الحب شعور إنساني عابر للزمن والحدود. منذ فجر الحضارة، عبّر البشر عن الحب بطرق مدهشة ومتنوعة. في بلاد الرافدين القديمة، تجسّد الحب في إلهة فريدة لم تعرف الحضارات مثيلاً لها: عشتار، أو إنانا كما عرفها السومريون. إلهة جمعت بين الرقة والعنف، بين الحب والحرب، في شخصية واحدة مذهلة التعقيد.
إنانا السومرية: «ملكة السماء»
في أقدم النصوص السومرية — التي تعود إلى الألفية الرابعة قبل الميلاد — نجد إنانا حاضرة كواحدة من أهم الآلهة في البانثيون السومري. اسمها يعني «سيدة السماء»، وكانت ابنة إله القمر نانا (سين) وشقيقة إله الشمس أوتو (شمش). ارتبطت إنانا بكوكب الزهرة — ألمع جرم سماوي بعد الشمس والقمر — وكان السومريون يرون في ظهور هذا الكوكب ساطعاً في الفجر والغسق تجلياً لإلهتهم الحبيبة.
كان مركز عبادة إنانا الرئيسي في مدينة أوروك (الوركاء حالياً في جنوب العراق)، وهي المدينة التي تُعدّ من أقدم المدن في تاريخ البشرية. معبدها الشهير «إيانا» (بيت السماء) كان من أضخم المنشآت المعمارية في العالم القديم، وكان يضم مئات الكهنة والكاهنات الذين يقيمون الطقوس والاحتفالات على مدار السنة. في هذا المعبد كانت تُقام طقوس الزواج المقدس السنوية التي يتزوج فيها الملك كاهنة تمثّل إنانا.
عشتار البابلية: توسّع العبادة وتعميقها
مع صعود الإمبراطورية البابلية في الألفية الثانية قبل الميلاد، تطورت شخصية إنانا لتصبح عشتار — الاسم الأكدي البابلي الذي أصبح أشهر من الاسم السومري الأصلي. في بابل أصبحت عشتار أكثر قوة وتعقيداً: لم تعد إلهة الحب فحسب، بل أصبحت أيضاً إلهة الحرب والنصر والسيادة. كان ملوك بابل يتضرعون إليها قبل المعارك ويشكرونها بعد الانتصار.
في مدينة بابل العظيمة، كان لعشتار بوابة ضخمة سُميت باسمها — بوابة عشتار — وهي واحدة من أروع المنشآت المعمارية في التاريخ القديم. كانت مزينة بالطوب المزجّج الأزرق اللامع ونقوش الثيران والتنانين، وكانت المدخل الرئيسي لطريق المواكب الذي يمر عبر قلب المدينة. بقايا هذه البوابة محفوظة اليوم في متحف بيرغامون في برلين، وهي شاهدة على عظمة الحضارة البابلية وتقديسها لإلهة الحب.
نزول عشتار إلى العالم السفلي: أسطورة الحب والموت
من أعظم الأساطير في تاريخ الأدب العالمي أسطورة نزول عشتار (إنانا) إلى العالم السفلي. في هذه القصة تقرر عشتار النزول إلى «كور» — عالم الأموات الذي لا يعود منه أحد — لزيارة أختها إريشكيجال، ملكة العالم السفلي. قبل الرحلة تُعلم عشتار وزيرتها نينشوبور أن تطلب المساعدة من الآلهة إن لم تعد خلال ثلاثة أيام.
في طريقها تمر عشتار بـسبعة أبواب، وعند كل باب يطلب منها حارسه أن تخلع قطعة من ملابسها أو حُليّها: تاجها، ثم أقراطها، ثم عقدها، ثم دروعها الصدرية، ثم حزامها، ثم أساورها، وأخيراً ثوبها. حين تصل إلى أختها تكون عارية تماماً، مجردة من كل قوتها وسلطتها. تقتلها إريشكيجال وتعلّقها على وتد. وأثناء غياب عشتار عن العالم العلوي يتوقف الحب والتكاثر تماماً — لا يتزاوج حيوان ولا ينبت زرع — فالحب والحياة مرتبطان ببعضهما.
