💍

الزواج في بابل القديمة

طقوس وتقاليد الزواج البابلي — من المفاوضات العائلية إلى حفل الزفاف وعقد الزواج الطيني

الحب شعور إنساني عابر للزمن والحدود. منذ فجر الحضارة، عبّر البشر عن الحب بطرق مدهشة ومتنوعة. وفي بابل القديمة — واحدة من أعظم مدن التاريخ — لم يكتفِ الناس بالتعبير عن الحب في الشعر والفن، بل نظّموا الزواج بعقود مكتوبة وقوانين دقيقة تعكس احتراماً عميقاً للأسرة وحقوق الطرفين.

الخطبة البابلية: مفاوضات واتفاقات

كان الزواج في بابل القديمة يبدأ بـمفاوضات رسمية بين عائلة العريس وعائلة العروس. كان والد العريس أو من ينوب عنه يزور بيت العروس ويقدّم طلب الزواج مع هدية أولية تُسمى «بيبلو». إذا وافقت عائلة العروس تبدأ المفاوضات الجدية حول شروط الزواج: مبلغ المهر، ومحتوى الجهاز، وحقوق الزوجة في حال الطلاق، والتزامات الزوج المالية.

كانت هذه المفاوضات تأخذ طابعاً قانونياً جدياً. فبمجرد الاتفاق على الشروط يُعتبر العقد ملزماً للطرفين. وإذا تراجع أحد الطرفين عن الاتفاق بعد تقديم المهر، تنطبق عليه عقوبات مالية محددة. فإذا تراجع العريس يخسر المهر الذي دفعه، وإذا تراجعت عائلة العروس فعليها ردّ المهر مضاعفاً. هذا النظام كان يضمن جدية الطرفين ويحمي حقوقهما.

عقد الزواج: وثيقة على الطين

من أبرز ملامح نظام الزواج البابلي عقد الزواج المكتوب. كان يُكتب على لوح طيني بالخط المسماري ويتضمن أسماء الزوجين وأسماء آبائهما، ومبلغ المهر المدفوع، ومحتوى الجهاز، وحقوق الزوجة في حال الطلاق أو وفاة الزوج، والتزامات الزوج تجاه زوجته وأطفاله. يُختم العقد بأسماء الشهود وتواريخهم، ويُحتفظ بنسخة في بيت الأسرة.

المدهش أنّ شريعة حمورابي نصّت صراحة على أنّ الزواج بدون عقد مكتوب لا يُعتبر زواجاً شرعياً. هذا يعني أنّ البابليين قبل أربعة آلاف سنة أدركوا أهمية التوثيق القانوني للعلاقة الزوجية لحماية حقوق الطرفين، وخاصة حقوق المرأة. وقد وُجدت مئات عقود الزواج البابلية على ألواح طينية في مدن مختلفة، مما يؤكد انتشار هذه الممارسة في المجتمع البابلي.

«إذا تزوّج رجل امرأة ولم يُبرم لها عقداً مكتوباً فتلك المرأة ليست زوجة»

— شريعة حمورابي، المادة 128

المهر والجهاز: نظام مالي متكامل

تضمّن نظام الزواج البابلي نوعين من المدفوعات المالية. الأول هو «الترخاتو» (المهر) — وهو مبلغ مالي أو ممتلكات يدفعها العريس أو عائلته إلى عائلة العروس. كان المهر يُعتبر تعويضاً عن فقدان ابنتهم التي ستنتقل إلى بيت الزوج، ودليلاً على قدرة العريس المالية وجديته في الزواج. تراوح مبلغ المهر حسب الطبقة الاجتماعية: من بضعة شقلات فضة عند الفقراء إلى مبالغ كبيرة عند الأثرياء.

النوع الثاني هو «الشيريكتو» (الجهاز) — وهو مجموعة من الممتلكات والأمتعة تقدّمها عائلة العروس لابنتها عند زواجها. كان الجهاز يشمل عادةً ملابس وأدوات منزلية وأحياناً أراضٍ أو عبيداً أو ماشية. الأهم أنّ الجهاز يظل ملكاً حصرياً للعروس طوال حياتها: لا يحق للزوج التصرف فيه بدون إذنها، وفي حال الطلاق يعود إليها كاملاً، وعند وفاتها يُورَّث لأبنائها فقط. هذا النظام كان يوفّر للمرأة استقلالاً مالياً مهماً.

حفل الزفاف: احتفال ووليمة

بعد توقيع العقد ودفع المهر، يُقام حفل الزفاف — وهو مناسبة اجتماعية مهمة تجمع الأقارب والأصدقاء والجيران. كانت العروس البابلية تتزيّن بملابس فاخرة وحُلي ثمينة وتوضع على رأسها الحجاب — وهو رمز مهم في الثقافة البابلية يميّز المرأة المتزوجة عن غيرها. ثم تُنقل العروس من بيت أبيها إلى بيت الزوج في موكب يرافقه الغناء والموسيقى.

يُقيم أهل العريس وليمة كبيرة تستمر عدة أيام أحياناً، يُقدَّم فيها الطعام والشراب للمدعوين. كان الشهود يحضرون الحفل لتأكيد شرعية الزواج، وكانت تُردّد أدعية وأناشيد تطلب بركة الآلهة — خاصة إنانا/عشتار إلهة الحب — على الزوجين. هذه الطقوس تؤكد أنّ الزواج البابلي لم يكن مجرد صفقة مالية، بل كان مناسبة اجتماعية ودينية يحتفي فيها المجتمع بالحب والأسرة الجديدة.

