الحب شعور إنساني عابر للزمن والحدود. منذ فجر الحضارة، عبّر البشر عن الحب بطرق مدهشة ومتنوعة. لكنّ حضارة بابل تميّزت بشيء فريد: لم تكتفِ بالتعبير عن الحب في الشعر والفن، بل سعت إلى حمايته بالقانون. شريعة حمورابي — أقدم شريعة مكتوبة شاملة في التاريخ — تضمّنت عشرات المواد التي تنظّم الزواج والطلاق وتحمي حقوق الزوجين، في سابقة حضارية لم تعرفها البشرية من قبل.
مسلّة حمورابي: حجر العدالة الخالد
في مطلع القرن العشرين، اكتشف علماء الآثار الفرنسيون في مدينة سوسة (إيران حالياً) مسلّة حجرية سوداء ضخمة من حجر الديوريت يبلغ ارتفاعها أكثر من مترين. هذه المسلّة — المحفوظة الآن في متحف اللوفر في باريس — تحمل نقشاً يتضمن 282 مادة قانونية سنّها الملك حمورابي ملك بابل (حكم نحو 1792-1750 ق.م). في أعلى المسلّة نقش بارز يصوّر حمورابي واقفاً أمام إله الشمس والعدالة شمش، يتلقى منه القوانين.
لم تكن شريعة حمورابي أول قانون مكتوب في بلاد الرافدين — فقد سبقتها شريعة أور-نمّو السومرية وشريعة إيشنونا — لكنها كانت الأكمل والأشمل. من بين موادها الـ282، تتناول نحو سبعين مادة قضايا الزواج والأسرة والطلاق والنفقة والحضانة والميراث، مما يجعلها أول تقنين شامل للعلاقات الأسرية في التاريخ الإنساني.
قوانين الزواج: العقد أساس الشرعية
من أهم مبادئ شريعة حمورابي في مجال الزواج أنّ الزواج لا يكون شرعياً إلا بعقد مكتوب (المادة 128). هذا المبدأ الذي يبدو بديهياً اليوم كان ثورياً قبل أربعة آلاف سنة. كان العقد يُكتب على لوح طيني ويتضمن أسماء الطرفين والشهود وشروط الزواج والحقوق المالية. وجود العقد المكتوب كان يوفّر حماية قانونية لكلا الطرفين، وخاصة للمرأة.
كما نظّمت الشريعة إجراءات الخطبة بدقة. فإذا دفع رجل مهراً لعائلة فتاة ثم تراجع عن الزواج، يخسر المهر المدفوع (المادة 159). وإذا تراجعت عائلة الفتاة بعد قبول المهر، تُلزم بردّ المهر مضاعفاً (المادة 160). وإذا اختار الأب تزويج ابنته لرجل آخر بعد الاتفاق مع الخاطب الأول، يُلزم بتعويض الخاطب الأول عن كل ما أنفقه (المادة 161). هذه المواد كانت تضمن جدية عملية الزواج وتمنع التلاعب.
«إنّ الغاية من هذه الشرائع هي أن يسود العدل في البلاد... وأن يُنصف القوي الضعيف»
— من مقدمة شريعة حمورابي
حقوق الزوجة: حماية مبكرة للمرأة
من أبرز ملامح شريعة حمورابي حماية حقوق الزوجة المالية. فجهاز العروس (الشيريكتو) يظل ملكاً خاصاً لها لا يحق للزوج التصرف فيه (المادة 142)، ويُورَّث لأبنائها بعد وفاتها (المادة 162). وفي حال الطلاق يُلزم الزوج بإعادة المهر والجهاز للمرأة ودفع نفقة لها ولأطفالها (المواد 137-140).
كما حمت الشريعة الزوجة من الإهمال والهجر. فإذا أُسر الزوج في الحرب وترك لزوجته ما يكفيها، يجب عليها الانتظار حتى عودته (المادة 133). لكن إذا لم يترك لها ما يكفيها، يحق لها الزواج من رجل آخر دون لوم (المادة 134). وإذا عاد الزوج من الأسر تعود إليه، لكنّ أبناءها من الزوج الثاني يبقون مع أبيهم (المادة 135). هذه المواد تعكس تفكيراً واقعياً ورحيماً يأخذ بعين الاعتبار ظروف الحياة الصعبة.
