الحب شعور إنساني عابر للزمن والحدود. منذ فجر الحضارة، عبّر البشر عن الحب بطرق مدهشة ومتنوعة. في هذا المقال نستكشف كيف فهم أجداد مصر الحب، وكيف عبّروا عنه بالشعر والفن والطقوس. هذه رحلة في تاريخ المشاعر الإنسانية التي توحّد البشرية جمعاء.
بردية هاريس 500: كنز أدبي لا يُقدَّر بثمن
في المتحف البريطاني بلندن تُحفظ واحدة من أثمن الوثائق الأدبية في تاريخ البشرية: بردية هاريس 500. تعود هذه البردية إلى عصر الدولة الحديثة في مصر القديمة (نحو 1300-1100 قبل الميلاد)، وتحتوي على مجموعة من قصائد الحب التي تُعدّ من أقدم النصوص الرومانسية المعروفة في التاريخ.
كُتبت هذه القصائد بالخط الهيراطيقي — وهو الخط المختصر من الهيروغليفية الذي كان يُستخدم في الحياة اليومية — على ورق البردي المصنوع من نبات البردي الذي كان ينمو بوفرة على ضفاف النيل. والقصائد مكتوبة على شكل حوارات بين عاشقَيْن: شاب يُنادي حبيبته «أختي» وفتاة تُنادي حبيبها «أخي»، وهي ألقاب حميمية للتعبير عن الحب لا عن القرابة.
«صوت أختي... قلبي يطير إليها حين أسمعه... الحب جعلني أمشي كمن يسير في حلم»
— من بردية هاريس 500 (نحو 1200 ق.م)
بردية تورين: أصوات نسائية في الحب
في متحف تورين بإيطاليا تُحفظ بردية أخرى لا تقل أهمية، تحتوي على قصائد حب بأصوات نسائية. في هذه القصائد تتحدث الفتاة عن مشاعرها بصراحة ملفتة: تصف كيف ينبض قلبها حين ترى حبيبها، وكيف يمرض جسدها من الشوق حين يغيب، وكيف تتزيّن وتتعطّر انتظاراً للقائه.
من المدهش أنّ هذه القصائد تُظهر صوتاً نسائياً حراً وجريئاً في التعبير عن الحب، وهو ما يعكس المكانة المتقدمة التي حظيت بها المرأة في المجتمع المصري القديم. الفتاة في هذه القصائد ليست سلبية أو خجولة، بل هي عاشقة نشطة تبحث عن حبيبها وتعبّر عن مشاعرها بلا خجل.
صور شعرية من الطبيعة المصرية
استخدم الشعراء المصريون صوراً شعرية بديعة مستمدة من بيئتهم الطبيعية. النيل كان رمزاً للحياة والخصوبة والحب المتجدد. وزهرة اللوتس كانت رمزاً للجمال والنقاء. والطيور المهاجرة كانت رمزاً للشوق والسفر. وكانت الحدائق مكان اللقاءات السرية بين العاشقين.
في إحدى القصائد تُشبَّه الحبيبة بـ«حقل من الزهور» يمشي فيه العاشق فلا يعرف أي زهرة يقطف لفرط جمالها جميعاً. وفي قصيدة أخرى يُشبَّه الحب بـ«فيضان النيل» الذي لا يمكن لأحد أن يوقفه أو يتحكم به. هذه الصور الشعرية تكشف عن حساسية فنية رفيعة وعلاقة عميقة بالطبيعة.
أوستراكا الحب: رسائل على شقف الفخار
لم تكن كل نصوص الحب المصرية مكتوبة على البردي الثمين. فقد عُثر على كثير من قصائد الحب والرسائل الغرامية مكتوبة على شقف الفخار والحجر الجيري (الأوستراكا)، وهي مادة رخيصة كان يستخدمها عامة الشعب للكتابة. هذا يعني أنّ كتابة شعر الحب لم تكن حكراً على الطبقة المثقفة الثرية، بل كانت ممارسة شعبية واسعة.
وُجدت هذه الأوستراكا في قرية دير المدينة بالأقصر — وهي القرية التي سكنها العمال الذين بنوا مقابر الملوك في وادي الملوك. هذا يكشف لنا أنّ الحب والشعر كانا جزءاً من الحياة اليومية لكل المصريين، من الفراعنة إلى العمال البسطاء.
خاتمة: تبقى قصائد الحب المصرية القديمة شاهداً على أنّ المشاعر الإنسانية لا تشيخ ولا تتغير. فما كتبه شاعر مصري قبل ثلاثة آلاف سنة عن خفقان قلبه عند رؤية حبيبته يمكن أن يفهمه ويتأثر به أي إنسان اليوم. هذه القيم الإنسانية العميقة وجدت صداها في القرآن الكريم الذي جعل المودة والرحمة بين الزوجين آية من آيات الخالق، وفي الشعر العربي الذي أبدع في وصف الحب بصور لا تقل جمالاً.
