الحب شعور إنساني عابر للزمن والحدود. منذ فجر الحضارة، عبّر البشر عن الحب بطرق مدهشة ومتنوعة. وعلى ساحل لبنان القديم، أبدع الفينيقيون في صياغة أساطير حب وعشق انتقلت عبر البحار لتصبح جزءاً من التراث الإنساني العالمي. هذه الأساطير لم تكن مجرد حكايات مسلّية، بل كانت تعبيراً عميقاً عن فهم الفينيقيين للحب والحياة والموت والبعث.
أوروبا والثور الأبيض: أميرة صور التي سُمّيت بها قارة
من أشهر الأساطير الفينيقية وأكثرها تأثيراً في الثقافة العالمية أسطورة أوروبا (أوروبي بالفينيقية). كانت أوروبا أميرة فينيقية من مدينة صور الساحلية، ابنة الملك أجينور، وكانت فائقة الجمال والرقة. تقول الأسطورة إنّ زيوس كبير الآلهة رآها وهي تلعب مع صديقاتها على شاطئ صور، فأحبّها حباً جارفاً.
لكي يقترب منها دون أن يُخيفها، تحوّل زيوس إلى ثور أبيض رائع الجمال، وديع الطبع، ذي قرون تلمع كالجواهر. اقتربت أوروبا من الثور ودعكت عنقه، ثم ركبت على ظهره. في تلك اللحظة انطلق الثور نحو البحر وسبح بها عبر المتوسط حتى وصل إلى جزيرة كريت. هناك كشف زيوس عن هويته الحقيقية، وأنجبت أوروبا ثلاثة أبناء أشهرهم مينوس الذي أصبح ملك كريت وباني المتاهة الشهيرة.
والمدهش أنّ قارة أوروبا بأكملها سُمّيت باسم هذه الأميرة الفينيقية اللبنانية. هذا يكشف عن التأثير العميق للحضارة الفينيقية في تشكيل الهوية الثقافية للعالم الغربي. فمن شاطئ صور اللبنانية خرجت الأميرة التي أعطت اسمها لقارة بأكملها.
من شاطئ صور اللبنانية أبحرت أميرة فينيقية فسُمّيت باسمها قارة بأكملها — أوروبا ابنة فينيقيا
— أسطورة أوروبا الفينيقية
قدموس وهرمونيا: الحب الذي بنى حضارة
قدموس هو أخو أوروبا، الأمير الفينيقي الصوري الذي خرج بحثاً عن أخته بعد أن خطفها زيوس. أمره والده الملك أجينور ألّا يعود حتى يجدها. تجوّل قدموس في أنحاء المتوسط بحثاً عنها، وحين أعياه البحث استشار وحي دلفي في اليونان. أمره الوحي أن يتبع بقرة ويؤسس مدينة حيث تستلقي.
أسس قدموس مدينة طيبة — إحدى أعظم المدن اليونانية — وبنى فيها حضارة مزدهرة. ومكافأة له، زوّجه زيوس من هرمونيا (هارمونيا) ابنة الإله آريس والإلهة أفروديت. كان زفاف قدموس وهرمونيا أسطورياً: حضرته الآلهة جميعها وقدّمت لهما هدايا إلهية، من بينها عقد ذهبي صنعه هفستوس إله الحدادة.
لكنّ الأهم من كل ذلك أنّ قدموس — حسب الأسطورة — علّم اليونانيين الأبجدية الفينيقية. وهذا ليس مجرد أسطورة، بل حقيقة تاريخية ثابتة: الأبجدية اليونانية تطوّرت مباشرة من الأبجدية الفينيقية. فالأمير الفينيقي الذي خرج بحثاً عن أخته انتهى بأن أعطى اليونان أعظم هدية: الكتابة. ومن الكتابة الفينيقية تطوّرت لاحقاً الأبجدية العربية أيضاً.
بيجماليون: النحّات الفينيقي الذي أحيا الحجر بالحب
بيجماليون (أو فيغماليون) هو نحّات فينيقي أسطوري من مدينة صور، عُرف بمهارته الفائقة في نحت التماثيل. تقول الأسطورة إنّ بيجماليون يئس من إيجاد المرأة المثالية في الواقع، فقرر أن ينحتها بيديه. أمضى أشهراً يعمل على تمثال من العاج لامرأة فائقة الجمال أسماها «غالاتيا».