دور المرأة في الأسرة البابلية

على عكس ما قد يتوقعه البعض، كانت المرأة البابلية تتمتع بحقوق قانونية ملموسة داخل الأسرة. كانت مسؤولة عن إدارة شؤون البيت والأطفال، لكنها كانت أيضاً قادرة على إدارة أعمال تجارية خاصة بها وامتلاك عقارات والتعاقد مع الآخرين. بعض النساء البابليات كنّ تاجرات ناجحات يملكن ثروات مستقلة عن أزواجهن.

في حالة وفاة الزوج، كان للمرأة حق البقاء في بيت الزوجية والإشراف على تربية أطفالها وإدارة ممتلكات الأسرة. وكان لها حق الزواج مرة أخرى إذا رغبت في ذلك. كما حمت القوانين البابلية الأرملة من طمع الأقارب في ممتلكاتها وممتلكات أطفالها. هذه الحماية القانونية تعكس وعياً مبكراً بأهمية حماية المرأة وتمكينها داخل المنظومة الأسرية.

الطلاق في بابل: حقوق وضمانات

رغم أنّ الطلاق لم يكن أمراً مستحسناً في المجتمع البابلي، إلا أنّ القانون نظّمه بعناية لحماية حقوق الطرفين. كان للرجل حق طلاق زوجته، لكن مع التزامات مالية صارمة: عليه أن يعيد لها جهازها كاملاً ويدفع لها تعويضاً مالياً (مثل المهر الذي دفعه)، وأن ينفق عليها وعلى أطفالها. هذه الشروط المالية كانت تردع الأزواج عن الطلاق بلا سبب جدي.

الأهم من ذلك أنّ المرأة البابلية كان لها حق طلب الطلاق في حالات محددة: إذا أهملها الزوج أو أساء معاملتها أو هجرها. كانت القضية تُعرض على القضاة الذين يستمعون لكلا الطرفين ويحكمون وفقاً للقانون. هذا الحق النادر في العالم القديم يعكس تقديراً حقيقياً لكرامة المرأة وحقها في حياة كريمة.

خاتمة: يكشف نظام الزواج البابلي عن حضارة متقدمة أدركت منذ آلاف السنين أنّ الزواج ليس مجرد رابطة عاطفية بل هو أيضاً شراكة اجتماعية وقانونية تحتاج إلى تنظيم وحماية. هذه القيم — احترام حقوق المرأة وتوثيق الزواج وتنظيم الأسرة — تجلّت لاحقاً وبشكل أسمى في الإسلام الذي جعل من عقد الزواج ميثاقاً غليظاً، وحدد حقوق الزوجين وواجباتهما بوضوح، وجعل المودة والرحمة أساس العلاقة الزوجية.

أسئلة شائعة

كيف كان يتم الزواج في بابل القديمة؟
كان الزواج في بابل القديمة عملية منظّمة تمر بعدة مراحل. يبدأ الأمر بمفاوضات بين عائلتي العريس والعروس لتحديد شروط الزواج والمهر. بعد الاتفاق يُكتب عقد زواج رسمي على لوح طيني يحدد حقوق الطرفين والتزاماتهما المالية. يدفع العريس أو عائلته مهراً (ترخاتو) لعائلة العروس، وتقدّم عائلة العروس جهازاً (شيريكتو) يظل ملكاً للعروس. يُختتم الزواج بحفل وليمة يحضرها الأقارب والجيران كشهود على الاتحاد.
هل كانت المرأة البابلية تختار زوجها؟
كان الزواج البابلي يُرتّب عادة بين العائلتين، لكنّ ذلك لا يعني أنّ المرأة كانت بلا رأي. تشير بعض النصوص إلى أنّ رغبة العروس كانت تؤخذ بعين الاعتبار، وكانت هناك حالات تتزوج فيها المرأة بمن تحب بموافقة الأسرة. كما كان للمرأة حق رفض الزواج في بعض الظروف. وفي حالات الطلاق كان للمرأة حق طلب الطلاق إذا أثبتت سوء معاملة الزوج، وكانت تحتفظ بجهازها وتحصل على نفقة لها ولأطفالها وفقاً لشريعة حمورابي.
ما الفرق بين المهر والجهاز في الزواج البابلي؟
في نظام الزواج البابلي كان هناك نوعان من المدفوعات: المهر (ترخاتو) والجهاز (شيريكتو). المهر كان يُدفع من عائلة العريس إلى عائلة العروس كتعويض عن فقدان ابنتهم ودليل على جدية العريس والتزامه. أما الجهاز فكان يُقدَّم من عائلة العروس وكان يشمل ممتلكات وأمتعة وأحياناً أموالاً تأخذها العروس معها إلى بيت الزوجية. المهم أنّ الجهاز يظل ملكاً للعروس طوال الزواج وبعد الطلاق، وكان يُورَّث لأبنائها بعد وفاتها. هذا النظام كان يوفّر حماية مالية مهمة للمرأة.
هل كان تعدد الزوجات مباحاً في بابل القديمة؟
كان الزواج البابلي في الأصل زواجاً أحادياً — أي أنّ الرجل يتزوج امرأة واحدة. لكنّ شريعة حمورابي أباحت للرجل أن يتخذ زوجة ثانية في حالات محددة، أبرزها إذا كانت الزوجة الأولى مريضة مرضاً مزمناً لا شفاء منه أو إذا لم تنجب أطفالاً. حتى في هذه الحالات كانت حقوق الزوجة الأولى محفوظة ولا يجوز للزوج طلاقها. كما كان يحق للزوجة أن تقدّم جارية لزوجها لتنجب أطفالاً بدلاً منها، مع احتفاظها بمكانتها كزوجة رئيسية.