مقدمة: ما المقامات والأحوال؟
حين يقرر السالك أن يسلك الطريق إلى الله تعالى، فإنه لا يقفز إلى قمة الجبل دفعة واحدة بل يصعد درجة درجة، ومنزلة منزلة، حتى يبلغ الغاية التي هي المحبة الإلهية الخالصة. هذه المنازل التي يمر بها السالك في رحلته الروحية سمّاها المتصوفة “المقامات”، وهي من أهم المفاهيم التي بنى عليها علم التصوف الإسلامي منذ القرون الأولى.
والمقامات في اصطلاح الصوفية هي منازل روحية يبلغها العبد بالمجاهدة والكسب والعمل. فالسالك يجتهد في التوبة حتى يستقر فيها فتصير مقاماً له، ثم يجتهد في الزهد حتى يتحقق به، ثم يرتقي إلى الصبر والتوكل والرضا حتى يصل إلى المحبة. وكل مقام يبنيه على ما قبله كما يبني البنّاء كل طابق على ما تحته. قال الإمام أبو نصر السراج صاحب “اللمع”: المقام هو مقام العبد بين يدي الله تعالى فيما يُقام فيه من العبادات والمجاهدات والرياضات والانقطاع إلى الله تعالى.
أما الأحوال فهي مختلفة عن المقامات اختلافاً جوهرياً. فالحال واردٌ يرد على القلب من الله تعالى دون تعمّد من العبد ولا اجتلاب — كنسمة تهبّ على القلب فتُغيّر حاله ثم تمضي. والأحوال مثل الخوف والرجاء والشوق والأنس والقبض والبسط لا تدوم بل تتقلب، ولذلك سُمّيت أحوالاً لأنها تتحوّل وتنتقل. قال الإمام القشيري في “الرسالة”: الأحوال مواهب والمقامات مكاسب.
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾
(سورة العنكبوت: 69)
وهذه الآية الكريمة هي ركيزة المقامات عند الصوفية: فالمجاهدة هي السبيل، والهداية إلى السُّبُل هي ثمرتها. ومعنى المجاهدة هنا ليس القتال بل مجاهدة النفس وتزكيتها والارتقاء بها من مقام إلى مقام حتى تصل إلى مقام الإحسان الذي هو ذروة السلوك.
المقامات والأحوال: المكاسب والمواهب
لعل أدق تفريق بين المقامات والأحوال هو ما وضعه الإمام القشيري حين قال إن المقامات مكاسب والأحوال مواهب. فالمقام يُكتسب بالجهد والمثابرة والعمل المتواصل: يتوب السالك ويُلازم التوبة حتى تصير طبعاً فيه، ويزهد ويُداوم على الزهد حتى يستقر في قلبه. أما الحال فيأتي من الله هبةً ومنحة دون كسب: يُفاجأ السالك بموجة من الشوق إلى الله، أو يغمره أنس بالله لم يكن يتوقعه، أو يقبض قلبه فلا يعرف السبب ثم ينبسط.
ولتوضيح الفرق بصورة عملية: الصبر مقام لأن السالك يتعلم الصبر ويُمارسه ويُجاهد نفسه عليه حتى يتحقق به ويستقر فيه. أما الخوف حال لأنه يهجم على القلب فجأة حين يتذكر العبد عظمة الله أو يقرأ آية وعيد فيرتعد قلبه ثم يهدأ. الصبر يبقى مع صاحبه، أما الخوف فيأتي ويذهب.
غير أن بعض أئمة التصوف لم يُفرّقوا تفريقاً حاداً بين المقامات والأحوال. فالإمام الغزالي في “إحياء علوم الدين” عدّ بعض الأحوال مقامات والعكس، لأن الحال إذا دام واستقر صار مقاماً، والمقام إذا تخلخل صار حالاً. وهذا يعني أن الحدود بينهما مرنة تتفاوت بحسب السالك ودرجة رسوخه في الطريق.
❝ أحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ أدومُها وإن قلَّ ❞
رواه البخاري ومسلم
وهذا الحديث الشريف يُؤكد فلسفة المقامات: فالمداومة على العمل وإن قلّ هي التي تبني المقام وترسّخه. ليس المطلوب اندفاعة عابرة بل سيرٌ دائم ومجاهدة متواصلة حتى تصير الفضيلة طبعاً راسخاً في النفس لا يتزعزع.
المقام الأول: التوبة — باب الدخول
أجمع أئمة التصوف على أن التوبة هي أول المقامات وباب الدخول إلى الطريق. لا يمكن للسالك أن يرتقي في أي مقام قبل أن يتوب توبة صادقة نصوحاً من جميع ما سلف من ذنوبه. والتوبة عند الصوفية ليست مجرد ندم عابر بل هي انقلاب جذري في حياة الإنسان: انقلاب من الغفلة إلى اليقظة، ومن التعلق بالدنيا إلى التوجه نحو الله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾
(سورة التحريم: 8)
قال ذو النون المصري أحد أوائل أعلام التصوف: توبة العوام من الذنوب، وتوبة الخواص من الغفلة، وتوبة خواص الخواص من رؤية غير الله. فالتوبة عند الصوفية ذات مراتب: أدناها ترك المعاصي الظاهرة، وأوسطها تطهير القلب من الغفلة والرياء، وأعلاها ألا يلتفت القلب إلى شيء سوى الله تعالى. وكل مرتبة من هذه المراتب تفتح باباً جديداً في السلوك وتُهيّئ القلب لما بعدها.
