فينيقيا: حيث وُلد الحب على شاطئ البحر
الحب شعور إنساني عابر للزمن والحدود. منذ فجر الحضارة، عبّر البشر عن الحب بطرق مدهشة ومتنوعة. وعلى الساحل الشرقي للبحر المتوسط، في الأرض التي نعرفها اليوم باسم لبنان، أبدع الفينيقيون في صياغة أساطير حب خالدة انتشرت في أرجاء العالم القديم بأسره.
الفينيقيون — أو الكنعانيون كما كانوا يُسمّون أنفسهم — هم أجداد اللبنانيين المعاصرين، شعب بحري بامتياز أسس مدناً عريقة مثل صيدا وصور وبيبلوس (جبيل) وبيروت. من هذه المدن الساحلية الصغيرة أبحر تجّارهم إلى أقاصي البحر المتوسط، حاملين معهم ليس فقط الأرجوان الفينيقي الشهير والزجاج الملوّن، بل أيضاً أساطيرهم وعقائدهم وتصوّرهم العميق للحب.
ومن أعظم إنجازات الفينيقيين اختراع الأبجدية التي تطوّرت لاحقاً إلى الأبجدية العربية واليونانية واللاتينية، فكأنهم منحوا العالم أداة التعبير عن الحب ذاتها. هذا الشعب الذي علّم البشرية الكتابة كتب بدوره أجمل قصص الحب التي عرفها العالم القديم — قصة أدونيس وعشتروت التي صارت رمزاً أبدياً للحب والتضحية والبعث.
من ساحل بيبلوس أبحرت أسطورة أدونيس وعشتروت لتغزو قلوب العالم القديم بأسره — من أثينا إلى روما إلى الإسكندرية
— التراث الفينيقي الكنعاني
عشتروت: سيدة الحب والنجوم
في قلب الديانة الفينيقية تقف عشتروت (أو عشتارت) كإلهة الحب والجمال والخصوبة. كانت أعظم الآلهة الأنثوية عند الكنعانيين والفينيقيين، وارتبطت بكوكب الزهرة ونجمة المساء. في صيدا كانت الإلهة الرئيسية التي يقوم عليها المعبد الكبير، وفي صور وبيبلوس كان لها حضور مهيب في الحياة الدينية والاجتماعية.
تأثرت عشتروت بالإلهة البابلية عشتار وتشاركت معها سمات كثيرة، لكنها تميّزت بطابع فينيقي خاص يعكس علاقة هذا الشعب البحري بالبحر والتجارة والسفر. كانت عشتروت حامية البحّارة والتجّار أيضاً، فالحب والسفر والمغامرة كانت متشابكة في الوجدان الفينيقي. ومن فينيقيا انتقلت عبادة عشتروت إلى قبرص حيث تحوّلت تدريجياً إلى أفروديت اليونانية، ثم إلى فينوس الرومانية.
أدونيس: الحب الذي يتجدّد مع الفصول
أسطورة أدونيس وعشتروت هي الجوهرة الأثمن في تاج الأساطير الفينيقية. أدونيس — واسمه مشتق من الكلمة الكنعانية «أدوني» التي تعني «سيّدي» — شاب فائق الجمال من بيبلوس، وقعت في غرامه الإلهة عشتروت ذاتها. لكن القدر قضى بأن يُقتل أدونيس على يد خنزير بري وهو يصطاد في جبال لبنان، فصبغت دماؤه نهر إبراهيم (نهر أدونيس) باللون الأحمر.
هذه الأسطورة كانت تفسير الفينيقيين لتعاقب الفصول: موت أدونيس في الخريف ينهي الخصوبة، وعودته في الربيع تُحيي الأرض من جديد. كان الفينيقيون يقيمون كل عام احتفالاً كبيراً في بيبلوس — يبدأ بالحداد والبكاء على أدونيس، ثم ينتهي بالفرح والابتهاج بعودته. هذا الاحتفال السنوي كان من أشهر المهرجانات في العالم القديم، وكان يحضره زوّار من كل أنحاء المتوسط.
الحب الفينيقي يغزو العالم
بفضل تجارتهم البحرية الواسعة، نقل الفينيقيون أساطير الحب إلى كل ميناء في المتوسط. أسسوا مستعمرات في قرطاج (تونس) وقبرص وصقلية ومالطا وإسبانيا، وفي كل مكان حلّوا فيه بنوا معابد لعشتروت ونشروا قصة أدونيس. تبنّى اليونانيون هذه الأساطير وأعادوا صياغتها بأسمائهم، فأصبحت عشتروت أفروديت، واحتفظ أدونيس باسمه الكنعاني.
هذا التبادل الثقافي يكشف حقيقة عميقة: الحب لغة عالمية لا تحتاج إلى ترجمة. فالأسطورة الفينيقية عن الحب والفقد والبعث لامست قلوب الإغريق والرومان والمصريين على حد سواء، لأنها تتحدث عن مشاعر إنسانية يشترك فيها كل البشر. وهذه القيم الإنسانية العميقة — الحب والوفاء والأمل — وجدت صداها في الإسلام الذي أكد على المودة والرحمة بين الزوجين وجعل الحب ركيزة أساسية للحياة الأسرية.