«إلى أرض اللاعودة... إلى البيت المظلم الذي لا يخرج داخله... وجّهت إنانا خطاها»
— من أسطورة نزول إنانا إلى العالم السفلي (نص سومري، نحو 1900 ق.م)
عشتار وتمّوز: قصة حب وفداء
يرتبط اسم عشتار ارتباطاً وثيقاً باسم تمّوز (دموزي بالسومرية) — إله الرعاة والخصوبة الذي كان حبيبها وزوجها. حين عادت عشتار من العالم السفلي كان عليها أن تجد بديلاً عنها هناك، فوجدت تمّوز يجلس على عرشها بلا حزن عليها. في غضبها أمرت بأخذه بدلاً منها إلى عالم الأموات. لكنّ أخت تمّوز — جشتنانا — عرضت أن تحل محله نصف العام، فأصبح تمّوز يقضي نصف العام في العالم السفلي ونصفه الآخر على الأرض.
فسّر سكان بلاد الرافدين بهذه الأسطورة تعاقب الفصول: حين يغيب تمّوز في العالم السفلي يذبل النبات ويبرد الطقس (الشتاء)، وحين يعود تزدهر الطبيعة وتنتشر الخضرة (الربيع والصيف). كانت النساء في بلاد الرافدين يقمن بطقوس بكاء ونواح على تمّوز في شهر الصيف الرابع (الذي سُمي باسمه: تموز)، وهو التقليد الذي أشار إليه النبي حزقيال في الكتاب المقدس. هذه الأسطورة تعكس فهماً عميقاً للرابطة بين الحب والطبيعة ودورة الحياة والموت.
الزواج المقدس: طقس الحب الكوني
من أهم الطقوس المرتبطة بعشتار (إنانا) طقس «الزواج المقدس» (هيروس غاموس) الذي كان يُقام سنوياً في رأس السنة السومرية. في هذا الطقس كان الملك يتزوج كاهنة عليا تمثّل إنانا في اتحاد رمزي يهدف إلى ضمان خصوبة الأرض ورخاء المملكة. كان هذا الطقس يُعتبر ضرورة كونية: فبدون اتحاد الملك بالإلهة لن تُنبت الأرض ولن تتكاثر الماشية ولن يعمّ السلام.
وصلتنا نصوص شعرية جميلة كانت تُنشد خلال هذا الطقس، تصف فرح العروس الإلهية بالاتحاد مع الملك وتمنياتها بالخير والبركة للبلاد. هذه النصوص — التي تُعدّ من أقدم أشعار الحب في العالم — تكشف أنّ سكان بلاد الرافدين رأوا في الحب قوة كونية تربط الإنسان بالطبيعة وبالعالم الإلهي.
إرث عشتار في الحضارات اللاحقة
لم تبقَ عشتار حبيسة بلاد الرافدين، بل انتشر تأثيرها في حضارات العالم القديم بأسره. الفينيقيون عبدوها باسم عشتروت (أستارتي)، والمصريون عرفوها وعبدوها في معابد خاصة. من عشتروت الفينيقية اشتُقت أفروديت اليونانية، ومنها فينوس الرومانية. حتى كوكب الزهرة — المعروف بالإنجليزية بـ Venus — يحمل اسم وريثة عشتار الرومانية.
كذلك أثّرت أسطورة نزول عشتار ومحبوبها تمّوز في أساطير أدونيس عند الإغريق وأوزيريس عند المصريين. فكرة الإله الذي يموت ويُبعث — المرتبطة بتعاقب الفصول — أصبحت نموذجاً أسطورياً عالمياً يتكرر في حضارات كثيرة.
خاتمة: تظل عشتار/إنانا واحدة من أكثر الشخصيات إثارة في تاريخ الميثولوجيا العالمية. إلهة جمعت بين الحب والقوة، بين الرقة والعنف، في شخصية واحدة تعكس تعقيد المشاعر الإنسانية نفسها. وقد وجد هذا التقدير العميق للحب كقوة كونية صداه في القرآن الكريم الذي جعل المودة والرحمة بين الزوجين آية من آيات الخالق. فالحب عبر العصور رحلة واحدة طويلة، وكل حضارة أضافت إليها من حكمتها ورؤيتها.
