الحب شعور إنساني عابر للزمن والحدود. منذ فجر الحضارة، عبّر البشر عن الحب بطرق مدهشة ومتنوعة. في هذا المقال نستكشف كيف فهم أجداد مصر الحب، وكيف عبّروا عنه بالشعر والفن والطقوس. هذه رحلة في تاريخ المشاعر الإنسانية التي توحّد البشرية جمعاء.
عقود الزواج المصرية: وثائق قانونية متقدمة
من أكثر الأمور إثارةً للإعجاب في الحضارة المصرية القديمة هو نظام الزواج القانوني المتطور الذي عرفه المصريون قبل آلاف السنين. فقد عُثر على عقود زواج مكتوبة على ورق البردي تعود إلى عصر الدولة الحديثة (نحو 1550-1070 ق.م) وما بعدها، تتضمن بنوداً قانونية مفصّلة تحمي حقوق كلا الطرفين.
كانت هذه العقود تُحرَّر عادةً أمام شهود، وتتضمن قائمة بممتلكات الزوجة التي تحتفظ بملكيتها بعد الزواج، والتزامات الزوج المالية تجاه زوجته وأسرته، ونصيب الزوجة من الممتلكات المشتركة في حال انتهاء الزواج. بعض هذه العقود كانت تحدد أيضاً شروطاً خاصة يتفق عليها الطرفان، مثل التزام الزوج بعدم الزواج بأخرى أو حق الزوجة في السكن في منزل معين.
«جعلتكِ زوجتي... وأُقسم ألا أترككِ، وأن أنفق عليكِ كل ما تحتاجين»
— من عقد زواج مصري قديم (نحو 500 ق.م)
حقوق المرأة في الزواج: تقدّم سبق العصور
ما يُدهش الباحثين المعاصرين حقاً هو المكانة القانونية المتقدمة التي حظيت بها المرأة المصرية في مجال الزواج والأسرة. ففي الوقت الذي كانت فيه المرأة في كثير من حضارات العالم القديم تُعامَل كملكية للرجل، كانت المصرية تتمتع بحقوق قانونية واسعة لا تقل عن حقوق الرجل.
من أبرز هذه الحقوق: حق اختيار الزوج بموافقتها الشخصية، وحق الاحتفاظ بممتلكاتها الخاصة بعد الزواج، وحق البيع والشراء والتجارة باسمها، وحق كتابة الوصية وتوريث ممتلكاتها لمن تشاء، وحق المثول أمام المحاكم والشهادة فيها. كانت المرأة المصرية تُعرَّف باسمها الخاص في الوثائق القانونية، وليس باسم زوجها أو أبيها كما كان شائعاً في حضارات أخرى.
الطلاق في مصر القديمة: حق للزوجين معاً
اعترف القانون المصري القديم بحق الطلاق لكلا الزوجين. كان بإمكان المرأة أن تطلب الطلاق وتحصل عليه إذا أساء زوجها معاملتها أو أهملها أو تزوج عليها دون رضاها. وفي حال وقوع الطلاق كانت هناك إجراءات قانونية واضحة لتقسيم الممتلكات وحماية حقوق الأطفال.
تنص بعض عقود الزواج المكتشفة على أنّ الزوج المتسبب في الطلاق يُلزَم بدفع تعويض مالي للطرف الآخر. وفي حالات الخيانة الزوجية كان العقاب يقع على الطرف الخائن — رجلاً كان أو امرأة — وهو ما يعكس مبدأ المساواة أمام القانون. كما كانت المرأة المطلقة تحتفظ بحقها في الزواج مرة أخرى دون أي وصمة اجتماعية، وكانت تحتفظ بحضانة أطفالها الصغار في أغلب الأحيان.
الأسرة المصرية: الحب في الحياة اليومية
تكشف النقوش والرسومات المصرية القديمة عن حياة أسرية دافئة ومحبة. في جدران المقابر نرى مشاهد للزوجين وهما يجلسان معاً في حديقتهما، والزوجة تضع يدها على كتف زوجها أو تقدّم له زهرة لوتس. نرى أيضاً مشاهد للأسرة كاملة: الأب والأم يلعبان مع أطفالهما، والأبناء يصطادون الطيور معاً، والعائلة تتناول الطعام في احتفال.
كان المصريون يهتمون كثيراً بالحياة المنزلية، وكانت البيوت المصرية مصممة لتكون مريحة وجميلة. في قرية دير المدينة بالأقصر — التي سكنها عمال بناء المقابر الملكية — وُجدت بيوت أنيقة ذات غرف متعددة وحدائق صغيرة وغرف نوم مزيّنة. وُجدت أيضاً رسائل شخصية بين الأزواج تكشف عن مشاعر حب وشوق حقيقية، مما يدل على أنّ الحب الزوجي لم يكن مجرد واجب اجتماعي بل كان علاقة عاطفية صادقة.
نصائح الحكماء للأزواج: حكمة أجداد مصر
ترك لنا الحكماء المصريون القدماء نصائح رائعة عن الحياة الزوجية تكشف عن فهم عميق لأسس الزواج الناجح. من أشهر هذه النصائح ما ورد في «تعاليم بتاح حتب» — وهي من أقدم نصوص الحكمة في التاريخ (نحو 2400 ق.م) — حيث ينصح الحكيم بتاح حتب الشباب بأن يحبوا زوجاتهم ويحترموهن ويُطعموهن ويكسوهن ويُسعدوهن.
وفي «تعاليم آني» (نحو 1300 ق.م) ينصح الحكيم بأن يعامل الرجل زوجته بالحب والاحترام، وألا يكون قاسياً معها أو يُذلّها أمام الآخرين. ويقول: «أحبب زوجتك بإخلاص، واملأ بطنها وأكسِ ظهرها، وادّهن جسدها بالعطور، وأسعد قلبها ما دمت حياً». هذه النصائح تعكس ثقافة تُقدّر الشراكة الزوجية وتراها أساس السعادة والاستقرار.
خاتمة: يكشف نظام الزواج في مصر القديمة عن حضارة متقدمة فهمت أنّ الحب يحتاج إلى إطار قانوني يحمي الحقوق ويصون الكرامة. فالعقود والقوانين التي وضعها أجداد مصر لم تكن قيوداً على الحب، بل كانت حمايةً له وللطرفين معاً. وهذه الحكمة نفسها نجدها في الإسلام الذي جعل للزواج عقداً وشهوداً وحقوقاً واضحة لكل من الزوج والزوجة، ووصف العلاقة الزوجية بأجمل الأوصاف: «هنّ لباس لكم وأنتم لباس لهنّ». وفي الشعر العربي احتفى الشعراء بالحب الزوجي وبالأسرة المحبة عبر العصور.
