💡

أنواع الحب الأربعة عند اليونان

إيروس وفيليا وستورجي وأغابي — تصنيف يوناني عمره ألفان وخمسمئة سنة لا يزال يُلهم العالم

الحب شعور إنساني عابر للزمن والحدود. منذ فجر الحضارة، عبّر البشر عن الحب بطرق مدهشة ومتنوعة. ومن أعظم ما قدّمه اليونانيون القدماء للفكر الإنساني هو إدراكهم أنّ الحب ليس شيئاً واحداً، بل أنواع متعددة لكل منها طبيعة ووظيفة مختلفة. هذا التصنيف لا يزال حياً في الفلسفة وعلم النفس حتى يومنا.

إيروس (Eros): نار العشق والانجذاب

إيروس هو أشهر أنواع الحب وأكثرها حضوراً في الأدب والفن — إنه الحب العاطفي الرومانسي المشتعل. سُمّي على اسم إله العشق اليوناني إيروس (كيوبيد عند الرومان)، ويتميز بالانجذاب الجسدي القوي والشغف العاطفي والرغبة في الاتحاد مع الحبيب. إيروس هو «الوقوع في الحب» بكل ما تحمله من خفقان قلب ودوار وسهر وشوق.

رأى أفلاطون أنّ إيروس يمكن أن يكون بوابة للارتقاء الروحي إذا لم يتوقف عند الانجذاب الجسدي بل تسامى نحو حب الجمال المطلق والحقيقة. لكنه حذّر أيضاً من أنّ إيروس دون حكمة قد يقود إلى الهوس والتدمير. الفلاسفة اللاحقون رأوا في إيروس قوة إبداعية عظيمة — فمعظم الشعر والموسيقى والفن في التاريخ وُلد من رحم هذا النوع من الحب.

فيليا (Philia): رابطة الصداقة والاحترام

فيليا هو حب الصداقة العميقة — الحب المبني على الاحترام المتبادل والقيم المشتركة والمعرفة الحقيقية بالآخر. أرسطو خصّ هذا النوع بأهمية كبيرة في كتابه «الأخلاق النيقوماخية»، واعتبره أرقى أنواع الحب البشري لأنه يقوم على الفضيلة لا على المصلحة أو المتعة.

ميّز أرسطو بين ثلاثة أنواع من الصداقة: صداقة المنفعة (التي تنتهي حين تنتهي المنفعة)، وصداقة المتعة (التي تنتهي حين تتغير الأذواق)، وصداقة الفضيلة (التي تدوم لأنها مبنية على تقدير الشخص ذاته لا ما يقدمه). صداقة الفضيلة هي أندر الأنواع وأثمنها، وهي التي يبحث عنها كل إنسان حكيم. فيليا تتجلّى في الأصدقاء الذين يقفون معك في الشدائد، ويفرحون لنجاحك دون حسد، ويصدقونك القول حين يكذب الآخرون.

«الصديق نفس واحدة في جسدين»

— أرسطو (384-322 ق.م)

ستورجي (Storge): حنان العائلة الفطري

ستورجي هو الحب العائلي الطبيعي الفطري — حب الأم لطفلها، وحب الأب لبنته، وحب الأخ لأخيه. يتميز هذا النوع بأنه لا يحتاج إلى سبب عقلي ولا إلى انجذاب جسدي: إنه حب مغروس في طبيعة الإنسان ذاتها. الأم تحب طفلها قبل أن تراه، والطفل يتعلّق بأمه بالفطرة.

ستورجي هو أكثر أنواع الحب استقراراً وديمومة. لا يتذبذب مع المزاج ولا يتأثر بالظروف. حتى حين يخطئ الابن أو تبتعد الابنة، يبقى حب الوالدين ثابتاً. يرى بعض الفلاسفة أنّ ستورجي هو الأساس الذي تُبنى عليه كل أنواع الحب الأخرى — فمن لم يتلقَّ حباً عائلياً صحياً قد يجد صعوبة في الحب الرومانسي أو الصداقة العميقة. وهذا ما يؤكده علم النفس الحديث من خلال نظرية التعلّق التي تربط أنماط الحب في الكبر بتجارب الطفولة الأولى.

أغابي (Agape): الحب غير المشروط

أغابي هو أسمى أنواع الحب وأنقاها — إنه الحب غير المشروط الذي يُعطي دون أن ينتظر مقابلاً. لا يعتمد على صفات المحبوب ولا على استجابته: إنه حب نابع من طبيعة المُحبّ ذاته. أغابي هو الحب الذي يتمنى الخير للآخر بغض النظر عن أي شيء، ويستمر حتى لو لم يُقابَل بمثله.

في الفلسفة اليونانية المتأخرة، أصبح أغابي مرتبطاً بالحب الإلهي — حب الخالق لخلقه. هذا المفهوم تطوّر لاحقاً في الأديان التوحيدية. وفي الإسلام، نجد مفهوم أغابي يتجلّى في عدة صور: رحمة الله التي وسعت كل شيء، وقوله تعالى ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن المرأة التي وجدت طفلها فألقمته ثديها: «أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ فالله أرحم بعباده من هذه بولدها». هذا الحب الإلهي غير المشروط هو أسمى ما يمكن أن يصل إليه مفهوم الحب.

