💌

رسائل حب فرعونية

مكاتيب غرام حقيقية كتبها عمّال وحرفيون مصريون على شقف الفخار قبل آلاف السنين

الحب شعور إنساني عابر للزمن والحدود. منذ فجر الحضارة، عبّر البشر عن الحب بطرق مدهشة ومتنوعة. في هذا المقال نستكشف كيف فهم أجداد مصر الحب، وكيف عبّروا عنه بالشعر والفن والطقوس. هذه رحلة في تاريخ المشاعر الإنسانية التي توحّد البشرية جمعاء.

دير المدينة: قرية العمّال التي حفظت أسرار الحب

على الضفة الغربية لنهر النيل، قبالة مدينة الأقصر العريقة، تقع بقايا قرية صغيرة تحمل اسم دير المدينة (اسمها المصري القديم «ست ماعت» أي «مكان الحق»). هذه القرية المتواضعة كان يسكنها العمال والحرفيون الذين كلّفهم الفراعنة ببناء وتزيين مقابرهم الملكية في وادي الملوك ووادي الملكات.

ما يجعل دير المدينة كنزاً لا يُقدَّر بثمن هو أنّ سكانها كانوا من أكثر المصريين تعلّماً وثقافة. فبحكم عملهم في كتابة النصوص الدينية ورسم المشاهد على جدران المقابر، كان معظمهم يجيد القراءة والكتابة — وهي مهارة نادرة في العالم القديم. وقد تركوا وراءهم آلاف الوثائق المكتوبة على شقف الفخار والحجر الجيري (الأوستراكا)، من بينها رسائل حب شخصية تكشف عن مشاعرهم الحقيقية تجاه أزواجهم وأحبابهم.

رسائل الشوق: كلمات من عمال وادي الملوك

كان عمال دير المدينة يعملون في مواقع المقابر الملكية لمدة ثمانية أيام متواصلة ثم يعودون إلى بيوتهم وعائلاتهم ليومين من الراحة. خلال أيام العمل البعيدة عن الأهل كان بعضهم يكتب رسائل إلى زوجاتهم يعبّرون فيها عن الشوق والحنين. هذه الرسائل لم تكن أعمالاً أدبية منمّقة، بل كانت كلمات صادقة بسيطة نابعة من القلب.

في إحدى الرسائل المكتشفة يكتب عامل لزوجته يسألها عن أحوالها وأحوال الأولاد، ويخبرها بأنه يشتاق إليها ولا يستطيع النوم في الليل من كثرة التفكير بها. في رسالة أخرى يطلب عامل من صديقه أن يوصل رسالة إلى زوجته يخبرها فيها بأنه بخير وأنه سيعود قريباً. هذه التفاصيل البسيطة تكشف عن حياة عاطفية غنية لدى عامة الشعب المصري، لا تقل دفئاً عن مشاعر الملوك والنبلاء.

«أيتها الأخت الحبيبة... ليتني كنت خاتماً في إصبعكِ فلا أفارقكِ لحظة واحدة»

— من أوستراكون محفوظ في متحف القاهرة

رسائل على ورق البردي: كلمات عشق رسمية

إلى جانب الأوستراكا الشعبية، وصلتنا أيضاً رسائل حب مكتوبة على ورق البردي، وهي عادةً أطول وأكثر أناقة في الأسلوب. هذه الرسائل كتبها أشخاص من الطبقات الأعلى الذين كانوا يستطيعون تحمّل تكلفة البردي. بعض هذه الرسائل يقع على الحدود بين الرسالة الشخصية والقصيدة الأدبية، حيث يمزج الكاتب بين التعبير عن مشاعره الخاصة واستخدام صور شعرية تقليدية.

في إحدى هذه الرسائل يصف الكاتب كيف يتغيّر العالم حوله حين يرى حبيبته: النيل يبدو أجمل، والأشجار أكثر خضرة، والطيور تغني أعذب. وفي رسالة أخرى تكتب امرأة لحبيبها تصف له كيف تتعطّر وتتزيّن كل يوم انتظاراً لعودته، وكيف تقف عند النافذة تراقب الطريق الذي سيأتي منه. هذه المشاعر الإنسانية البسيطة — الشوق والانتظار والأمل — لا تتغير مهما تغيّرت العصور.

رسائل العتاب والغيرة: مشاعر إنسانية خالدة

لم تكن كل الرسائل المكتشفة رسائل شوق ووله. فقد وُجدت أيضاً رسائل عتاب وغيرة تكشف عن الجانب الآخر من العلاقات العاطفية. في إحدى الرسائل تعاتب زوجة زوجها الغائب لأنه لم يرسل لها أخباراً منذ فترة طويلة، وتتساءل إن كان قد نسيها. وفي رسالة أخرى يشكو رجل من أنّ زوجته لا تهتم به كما كانت في بداية زواجهما.

وُجدت أيضاً رسائل غيرة صريحة، حيث يعاتب أحد الطرفين الآخر على اهتمامه بشخص ثالث. وفي بعض الحالات وُجدت رسائل تتضمن شكاوى إلى القضاة بسبب خلافات زوجية. هذه الوثائق تكشف لنا أنّ الحياة العاطفية في مصر القديمة كانت غنية ومعقدة ومتعددة الأبعاد تماماً كما هي اليوم — فالحب لم يكن دائماً سلساً وهادئاً، بل كان يحمل معه أيضاً تحدياته ومصاعبه.