حق المرأة في طلب الطلاق
من أهم مواد شريعة حمورابي المتعلقة بالمرأة المادة 142 التي تمنح الزوجة حق طلب الطلاق إذا أهملها زوجها أو أساء معاملتها. النص يقول إنه إذا كرهت المرأة زوجها وقالت «لن تتخذني زوجة»، فإنّ القضية تُعرض على مجلس المدينة للتحقيق. فإذا ثبت أنّ المرأة محقة وأنّ الزوج أهملها فعلاً، يحق لها أخذ جهازها والعودة إلى بيت أبيها دون عقوبة.
هذا الحق كان استثنائياً في العالم القديم. في معظم الحضارات المعاصرة لبابل كان الطلاق حقاً حصرياً للرجل. لكنّ شريعة حمورابي اعترفت بأنّ المرأة أيضاً لها الحق في حياة كريمة، وأنّ الزواج يجب أن يقوم على الاحترام المتبادل لا على الإكراه. هذا المبدأ — حق المرأة في الانسحاب من زواج مؤذٍ — يعكس نضجاً قانونياً وإنسانياً مبكراً.
حماية الأرملة والأيتام
أولت شريعة حمورابي اهتماماً خاصاً بحماية الأرملة وأطفالها. فعند وفاة الزوج يحق للأرملة البقاء في بيت الزوجية والتمتع بنفقة من ممتلكات الزوج المتوفى ما دامت لم تتزوج مرة أخرى (المادة 171). وإذا أرادت الزواج ثانية يحق لها ذلك بعد أخذ جهازها. وأبناؤها من الزوج المتوفى يرثون حصتهم من تركة أبيهم دون أن يتأثروا بزواج أمهم.
كما حمت الشريعة أطفال الزوجة الثانية. فإذا كان للرجل أبناء من زوجتين، فإنّ أبناء كل زوجة يرثون جهاز أمهم، لكنهم يتقاسمون ممتلكات الأب بالتساوي (المادة 167). هذا التنظيم الدقيق كان يهدف إلى منع الخلافات الأسرية وضمان العدالة بين جميع أفراد الأسرة.
الحب والعدالة: من بابل إلى الإسلام
حين ننظر إلى شريعة حمورابي بعين فاحصة نرى أنها كانت محاولة جادة لتحقيق العدالة في العلاقات الأسرية في عصر كانت فيه القوة هي القانون. صحيح أنها لم تكن مثالية بمعايير اليوم — فقد ميّزت بين الطبقات الاجتماعية وبين الأحرار والعبيد — لكنها وضعت أساساً مهماً لفكرة أنّ الزواج عقد قائم على حقوق وواجبات متبادلة، وأنّ المرأة طرف كامل الأهلية يستحق الحماية القانونية.
هذه البذور الحضارية المبكرة نمت وتطورت عبر القرون، حتى جاء الإسلام فارتقى بها إلى مستوى جديد. فالقرآن الكريم وصف الزواج بأنه «ميثاق غليظ» قائم على المودة والرحمة والسكينة — وهي قيم روحية تتجاوز مجرد التنظيم القانوني إلى تأسيس الأسرة على الحب والإيمان.
خاتمة: تبقى شريعة حمورابي شاهدة على سعي الإنسان الدائم نحو العدالة في أقرب العلاقات إلى قلبه — العلاقة الزوجية والأسرية. ورغم مرور أربعة آلاف سنة، لا تزال المبادئ الأساسية التي أرستها هذه الشريعة — توثيق الزواج وحماية حقوق المرأة وتنظيم الطلاق — أساساً لقوانين الأسرة في العالم كله. وقد بلغت هذه الرحلة الإنسانية ذروتها في التشريع الإسلامي الذي جمع بين العدل القانوني والرحمة الإلهية، وجعل من الأسرة نواة المجتمع المؤمن القائم على الحب والتراحم.