سي. إس. لويس و«المحبات الأربع»

في عام 1960، أصدر الكاتب البريطاني الشهير سي. إس. لويس كتابه «المحبات الأربع» (The Four Loves)، الذي أعاد إحياء التصنيف اليوناني وقدّمه لجمهور القرن العشرين. درس لويس كل نوع من أنواع الحب الأربعة بعمق فلسفي وبأمثلة من الحياة اليومية، وأظهر كيف يمكن لكل نوع أن يكون نعمة أو نقمة حسب كيفية ممارسته.

أهم ما أكده لويس هو أنّ الحب البشري بأنواعه يحتاج إلى حب أعلى يوجّهه ويُهذّبه. فإيروس دون أغابي يصبح هوساً مدمراً، وستورجي دون فيليا يصبح تملّكاً خانقاً، وفيليا دون إيروس تفقد حرارتها. العلاقة المثالية — سواء كانت زوجية أو صداقة أو عائلية — هي التي تجمع بين أنواع الحب المختلفة في توازن جميل.

التصنيف اليوناني والتراث الإسلامي

من المدهش أنّ التراث الإسلامي يحتوي على تصنيفات للحب لا تقل عمقاً عن التصنيف اليوناني. ابن حزم الأندلسي في كتابه «طوق الحمامة» وصف مراحل الحب من النظرة الأولى إلى الهيام، وصنّف أنواع المحبين وأسباب الحب وعلاماته. ابن القيم الجوزية في كتابه «روضة المحبين» تحدث عن ثلاثين مرتبة من مراتب الحب، من الهوى إلى التتيّم إلى الخلّة.

وفي القرآن الكريم نجد مفاهيم تتقاطع مع الأنواع اليونانية بشكل جميل: المودة (الألفة والصحبة، تشبه فيليا)، والرحمة (العطاء دون مقابل، تشبه أغابي)، والسكينة (الاطمئنان مع المحبوب، تشبه أفضل ما في ستورجي). الإسلام لم يفصل بين هذه الأنواع بل جمعها في رؤية متكاملة مصدرها الخالق سبحانه.

خاتمة: التصنيف اليوناني لأنواع الحب يُذكّرنا بأنّ الحب عالم واسع ومتعدد الأبعاد. العلاقة الزوجية الناجحة تحتاج إلى إيروس (الشغف) وفيليا (الصداقة) وستورجي (الألفة) وأغابي (التسامح). وفي التصوف الإسلامي نجد أنّ كل هذه الأنواع تصبّ في نهر واحد هو حب الله — المصدر الأعلى لكل حب في الوجود.

أسئلة شائعة عن أنواع الحب اليونانية

ما هي أنواع الحب الأربعة عند اليونان؟

+

صنّف اليونانيون القدماء الحب إلى أربعة أنواع رئيسية: إيروس (Eros) وهو الحب العاطفي والرومانسي المرتبط بالانجذاب والرغبة، وفيليا (Philia) وهو حب الصداقة العميقة المبني على الاحترام المتبادل والقيم المشتركة، وستورجي (Storge) وهو الحب العائلي الفطري بين الآباء والأبناء والأقارب، وأغابي (Agape) وهو الحب غير المشروط الذي لا ينتظر مقابلاً. بعض الباحثين يضيفون أنواعاً أخرى مثل لودوس (الحب المرح)، وبراغما (الحب الناضج)، وفيلوتيا (حب الذات)، ومانيا (الحب الهوسي).

ما الفرق بين إيروس وأغابي؟

+

إيروس هو الحب العاطفي الرومانسي الذي يبدأ بالانجذاب الجسدي والعاطفي القوي تجاه شخص معين. يتميز بالشغف والاشتياق والرغبة في الاتحاد مع المحبوب. أما أغابي فهو الحب غير المشروط الذي لا يطلب مقابلاً ولا يعتمد على صفات المحبوب — إنه الحب الذي يُعطي دون أن ينتظر. إيروس انتقائي ومتطلّب، بينما أغابي شامل ومتسامح. إيروس يبحث عن الاستمتاع، وأغابي يسعى لخير الآخر حتى لو على حساب النفس. في العلاقات الناجحة يتكامل النوعان: إيروس يُشعل الشرارة، وأغابي يُبقي الحب حياً عبر السنين.

هل توجد مفاهيم مشابهة في الإسلام لأنواع الحب اليونانية؟

+

نعم، التراث الإسلامي غني بتصنيفات الحب وإن اختلفت المصطلحات. المودة في القرآن تشبه فيليا (حب الألفة والصحبة)، والرحمة تشبه أغابي (الحب غير المشروط)، والسكينة تصف الاطمئنان العاطفي الذي يأتي مع الحب الناضج. ابن حزم الأندلسي في كتابه «طوق الحمامة» صنّف مراحل الحب من الإعجاب إلى الهوى إلى العشق إلى التتيّم. والتصوف الإسلامي وضع مقامات للحب تبدأ بالمحبة وتنتهي بالفناء في الحب الإلهي. الفرق الجوهري أن الإسلام يربط كل أنواع الحب بالله المصدر الأعلى.

من كتب عن أنواع الحب الأربعة في العصر الحديث؟

+

أشهر من كتب عن هذا الموضوع في العصر الحديث هو الكاتب البريطاني سي. إس. لويس (C.S. Lewis) في كتابه «المحبات الأربع» (The Four Loves) الصادر عام 1960. تناول لويس الأنواع اليونانية الأربعة — الحب العاطفي والصداقة والحب العائلي والحب الإلهي — من منظور مسيحي فلسفي. الكتاب أصبح من أهم المراجع في فلسفة الحب في القرن العشرين، وأعاد إحياء الاهتمام بالتصنيف اليوناني القديم.