الحب شعور إنساني عابر للزمن والحدود. منذ فجر الحضارة، عبّر البشر عن الحب بطرق مدهشة ومتنوعة. لكن أقدم تعبير مكتوب عن الحب في تاريخ البشرية جمعاء وُجد على لوح طيني صغير في أرض العراق — لوح عمره نحو أربعة آلاف سنة يحمل كلمات أغنية حب لا تزال تُدهش العالم بجمالها ورقّتها.
لوح إسطنبول 2461: الاكتشاف المذهل
في أواخر القرن التاسع عشر، اكتشف علماء الآثار في مدينة نيبور (نُفّر) جنوب العراق آلاف الألواح الطينية المكتوبة بالخط المسماري. من بين هذه الألواح كان لوح صغير يحمل رقم إسطنبول 2461 — نسبة إلى متحف الآثار الشرقية في إسطنبول حيث يُحفظ. هذا اللوح الذي يعود إلى نحو 2000 قبل الميلاد يحتوي على ما يُعتبر أقدم أغنية حب مكتوبة في تاريخ الإنسانية.
لم يُترجم هذا اللوح حتى خمسينيات القرن العشرين، حين تمكّن عالم السومريات الشهير صموئيل نوح كريمر من فك رموزه وترجمته. حين نشر كريمر ترجمته عام 1951، أثارت ضجة واسعة في الأوساط العلمية والأدبية: فها هي كلمات حب عمرها أربعة آلاف سنة تنبض بمشاعر لا تختلف عما يشعر به أي عاشق اليوم.
نص الأغنية: كلمات من عمق التاريخ
الأغنية مكتوبة على لسان عروس تخاطب عريسها — الملك شو-سين ملك أور الثالثة — بكلمات حب رقيقة وشوق عميق. تبدأ العروس بمخاطبة الملك بألقاب حب وتصف جماله وسحره، ثم تتحدث عن فرحتها باللقاء وشوقها الذي لا ينطفئ. تتضرع إلى الإلهة إنانا أن تبارك هذا الاتحاد وتجعله مصدر خير وسعادة. وتنتهي الأغنية بمقطع يعبّر عن الامتنان والفرح بالحب الذي جمعهما.
ما يُدهش في هذا النص هو عالمية المشاعر التي يحتويها. فرغم أنه كُتب قبل أربعة آلاف سنة بلغة لم يعد يتحدثها أحد، إلا أنّ أي قارئ اليوم يمكنه أن يتعرّف على هذه المشاعر: الإعجاب بجمال الحبيب، والفرح باللقاء، والرغبة في أن يدوم الحب. هذا يؤكد أنّ جوهر الحب الإنساني واحد عبر العصور والحضارات.
«عريسي الغالي على قلبي... جمالك حلو كالعسل... أسدُ الله، الغالي على قلبي... ليتك تداعبني، ودلالي الذي يفوق العسل حلاوة...»
— من أقدم أغنية حب في العالم (لوح إسطنبول 2461، نحو 2000 ق.م)
طقس الزواج المقدس: السياق الروحي
كُتبت هذه الأغنية لتُنشد في طقس «الزواج المقدس» (هيروس غاموس) — أحد أهم الطقوس الدينية في الحضارة السومرية. في هذا الطقس السنوي كان ملك أور يتزوج كاهنة عليا تمثّل الإلهة إنانا في احتفال ضخم يشهده الآلاف من سكان المدينة. كان الاعتقاد السائد أنّ هذا الاتحاد الرمزي بين الملك والإلهة يضمن خصوبة الأرض وتدفّق مياه الأنهار ورخاء المملكة.
كان الاحتفال يبدأ بموكب مهيب يحمل فيه تمثال إنانا من معبدها إلى القصر الملكي، ترافقه الموسيقى والأناشيد الدينية. تُزيَّن الحجرة الملكية بالزهور والعطور، ويُعَدّ سرير مقدس للاتحاد الطقسي. ثم تُنشد أغاني الحب — ومنها هذه الأغنية — التي تعبّر عن فرح العروس الإلهية بالعريس الملكي. كان هذا الطقس يعكس إيماناً عميقاً بأنّ الحب ليس شعوراً بشرياً فحسب، بل هو قوة كونية مقدسة تربط الأرض بالسماء.
أناشيد شو-سين: مجموعة أدبية فريدة
لوح إسطنبول 2461 ليس النص الوحيد الذي وصلنا من هذا النوع. فقد عُثر على عدة ألواح تحتوي على أناشيد حب مرتبطة بالملك شو-سين وطقس الزواج المقدس. في إحدى هذه الأناشيد تصف الكاهنة/العروس كيف تجهّزت للقاء الملك: اغتسلت بالماء المعطّر، ودلكت جسدها بالزيوت الطيبة، ولبست أفضل ثيابها، وتزيّنت بالحلي.
في أنشودة أخرى تعبّر العروس عن فرحها بالحب الجسدي والروحي معاً، وتصف اللقاء بصور شعرية مستمدة من الطبيعة: الحب حلو كالعسل، والعريس جميل كالقمر، والفرح يملأ القلب كالماء الذي يملأ النهر. هذه النصوص تكشف عن ثقافة لا ترى في الحب عيباً أو خجلاً، بل تحتفي به كنعمة إلهية وقوة حيوية تستحق التقديس.
الشعر السومري: ما وراء الطقوس
لم يقتصر شعر الحب السومري على طقوس الزواج المقدس. فقد وصلتنا نصوص أدبية سومرية متنوعة تتناول الحب خارج السياق الديني الرسمي. من بينها حوارات شعرية بين عاشقَيْن يتبادلان كلمات الشوق والإعجاب، وقصائد تصف جمال المحبوبة وتأثيرها في قلب العاشق. بعض هذه النصوص وُجدت في مدارس الكتبة السومريين، مما يعني أنها كانت تُستخدم في تعليم الكتابة والأدب.
من أجمل هذه النصوص قصيدة تُعرف بـ«حوار العاشقين» يتبادل فيها رجل وامرأة كلمات الحب والإعجاب. يصف الرجل جمال محبوبته ويشبّهها بالنجوم والأزهار، وتردّ المرأة بوصف مشاعرها تجاهه وشوقها للقائه. هذا النمط الحواري في شعر الحب — الذي نجده لاحقاً في الشعر العربي وأشعار كثير من الحضارات — بدأ هنا في سومر قبل آلاف السنين.
من سومر إلى العالم: تأثير الشعر العراقي القديم
أثّر الشعر السومري والبابلي في الأدب الرومانسي للحضارات المجاورة. يرى بعض الباحثين أنّ نشيد الأنشاد في الكتاب المقدس — وهو أحد أشهر نصوص الحب في التراث الإنساني — تأثّر بأناشيد الحب السومرية من حيث البنية واللغة الشعرية والصور المجازية. كما أثّرت التقاليد الأدبية لبلاد الرافدين في الشعر المصري واليوناني اللاحق.
خاتمة: تظل أقدم أغنية حب في العالم شاهدة على أنّ البشر — في كل العصور وكل الحضارات — عرفوا الحب وعبّروا عنه بأجمل الكلمات. هذه الرحلة الطويلة للحب الإنساني تجلّت في أبهى صورها في القرآن الكريم الذي وصف العلاقة بين الزوجين بالمودة والرحمة والسكينة، وفي الشعر العربي الذي واصل هذا التقليد العريق في التعبير عن الحب بأسمى الكلمات. فالقلب الإنساني واحد، مهما تبدّلت اللغات وتعاقبت الحضارات.