كان التمثال بالغ الإتقان حتى بدا وكأنه على وشك أن ينبض بالحياة. وقع بيجماليون في حب تمثاله حباً عميقاً وصادقاً: كان يتحدث إليه ويهديه الزهور والمجوهرات ويلبسه أفخر الأقمشة. في عيد أفروديت (عشتروت)، ذهب بيجماليون إلى المعبد وتضرّع للإلهة أن تمنحه زوجة تشبه تمثاله. تأثرت أفروديت بصدق مشاعره وعمق حبه، فحين عاد بيجماليون إلى محترفه وجد التمثال وقد دبّت فيه الحياة. تحوّل العاج إلى جسد بشري، والعينان الحجريتان أصبحتا عينين حيّتين تنظران إليه بحب.
هذه الأسطورة الفينيقية الأصل أصبحت من أشهر قصص الحب في الأدب العالمي. أعاد الشاعر الروماني أوفيد روايتها في كتابه «التحوّلات»، وألهمت عبر القرون أعمالاً أدبية وموسيقية وسينمائية لا حصر لها. رسالتها العميقة هي أنّ الحب الصادق يمكن أن يُحيي حتى الحجر — وهي فكرة تتردد صداها في كل ثقافة ودين.
ديدو وأينياس: الملكة الفينيقية والبطل الطروادي
ديدو (أو إليسّا) هي أميرة فينيقية من صور هربت من أخيها الطاغية وأبحرت غرباً حتى أسست مدينة قرطاج في شمال أفريقيا. كانت ديدو ملكة حكيمة وشجاعة بنت مدينتها من لا شيء حتى أصبحت إمبراطورية عظيمة.
في ملحمة «الإنيادة» للشاعر الروماني فيرجيل، يصل البطل الطروادي أينياس إلى شواطئ قرطاج بعد سقوط طروادة. تستقبله الملكة ديدو ويقع بينهما حب عنيف. لكنّ الآلهة تأمر أينياس بمتابعة رحلته إلى إيطاليا ليؤسس روما. يرحل أينياس تاركاً ديدو التي تنهار من الحزن وتختار الموت على فراق الحبيب.
قصة ديدو وأينياس هي واحدة من أكثر قصص الحب مأساوية في الأدب العالمي. رغم أنّ فيرجيل أعاد صياغتها بنكهة رومانية، فإنّ جوهرها فينيقي: الملكة القوية التي بنت إمبراطورية لكنّ الحب كان أقوى منها. هذه القصة ألهمت أوبرات وأعمالاً فنية عبر القرون وأصبحت رمزاً للحب الذي يتحدى الظروف.
الحب في الفن الفينيقي
لم تقتصر تعبيرات الحب الفينيقية على الأساطير والحكايات، بل تجلّت أيضاً في الفنون والحِرف. اشتُهر الفينيقيون بصناعة المجوهرات الرقيقة والتمائم التي تحمل رموز الحب والخصوبة. صنعوا تماثيل صغيرة من الطين والعاج والبرونز تُصوّر عشتروت في هيئات مختلفة — أحياناً كإلهة واقفة، وأحياناً كأم ترضع طفلها.
كما اشتُهر الفينيقيون بصناعة الأصداف المنحوتة التي تحمل مشاهد أسطورية وغرامية، وبنقوش العاج الدقيقة التي وُجدت في قصور الملوك في أنحاء الشرق الأدنى. هذه الأعمال الفنية تكشف عن مجتمع يُقدّر الجمال والحب ويعتبرهما قيمتين أساسيتين تستحقان التعبير الفني الراقي.
خاتمة: أساطير الحب الفينيقية ليست مجرد حكايات قديمة، بل هي نافذة على روح شعب أبدع في فهم الحب والتعبير عنه. الفينيقيون — أجداد اللبنانيين — صاغوا أساطير أصبحت جزءاً من التراث الإنساني العالمي: أوروبا التي سُمّيت بها قارة، وقدموس الذي أهدى العالم الأبجدية، وبيجماليون الذي علّمنا أنّ الحب يُحيي الحجر. هذه القيم الإنسانية الخالدة — إيمان بقوة الحب وقدرته على التحويل — وجدت صداها العميق في التراث الإسلامي الذي جعل الحب والمودة والرحمة أسس الحياة الزوجية والاجتماعية، وفي الشعر العربي الذي واصل التعبير عن الحب بأروع الصور.
