📖

ملحمة جلجامش والحب

أقدم ملحمة أدبية في التاريخ — عن الصداقة التي غيّرت ملكاً والحب الذي تحدّى الموت

الحب شعور إنساني عابر للزمن والحدود. منذ فجر الحضارة، عبّر البشر عن الحب بطرق مدهشة ومتنوعة. وفي ملحمة جلجامش — أقدم نص أدبي مطوّل في التاريخ — نجد تصويراً عميقاً لأنبل أشكال الحب: الصداقة الحقيقية التي تغيّر الإنسان وتمنح حياته معنى.

جلجامش: الملك الذي بحث عن الخلود

جلجامش كان ملك مدينة أوروك (في جنوب العراق الحالي) في نحو 2700 قبل الميلاد. وفقاً للملحمة، كان ثلثاه إلهاً وثلثه بشراً — قوي البنية فائق الجمال لا يُقهر في القتال. لكنّ هذا الملك العظيم كان طاغياً يظلم رعيته: يُرهق الشبان بالأعمال الشاقة ولا يترك عروساً لعريسها. فصرخ أهل أوروك إلى الآلهة طالبين الإنقاذ.

استجابت الآلهة بأن خلقت إنكيدو — رجلاً برياً من الطين — ليكون نداً لجلجامش ورفيقاً يشغله عن ظلم الناس. كان إنكيدو يعيش في البرية مع الحيوانات، يأكل العشب ويشرب من الجداول، لا يعرف الحضارة ولا البشر. لكنّ قدره كان مختلفاً: كان مخلوقاً ليغيّر جلجامش، وليتغيّر هو أيضاً.

شمخات: المرأة التي حضّرت الوحش

من أهم الشخصيات في الملحمة شمخات — الكاهنة التي أُرسلت لتحضير إنكيدو وإدخاله عالم البشر. قضت شمخات مع إنكيدو سبعة أيام علّمته خلالها كيف يأكل الخبز ويشرب الجعة (البيرة) ويلبس الثياب — أي أساسيات الحضارة الإنسانية. بعد هذا التحول لم تعد الحيوانات البرية تعرف إنكيدو وهربت منه، لكنه اكتسب بدلاً من ذلك الحكمة والوعي والقدرة على التواصل مع البشر.

دور شمخات في الملحمة عميق الدلالة: فهي التي نقلت إنكيدو من حالة الطبيعة الخام إلى حالة الإنسانية المتحضرة. وهذا يعكس إيمان سكان بلاد الرافدين بأنّ التواصل الإنساني والحب هما ما يميّز الإنسان عن الحيوان. شمخات لم تكتفِ بتحضير إنكيدو جسدياً، بل منحته البُعد الروحي والعاطفي الذي أهّله لصداقة جلجامش لاحقاً.

الصراع ثم الصداقة: لقاء القدر

حين وصل إنكيدو إلى أوروك وسمع بطغيان جلجامش، قرر أن يواجهه. التقيا في ساحة المدينة وتصارعا صراعاً عنيفاً هزّ الأرض وحطّم الجدران. كانا متساويين في القوة، ولأول مرة يجد كل منهما نداً حقيقياً لا يستطيع هزيمته. انتهى الصراع بأن تعانقا واعترف كل منهما بعظمة الآخر — وهكذا وُلدت واحدة من أعمق صداقات التاريخ الأدبي.

غيّرت صداقة إنكيدو جلجامش تغييراً جذرياً. توقّف عن ظلم رعيته وتحوّل من طاغية إلى ملك عادل. وجد في إنكيدو ما كان يفتقده: رفيقاً يفهمه ويقاسمه الحلم والمغامرة. خاضا معاً رحلة إلى غابة الأرز لمحاربة الوحش خمبابا، ثم قتلا ثور السماء الذي أرسلته عشتار انتقاماً. في كل مغامرة كان الصديقان يقفان معاً، يحمي كل منهما الآخر.

