ملحمة جلجامش — أقدم ملحمة أدبية مكتوبة في التاريخ — هي نص عراقي قديم يتناول أعمق الأسئلة الوجودية عن الحب والصداقة والموت والخلود. بطلها جلجامش، ملك أوروك شبه الإلهي، الذي تتحول حياته تماماً حين يلتقي بإنكيدو — رجل بري أرسلته الآلهة ليكون رفيقه. الصداقة العميقة بين جلجامش وإنكيدو تُعدّ من أقوى تصويرات الحب الأخوي في الأدب العالمي.
حين يموت إنكيدو يصاب جلجامش بحزن عميق يدفعه للبحث عن سر الخلود عبر رحلة طويلة محفوفة بالمخاطر. هذه الملحمة تعلّمنا أنّ الحب الحقيقي — سواء كان بين صديقين أو حبيبين — يمنح الحياة معناها، وأنّ فقدان من نحب هو أصعب تجربة يمكن أن يمر بها الإنسان. أثّرت هذه الملحمة في الأدب العالمي بأسره، ويرى كثير من الباحثين أنها أثرت في قصص الطوفان وملاحم هوميروس.
الزواج والقانون: عدالة مبكرة
من أبرز إسهامات بلاد الرافدين في تاريخ الحب والزواج هو التقنين القانوني للعلاقات الأسرية. شريعة حمورابي — التي نُقشت على مسلّة حجرية سوداء عملاقة — تضمّنت عشرات المواد التي تنظم الخطبة والزواج والطلاق والنفقة والحضانة والميراث. كان الزواج البابلي عقداً قانونياً موثقاً يُحدد حقوق الطرفين بدقة، وكان المهر يُدفع من عائلة العريس إلى عائلة العروس كدليل على الجدية والالتزام.
هذه القيم الإنسانية العميقة — تنظيم الزواج وحماية حقوق المرأة والسعي إلى العدالة الأسرية — وجدت صداها لاحقاً في الشريعة الإسلامية التي جاءت بنظام متكامل للزواج والأسرة يقوم على المودة والرحمة والعدل. فالحب رحلة إنسانية طويلة، وكل حضارة أضافت إليها من حكمتها وتجربتها، حتى جاء الإسلام فارتقى بهذه القيم إلى مستوى إيماني سامٍ.