رسائل إلى الأموات: حب يتجاوز الموت

من أكثر الوثائق المصرية إثارةً للمشاعر هي «رسائل إلى الأموات» — وهي رسائل كان المصريون يكتبونها لأحبائهم المتوفّين ويضعونها في قبورهم أو بالقرب منها. بعض هذه الرسائل كتبها أزواج فقدوا شريكات حياتهم، وفيها يعبّرون عن حزنهم وشوقهم ويتحدثون إلى الراحلين كأنهم ما زالوا أحياء.

في رسالة شهيرة يكتب رجل يُدعى «بوتحمس» إلى زوجته المتوفاة «أنخيري» يقول لها إنه لم يسئ إليها في حياتها، ويسألها لماذا تركته وحيداً، ويخبرها بأنه لم يتزوج بعدها لأنّ لا أحد يمكن أن يحل محلها. هذه الرسالة — التي يبلغ عمرها أكثر من ثلاثة آلاف سنة — تكشف عن عمق الحب الذي لا يموت بموت الجسد، وعن إيمان المصريين بأنّ الرابطة بين المحبين تتجاوز الحياة الدنيا.

خاتمة: تكشف رسائل الحب الفرعونية عن حقيقة بسيطة وعميقة: المشاعر الإنسانية لا تتغير. فما شعر به عامل مصري قبل ثلاثة آلاف سنة من شوق لزوجته، وما كتبته امرأة مصرية من حنين لزوجها الغائب، هو نفس ما يشعر به الناس اليوم في كل مكان على وجه الأرض. وهذه الحقيقة هي ما أكده القرآن الكريم حين جعل الحب بين الزوجين آية كونية تشمل كل البشر: «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة». وفي شعر الحب المصري القديم نجد الصدى الأدبي لهذه الرسائل الشخصية الصادقة.

أسئلة شائعة

هل فعلاً وُجدت رسائل حب حقيقية من مصر القديمة؟
نعم، وُجدت رسائل حب حقيقية كثيرة من مصر القديمة. اكتشف علماء الآثار عشرات الرسائل الشخصية والغرامية مكتوبة على ورق البردي وعلى شقف الفخار (الأوستراكا). أغلب هذه الرسائل عُثر عليها في قرية دير المدينة بالأقصر، حيث سكن عمال بناء المقابر الملكية في وادي الملوك. تكشف هذه الرسائل عن مشاعر حب وشوق وغيرة حقيقية بين أزواج وعشّاق عاشوا قبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة، وهي من أثمن الوثائق التي تكشف لنا عن الحياة العاطفية للمصريين القدماء.
ما هي الأوستراكا ولماذا كتب عليها المصريون؟
الأوستراكا (المفرد: أوستراكون) هي قطع من الفخار المكسور أو شظايا الحجر الجيري التي استخدمها المصريون القدماء كمادة للكتابة. كان ورق البردي مكلفاً نسبياً ولم يكن متاحاً للجميع، بينما كانت شقف الفخار والحجر متوفرة بكثرة ومجانية. لذلك استخدم عامة الشعب الأوستراكا لكتابة رسائلهم الشخصية وملاحظاتهم اليومية وتمارين أبنائهم المدرسية ورسائل الحب. وُجدت آلاف الأوستراكا في قرية دير المدينة، وتُعدّ من أغنى المصادر لفهم الحياة اليومية في مصر القديمة.
ما الذي يميز قرية دير المدينة كمصدر لرسائل الحب؟
قرية دير المدينة (ست ماعت بالمصرية القديمة) هي قرية صغيرة تقع على الضفة الغربية للنيل بالقرب من الأقصر، وكانت تسكنها عائلات العمال والحرفيين المتخصصين في بناء وتزيين مقابر الملوك في وادي الملوك. ما يميز هذه القرية هو أنّ سكانها كانوا من أكثر المصريين تعلّماً وثقافة، إذ كانوا يجيدون القراءة والكتابة. ولأنّ العمال كانوا يقضون أياماً بعيداً عن عائلاتهم في مواقع العمل، فقد تبادلوا رسائل كثيرة مع زوجاتهم وأحبابهم. المناخ الجاف في المنطقة حفظ هذه الرسائل آلاف السنين.
هل كتبت النساء المصريات رسائل حب أيضاً؟
نعم، وُجدت رسائل كتبتها نساء مصريات إلى أزواجهن وأحبابهن. بعض هذه الرسائل كتبتها النساء بأنفسهن، وبعضها أملتها على كاتب محترف. في هذه الرسائل تعبّر النساء عن شوقهن لأزواجهن الغائبين، وتطلبن منهم العودة سريعاً، وتخبرنهم بأخبار البيت والأولاد. بعض الرسائل تحمل نبرة عتاب لطيف على طول الغياب. هذه الرسائل تكشف عن نساء واثقات يعبّرن عن مشاعرهن بحرية، وتؤكد أنّ الحب في مصر القديمة كان شعوراً متبادلاً تعبّر عنه المرأة كما يعبّر عنه الرجل.