«صديقي الذي أحبّه أكثر من نفسي... صديقي الذي خاض معي كل المخاطر... إنكيدو الذي أحبّه... لحقه مصير البشر»

— جلجامش يرثي إنكيدو (اللوح الثامن)

موت إنكيدو: حين يفقد القلب نصفه

بعد قتل ثور السماء، قررت الآلهة أنّ أحد الصديقين يجب أن يموت عقاباً. وقع الاختيار على إنكيدو. مرض إنكيدو مرضاً طويلاً مؤلماً، وبقي جلجامش إلى جانبه لا يفارقه لحظة، يمسح عرقه ويحدّثه ويحاول أن يبعث فيه الأمل. لكنّ الموت كان أقوى. مات إنكيدو بعد اثني عشر يوماً من المعاناة.

رثاء جلجامش لإنكيدو من أعمق نصوص الحزن في الأدب العالمي. بقي جلجامش بجانب جثة صديقه سبعة أيام بلياليها يرفض تصديق موته، حتى رأى دودة تخرج من أنفه فأدرك أنّ إنكيدو رحل بلا عودة. بكاه بكاءً مريراً، ومزّق ثيابه، وطاف في البرية كالمجنون. هذا المشهد يصوّر ألم الفقد بصدق مؤلم لا يتقادم مهما مرّت القرون — فمن فقد حبيباً أو صديقاً حقيقياً يعرف هذا الألم تماماً.

رحلة البحث عن الخلود: هروب من ألم الحب

لم يكن حزن جلجامش على فقد إنكيدو حزناً عادياً — بل كان أزمة وجودية زلزلت كيانه. لأول مرة أدرك جلجامش أنه هو أيضاً سيموت يوماً ما. فقرر أن يبحث عن سر الخلود عند أوتنابيشتيم — الرجل الوحيد الذي منحته الآلهة حياة أبدية بعد أن نجا من الطوفان العظيم. سافر جلجامش عبر الصحاري والجبال والبحار، وعبر نفق الشمس المظلم، وركب مع الملاح أورشنابي عبر مياه الموت.

في طريقه التقى بـسيدوري — صاحبة الحانة الحكيمة — التي نصحته بأن يتوقف عن البحث عن الخلود ويتمتع بالحياة: أن يأكل ويشرب ويفرح ويعتنِ بطفله ويُسعد زوجته. هذه النصيحة البسيطة العميقة تُعدّ من أقدم التأملات الفلسفية في معنى الحياة: الخلود الحقيقي ليس في الهروب من الموت، بل في عيش الحياة بحب وامتنان.

عشتار وجلجامش: حين يُرفض الحب

من المشاهد اللافتة في الملحمة عرض عشتار — إلهة الحب — الزواج من جلجامش بعد انتصاره على خمبابا. لكنّ جلجامش رفض عرضها بجرأة مدهشة، وعدّد لها أسماء عشاقها السابقين الذين انتهوا جميعاً نهايات مأساوية: تمّوز الذي بكته كل سنة، والطائر الذي كسرت جناحه، والأسد الذي حفرت له الحفر، والحصان الذي سخّرته للسياط. هذا الرفض يعكس موقفاً فلسفياً عميقاً: الحب القائم على القوة والسيطرة ليس حباً حقيقياً.

غضبت عشتار من الرفض وأرسلت ثور السماء ليدمّر أوروك، لكنّ جلجامش وإنكيدو قتلاه معاً. هذا المشهد يطرح سؤالاً فلسفياً عميقاً عن طبيعة الحب: هل الحب الإلهي المطلق — الذي لا يقبل الرفض — هو حب حقيقي؟ أم أنّ الحب الحقيقي هو الذي يحترم حرية الآخر كما في صداقة جلجامش وإنكيدو القائمة على المساواة والاحترام المتبادل؟

إرث الملحمة: دروس خالدة عن الحب

أثّرت ملحمة جلجامش في الأدب العالمي تأثيراً عميقاً. قصة الطوفان في اللوح الحادي عشر تشبه قصة نوح في التراث الإبراهيمي. الصداقة بين جلجامش وإنكيدو أثّرت في تصوير الصداقة بين أخيل وبتروكلوس في إلياذة هوميروس. ونموذج «رحلة البطل» — الذي يبدأ من الغرور ويمر بالفقد والمعاناة وينتهي بالحكمة — أصبح نمطاً أدبياً عالمياً يتكرر في آلاف القصص.

