الحب شعور إنساني عابر للزمن والحدود. منذ فجر الحضارة، عبّر البشر عن الحب بطرق مدهشة ومتنوعة. وفي الحضارة الفينيقية الكنعانية، تجسّد هذا الحب في عبادة إلهة عظيمة حملت اسم عشتروت — سيدة الحب والجمال ونجمة المساء، التي عبدها أهل ساحل لبنان القديم ونقلوا عبادتها إلى أقاصي البحر المتوسط.
عشتروت: اسمها ومعناه وأصولها
اسم «عشتروت» (بالفينيقية: عشتارت) يُعتقد أنه مرتبط بالجذر السامي الذي يعني «النجمة» أو «الإشراق»، إشارة إلى ارتباطها بكوكب الزهرة — ألمع نجوم السماء بعد الشمس والقمر. والفينيقيون، بوصفهم بحّارة عظاماً، كانوا يهتدون بالنجوم في رحلاتهم، فكان ارتباط إلهة الحب بنجمة المساء يجعلها حامية للبحارة والمسافرين أيضاً.
تنتمي عشتروت إلى عائلة واسعة من إلهات الحب والخصوبة في الشرق الأدنى القديم. فهي ابنة عمّ عشتار البابلية وإنانا السومرية، وتتشابه معهما في كثير من الصفات والأساطير. لكنّ عشتروت تميّزت بطابع فينيقي خاص: فبينما كانت عشتار محاربة شرسة وإنانا إلهة ملوكية، كانت عشتروت أقرب إلى طبيعة الشعب الفينيقي — إلهة البحر والتجارة والتواصل بين الشعوب، إلى جانب كونها إلهة الحب والجمال.
معبد صيدا: عاصمة عشتروت
كانت مدينة صيدا (صيدون القديمة، وهي صيدا اللبنانية المعاصرة) المركز الرئيسي لعبادة عشتروت. فيها قام أعظم معابدها وأقدمها، وكان ملوك صيدا يحملون لقب «كاهن عشتروت» فخراً واعتزازاً. في النقوش الفينيقية التي وُجدت في صيدا، يتحدث الملك تبنيت والملك أشمون عازر الثاني عن بناء معابد لعشتروت وتقديم القرابين لها.
كان معبد عشتروت في صيدا مجمعاً دينياً ضخماً يضم قاعات للعبادة وحدائق مقدسة وبرك مياه طقسية. كانت الحدائق المحيطة بالمعبد تزخر بالورود والأشجار المقدسة، وكان الهواء مشبعاً بالبخور والعطور. الكاهنات اللواتي يخدمن في المعبد كنّ يُعتبرن ممثلات للإلهة على الأرض، وكان المتعبدون يقدّمون تماثيل صغيرة من الطين والبرونز كقرابين.
صور وبيبلوس: عشتروت في كل مدينة فينيقية
لم تقتصر عبادة عشتروت على صيدا وحدها. ففي صور — أعظم مدن فينيقيا البحرية — كان لعشتروت معبد كبير بجوار معبد الإله ملقرت (حامي المدينة). وفي بيبلوس (جبيل) ارتبطت عبادة عشتروت بأسطورة أدونيس ارتباطاً وثيقاً، وكان معبدها هناك مركزاً لأحد أشهر الاحتفالات الدينية في العالم القديم.
كل مدينة فينيقية أضافت بُعداً خاصاً لعبادة عشتروت يعكس طابعها. في صيدا كانت الإلهة الملكية الحاكمة. وفي صور كانت حامية البحّارة والتجّار. وفي بيبلوس كانت حبيبة أدونيس الحزينة. هذا التنوع يكشف عن مرونة الديانة الفينيقية وقدرتها على التكيّف مع احتياجات كل مجتمع محلي.
من صيدا إلى قبرص إلى أثينا — رحلة عشتروت التي تحوّلت فيها إلى أفروديت هي واحدة من أعظم قصص التبادل الثقافي في التاريخ القديم
— تاريخ الأساطير الفينيقية
من عشتروت إلى أفروديت: رحلة عبر البحر
واحدة من أهم القصص في تاريخ الأديان والأساطير هي كيف تحوّلت عشتروت الفينيقية إلى أفروديت اليونانية. المحطة الرئيسية في هذا التحوّل كانت جزيرة قبرص، التي أسس فيها الفينيقيون مستعمرات تجارية مهمة منذ القرن الحادي عشر قبل الميلاد. بنى الفينيقيون معبداً لعشتروت في مدينة بافوس القبرصية، وسرعان ما أصبح هذا المعبد أحد أقدس الأماكن في المتوسط.
حين بدأ اليونانيون في الاستيطان في قبرص، تعرّفوا على عبادة عشتروت وانبهروا بها. تدريجياً، تبنّوا الإلهة الفينيقية وأعطوها اسماً يونانياً: أفروديت. لذلك تقول الأسطورة اليونانية إنّ أفروديت وُلدت من رغوة البحر قرب قبرص — وهو اعتراف ضمني بالأصل البحري الفينيقي للإلهة. كثير من رموز أفروديت ورموزها — الحمامة، ونجمة الصباح، والمرآة — مأخوذة مباشرة من عشتروت الفينيقية.
عشتروت في قرطاج والغرب
حين أسس الفينيقيون مدينة قرطاج في شمال أفريقيا (تونس المعاصرة) نحو عام 814 قبل الميلاد، حملوا معهم عبادة عشتروت. في قرطاج تطوّرت عشتروت إلى إلهة جديدة تحمل اسم تانيت، وأصبحت الإلهة الحامية للمدينة وأهم آلهتها. رمز تانيت — مثلث يعلوه قرص وهلال — وُجد على آلاف الآثار في قرطاج وشمال أفريقيا.
وفي صقلية أسس الفينيقيون معبداً لعشتروت على قمة جبل إريكس (اليوم إيريتشي)، وكان من أشهر المعابد في المتوسط الغربي. وفي مالطا وسردينيا وإسبانيا وُجدت آثار معابد ونقوش مكرّسة لعشتروت. هذا الانتشار الهائل يكشف كيف كانت أسطورة الحب الفينيقية قوة ثقافية حقيقية غيّرت المشهد الديني في العالم القديم بأسره.
خاتمة: تبقى عشتروت الفينيقية شاهدة على عمق العلاقة بين أهل ساحل لبنان القديم والحب. فالفينيقيون — أجداد اللبنانيين — لم يكتفوا بعبادة إلهة للحب، بل نشروا تصوّرهم عن الحب والجمال في كل ميناء حلّوا فيه. هذه القيم الإنسانية العميقة — تقديس الحب واحترام الجمال والإيمان بقوة المشاعر — وجدت صداها في القرآن الكريم الذي جعل المودة والرحمة بين الزوجين آية من آيات الخالق سبحانه. والبحث الإنساني عن معنى الحب رحلة متصلة من أقدم الحضارات إلى التصوف الإسلامي الذي رأى في الحب طريقاً إلى الله.
