الحب شعور إنساني عابر للزمن والحدود. منذ فجر الحضارة، عبّر البشر عن الحب بطرق مدهشة ومتنوعة. في هذا المقال نستكشف كيف فهم أجداد مصر الحب، وكيف عبّروا عنه بالشعر والفن والطقوس. هذه رحلة في تاريخ المشاعر الإنسانية التي توحّد البشرية جمعاء.
«الجميلة جاءت»: نفرتيتي في التاريخ
قليلة هي الشخصيات التاريخية التي استحوذت على خيال العالم مثل نفرتيتي. اسمها بالمصرية القديمة يعني «الجميلة جاءت»، وقد صدق اسمها إلى أبعد الحدود. فالتمثال النصفي الشهير المحفوظ في متحف برلين — الذي يعود إلى نحو 1345 قبل الميلاد — يكشف عن وجه ذي جمال مذهل: ملامح متناسقة، وعنق طويل رشيق، وعينان واسعتان تشعّان بالثقة والذكاء.
لكنّ نفرتيتي لم تكن مجرد وجه جميل في بلاط الفراعنة. كانت ملكة قوية وذكية ومؤثرة، وقفت إلى جانب زوجها أخناتون في أعظم ثورة دينية عرفتها مصر القديمة. وكانت شريكته الحقيقية في الحكم والفكر والعقيدة، لدرجة أنّ بعض العلماء يعتقدون أنها حكمت مصر بنفسها بعد وفاته.
أخناتون: الفرعون الذي غيّر كل شيء
كان أمنحتب الرابع — الذي غيّر اسمه لاحقاً إلى أخناتون — فرعوناً مختلفاً عن كل من سبقه. فبدلاً من اتباع التقاليد الدينية الراسخة التي سادت مصر آلاف السنين، قرّر هذا الفرعون الشاب أن يسلك طريقاً جديداً. أعلن أنّ «آتون» — قرص الشمس — هو الإله الأعلى الذي يستحق العبادة، وأنّ نوره يشمل كل الكائنات بالرعاية والحياة.
هجر أخناتون العاصمة القديمة طيبة (الأقصر) وبنى مدينة جديدة بالكامل سمّاها «أخت آتون» (أفق آتون) في المكان المعروف اليوم بتل العمارنة في صعيد مصر. هذه المدينة كانت تجسيداً لرؤيته الجديدة: شوارع واسعة، وقصور مفتوحة تدخلها أشعة الشمس، ومعابد بلا سقوف حتى يصل نور آتون مباشرة إلى المتعبدين. في هذه المدينة المشمسة عاش أخناتون ونفرتيتي قصة حبهما الأسطورية.
«زوجتي الملكية العظمى، حبيبتي، سيدة الأرضَيْن... نفرتيتي الجميلة، الحيّة إلى الأبد»
— نقش ملكي من تل العمارنة (نحو 1340 ق.م)
فن العمارنة: الحب في مشاهد حميمية
من أبرز ما ميّز عصر أخناتون ونفرتيتي هو الثورة الفنية التي رافقت الثورة الدينية. فقد تغيّر الفن المصري تغيّراً جذرياً خلال فترة العمارنة (نحو 1353-1336 ق.م). بدلاً من التصوير الرسمي الجامد التقليدي للفراعنة، ظهر أسلوب جديد يتسم بالطبيعية والحميمية والعاطفة.
في نقوش تل العمارنة نرى مشاهد لم يسبق لها مثيل في الفن الفرعوني: أخناتون ونفرتيتي يتبادلان القبلات تحت أشعة آتون، والعائلة الملكية تجلس معاً في لحظات أسرية دافئة. في إحدى اللوحات الشهيرة نرى الزوجين يجلسان وبناتهما الست يلعبن حولهما، وأشعة آتون تنتهي بأيدٍ صغيرة تحمل رمز الحياة (عنخ) وتقدّمه للعائلة. هذا التصوير يكشف أنّ أخناتون أراد أن يُظهر للعالم أنّ الأسرة المحبة هي أساس المجتمع، وأنّ الحب بين الزوجين هو انعكاس لحب الإله لخلقه.
في مشهد آخر نرى نفرتيتي تجلس على حِجر أخناتون وهو يُقبّل ابنتهما الصغيرة. وفي لوحة ثالثة نرى الزوجين يركبان العربة الحربية معاً، ونفرتيتي تمسك بذراع أخناتون في لفتة رومانسية واضحة. هذه المشاهد كانت ثورية لأنّ الفن المصري التقليدي كان يُصوّر الفرعون دائماً في وضعية رسمية قوية، ولم يكن يُظهر المشاعر العائلية بهذا الشكل الصريح.
نشيد آتون الكبير: شعر الحب الكوني
ترك لنا أخناتون نصاً أدبياً فريداً يُعرف بـ«نشيد آتون الكبير»، وهو قصيدة طويلة تمجّد قرص الشمس باعتباره مصدر الحياة والنور والحب. في هذا النشيد يصف أخناتون كيف يشرق آتون فتستيقظ الحياة: الطيور تغنّي، والأسماك تقفز في النهر، والأزهار تتفتح، والأمهات يُرضعن أطفالهن. إنها رؤية كونية للحب تتجاوز الحب الرومانسي لتشمل حب الحياة كلها.
لاحظ كثير من الباحثين أوجه شبه بين نشيد آتون وبعض نصوص التراث الديني العالمي، مما يدل على أنّ الإحساس بوحدانية الخالق ومحبته لخلقه هو شعور إنساني عميق ظهر في حضارات متعددة. وفي الإسلام نجد هذا المعنى في قوله تعالى عن المودة والرحمة بين الزوجين، وفي وصف الحب الإلهي الذي يشمل كل المخلوقات.
نفرتيتي: الملكة التي حكمت مصر
الأدلة الأثرية تشير إلى أنّ نفرتيتي لم تكن مجرد زوجة تقف في ظل الفرعون، بل كانت شريكة حقيقية في الحكم. في النقوش الملكية تظهر نفرتيتي وهي تضرب أعداء مصر بالمقمعة — وهو مشهد كان حكراً على الفراعنة أنفسهم. كما تظهر وهي تقود الطقوس الدينية في معابد آتون، وتقدّم القرابين باسمها الخاص. هذا المستوى من السلطة كان نادراً جداً للملكات في تاريخ مصر القديمة.
بعض العلماء يعتقدون أنّ نفرتيتي حكمت مصر فعلاً كفرعون بعد وفاة أخناتون أو حتى في أواخر حكمه، ربما باسم «نفر نفرو آتون» أو «سمنخ كا رع». وسواء صحّت هذه النظرية أم لا، فإنّ ما لا شك فيه هو أنّ نفرتيتي كانت واحدة من أقوى النساء وأكثرهن تأثيراً في التاريخ القديم.
خاتمة: تظل قصة نفرتيتي وأخناتون من أجمل قصص الحب في التاريخ الإنساني. ليس لأنها قصة ملكية مليئة بالبذخ والسلطة فحسب، بل لأنها قصة زوجين آمنا بفكرة واحدة وعملا معاً لتحقيقها. كان حبهما ملهماً لثورة في الفن والدين والمجتمع. وهذه الرؤية للحب كشراكة حقيقية بين الزوجين وجدت صداها في القرآن الكريم الذي جعل الزوجة «لباساً» للزوج والزوج «لباساً» لها — تعبيراً عن التكامل والحماية والقرب. وفي شعر الحب المصري القديم نجد الصدى نفسه لهذه المشاعر الخالدة.