خاتمة: تبقى ملحمة جلجامش شاهدة على أنّ أعمق أسئلة الإنسان — عن الحب والموت والمعنى — لم تتغير منذ خمسة آلاف سنة. والدرس الأعمق فيها هو أنّ الحب الحقيقي — سواء كان صداقة أو حباً بين زوجين — هو ما يمنح الحياة قيمتها. وهذا المعنى نفسه تجلّى لاحقاً في القرآن الكريم الذي جعل من المودة والرحمة والسكينة بين الزوجين آية من آيات الله، وفي التصوف الإسلامي الذي رأى في الحب الطريق إلى معرفة الخالق.

أسئلة شائعة

ما هي ملحمة جلجامش ومتى كُتبت؟
ملحمة جلجامش هي أقدم ملحمة أدبية مكتوبة في تاريخ البشرية. تعود أقدم نسخها السومرية إلى نحو 2100 قبل الميلاد، لكن النسخة الأكملة والأشهر هي النسخة البابلية المعيارية التي جمعها الكاتب سن-ليقي-أونينّي في نحو 1200 قبل الميلاد. وُجدت نسخ منها في مكتبة الملك الآشوري آشوربانيبال في نينوى (شمال العراق)، واكتُشفت عام 1853 على ألواح طينية مكتوبة بالخط المسماري. تتكون الملحمة من اثني عشر لوحاً وتتناول مغامرات جلجامش ملك أوروك وصديقه إنكيدو.
من هو إنكيدو وما علاقته بجلجامش؟
إنكيدو هو شخصية محورية في ملحمة جلجامش. خلقته الآلهة من الطين ليكون نداً لجلجامش ورفيقاً له بعد أن اشتكى أهل أوروك من طغيان ملكهم. كان إنكيدو في البداية رجلاً برياً يعيش مع الحيوانات ويأكل العشب ويشرب من الجداول. بعد أن تحضّر على يد شمخات، التقى بجلجامش وتصارعا ثم أصبحا صديقين حميمين لا ينفصلان. خاضا معاً مغامرات عظيمة، ولما مات إنكيدو حزن جلجامش حزناً شديداً دفعه للبحث عن الخلود.
ما دروس الحب في ملحمة جلجامش؟
تتضمن ملحمة جلجامش دروساً عميقة عن الحب بأشكاله المختلفة. أولاً: الصداقة الحقيقية بين جلجامش وإنكيدو تُظهر كيف يمكن للحب أن يغيّر الإنسان ويجعله أفضل. ثانياً: قوة التحضر والتعاطف التي جسّدتها شمخات في تحويل إنكيدو من وحش إلى إنسان. ثالثاً: ألم الفقد الذي يعلّمنا أن الحب الحقيقي يستمر حتى بعد الموت. رابعاً: نصيحة سيدوري لجلجامش بأن يستمتع بالحياة والحب بدلاً من البحث عن الخلود المستحيل.
كيف أثّرت ملحمة جلجامش في الأدب العالمي؟
أثّرت ملحمة جلجامش تأثيراً هائلاً في الأدب العالمي عبر العصور. يرى كثير من الباحثين أنّ قصة الطوفان في الملحمة (لوح 11) أثّرت في قصة نوح في التراث الإبراهيمي. كما يُعتقد أن الملحمة أثّرت في ملاحم هوميروس (الإلياذة والأوديسة)، خاصة في موضوعات الصداقة بين المحاربين والبحث عن المجد. نموذج البطل الذي يخوض رحلة تحولية (رحلة البطل) الذي وصفه جوزيف كامبل يتجلى بوضوح في ملحمة جلجامش. وقد ألهمت الملحمة أدباء معاصرين كثيرين وأُعيدت كتابتها بصيغ أدبية حديثة.