مصر: أرض الحب الأولى
الحب شعور إنساني عابر للزمن والحدود. منذ فجر الحضارة، عبّر البشر عن الحب بطرق مدهشة ومتنوعة. وفي مصر القديمة، أبدع أجداد مصر في التعبير عن مشاعرهم بشكل لا يقل جمالاً وعمقاً عن أرقى ما كُتب في الأدب الحديث.
قبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة، كان المصريون يكتبون قصائد حب على ورق البردي، ويرسمون مشاهد رومانسية على جدران المقابر، ويغنّون أغاني غرامية في حفلاتهم. كان لديهم إلهة مخصصة للحب — حتحور — ونظام زواج متقدم يحمي حقوق المرأة بشكل مدهش. وقد أثرت قصص الحب المصرية القديمة في الأدب العالمي وألهمت الشعراء والكتّاب عبر العصور.
من المدهش أنّ المشاعر التي عبّر عنها المصريون القدماء لا تختلف في جوهرها عما نشعر به اليوم: الشوق للحبيب، والفرح باللقاء، وألم الفراق، والأمل في المستقبل معاً. هذا يؤكد أنّ الحب يوحّد البشرية عبر العصور، وأنّ القلب الإنساني لا يتغير مهما تغيّرت الحضارات.
«وجدتُ حبيبي يقف عند النهر... فطار قلبي فرحاً كطائر يحلّق فوق الحقول»
— من قصيدة مصرية قديمة (بردية هاريس 500، نحو 1200 ق.م)
الشعر المصري القديم: كلمات لا تشيخ
تُعدّ قصائد الحب المصرية القديمة من أقدم النصوص الأدبية الرومانسية في تاريخ البشرية. وُجدت هذه القصائد مكتوبة على أوراق البردي وعلى شقف الفخار (الأوستراكا)، وتعود إلى عصر الدولة الحديثة (نحو 1550-1070 ق.م). كان العاشق يُنادي محبوبته بلقب «أختي» وتناديه «أخي»، وهي ألقاب حب ودلال لا قرابة.
في هذه القصائد نجد وصفاً حياً للمشاعر الإنسانية بكل تفاصيلها: خفقان القلب عند رؤية المحبوب، والسهر في الليل شوقاً إليه، والفرح الغامر عند اللقاء. استخدم الشعراء المصريون صوراً شعرية مستمدة من بيئتهم الطبيعية: نهر النيل، وأزهار اللوتس، والطيور المهاجرة، وأشجار الجميز. وقد وصلتنا هذه القصائد بفضل المناخ الجاف في مصر الذي حفظ أوراق البردي آلاف السنين.
حتحور والفن والموسيقى
لم يقتصر التعبير عن الحب عند المصريين القدماء على الشعر فحسب، بل شمل الفن والموسيقى والرقص والطقوس الدينية. كانت الإلهة حتحور — إلهة الحب والجمال والموسيقى — محور الحياة الروحية المرتبطة بالحب. في معبدها الرائع في دندرة، كان المصريون يقيمون احتفالات ضخمة تجمع بين الموسيقى والرقص والغناء احتفاءً بالحب والحياة.
وتُظهر النقوش على جدران المقابر مشاهد رومانسية مؤثرة: أزواج يجلسون معاً في حدائقهم، وزوجات يقدّمن الزهور لأزواجهن، وعائلات تتنزه على ضفاف النيل. هذه المشاهد تكشف أنّ الحب في مصر القديمة لم يكن مجرد شعور مخبوء، بل كان جزءاً مرئياً ومحتفى به في الحياة اليومية.
الزواج في مصر القديمة: تقدّم مدهش
من أكثر ما يُدهش الباحثين في الحضارة المصرية القديمة هو المكانة المتقدمة التي حظيت بها المرأة في مجال الزواج والأسرة. فالمرأة المصرية كانت تملك حق اختيار شريك حياتها، وحق طلب الطلاق إذا ساءت المعاملة، وحق الاحتفاظ بممتلكاتها الخاصة بعد الزواج. وكانت عقود الزواج تحدد بوضوح حقوق الزوجة المالية والتزامات الزوج.
هذه القيم الإنسانية العميقة — احترام المرأة وحماية حقوقها والاحتفاء بالحب — وجدت صداها أيضاً في الإسلام الذي أكد على المودة والرحمة بين الزوجين وجعل لكل منهما حقوقاً وواجبات واضحة. فالحب رحلة إنسانية طويلة، وكل حضارة أضافت إليها حكمتها وتجربتها.