والتوبة عند المتصوفة مقام متجدد لا يتوقف السالك عنده ثم يتركه، بل يبقى ملازماً له طوال رحلته. قال سهل بن عبد الله التستري: لا يعرف التوبة إلا من عرف الذنب. وكلما ارتقى السالك رأى من دقائق ذنوبه ما لم يكن يراه من قبل، فيتجدد في توبته ويزداد إنابة إلى ربه.
المقام الثاني: الزهد — تحرير القلب
بعد أن يتوب السالك ويُطهّر ظاهره من المعاصي، ينتقل إلى مقام الزهد وهو تخفيف القلب من ثقل التعلق بالدنيا. والزهد لا يعني بالضرورة ترك المال والنعم بل يعني ألا يتعلق القلب بها تعلقاً يصرفه عن الله. قال الإمام الجنيد سيد الطائفة: الزهد خلوّ اليدين من الأملاك وخلوّ القلوب من التتبع.
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾
(سورة آل عمران: 185)
وقد ميّز الصوفية بين مراتب الزهد. فأدناه ترك الحرام وهذا واجب على كل مسلم وليس خاصاً بالسالكين. وأوسطه ترك فضول المباح الذي يشغل القلب عن ذكر الله. وأعلاه ترك كل ما يصرف القلب عن الله ولو كان في ذاته مباحاً. قال إبراهيم بن أدهم وهو من أوائل الزهّاد الكبار: الزهد ثلاثة أصناف: زهد فرض وهو الزهد في الحرام، وزهد فضل وهو الزهد في الحلال، وزهد سلامة وهو الزهد في الشبهات.
والزهد عند المحققين من الصوفية هو تحرير القلب لا تعذيب الجسد. فالقلب الذي يمتلئ بحب الدنيا لا مكان فيه لحب الله، كما أن الإناء الممتلئ لا يسع ماءً جديداً. فالزهد هو إفراغ القلب من التعلقات ليمتلئ بالحب الإلهي. ولذلك قال يحيى بن معاذ الرازي: الزاهد لا يزهد حتى يجد ما هو أحلى من الدنيا — أي حلاوة القرب من الله.
المقام الثالث: الصبر — ثبات المحبين
الطريق إلى الله ليس مفروشاً بالورود بل فيه من المحن والابتلاءات ما يحتاج معه السالك إلى صبر عظيم. والصبر عند الصوفية ليس مجرد تحمّل سلبي للألم بل هو ثبات إيجابي على الطريق مهما اشتدت العواصف. قال أبو عثمان المغربي: الصبر هو التمسك بالكتاب والسنة.
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
(سورة الزمر: 10)
وقد قسّم العلماء الصبر إلى ثلاثة أنواع: صبر على الطاعة بالمداومة عليها وعدم التكاسل، وصبر عن المعصية بمقاومة الشهوات والأهواء، وصبر على أقدار الله بعدم الجزع عند البلاء. والسالك يحتاج إلى هذه الأنواع الثلاثة كلها في طريقه، لأن النفس تتكاسل عن العبادة وتميل إلى الشهوات وتجزع عند المصائب.
ومن أجمل ما قيل في صبر المحبين ما نُسب إلى الشبلي تلميذ الجنيد حين قال: الصبر هو أن تصبر في الله ومع الله وعلى الله. أي أن تصبر ابتغاء وجه الله، وأن تصبر مستعيناً بالله، وأن تصبر على ما يأتيك من الله من أقدار. وهذا الصبر هو زاد السالكين في رحلتهم الطويلة نحو الحبيب الأعلى.
❝ عجبًا لأمرِ المؤمنِ إنَّ أمرَهُ كلَّهُ لَهُ خيرٌ، إن أصابتْهُ سرّاءُ شكرَ فكانَ خيرًا لَهُ، وإن أصابتْهُ ضرّاءُ صبرَ فكانَ خيرًا لَهُ ❞
رواه مسلم
المقام الرابع: التوكل — تسليم القلب
بعد أن يصبر السالك ويثبت على الطريق ينتقل إلى مقام التوكل، وهو اعتماد القلب الكامل على الله تعالى مع الأخذ بالأسباب. والتوكل عند المحققين من الصوفية ليس تعطيلاً للأسباب ولا كسلاً عن العمل، بل هو حالة قلبية يكون فيها العبد واثقاً بأن الله هو المدبّر الحقيقي لكل شيء وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾
(سورة الطلاق: 3)
وقد فرّق الصوفية بين ثلاث درجات للتوكل. الأولى: التوكل وهو ثقة القلب بالله كثقة الموكِّل بوكيله. الثانية: التسليم وهو أعلى من التوكل لأن المسلّم لا يعترض على شيء من تدبير الله ولا يختار لنفسه. الثالثة: التفويض وهو أعلاها جميعاً، وهو أن يفوّض العبد أمره كله لله فلا يرى لنفسه حولاً ولا قوة ولا اختياراً.
قال سهل بن عبد الله التستري: أول مقام التوكل أن يكون العبد بين يدي الله كالميت بين يدي الغاسل يقلّبه كيف يشاء. وهذا التشبيه العميق يكشف عن جوهر التوكل: أن يُسلّم السالك إرادته لله كما يُسلّم الميت جسده لمن يغسّله — استسلاماً كاملاً مبنياً على الثقة المطلقة بأن الله أرحم به من نفسه وأعلم بما يصلحه.
المقام الخامس: الرضا — فرح القلب بالقضاء
الرضا هو أن يستقبل العبد كل ما يأتيه من الله بالقبول والفرح، سواء كان في ظاهره نعمة أو بلاء. وهو مقام أعلى من الصبر لأن الصابر يتحمّل البلاء وقد يكره ما نزل به، أما الراضي فيفرح بكل ما يصدر من محبوبه. قال الإمام القشيري: الرضا ألا يتمنى الإنسان غير ما هو فيه.
﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾
(سورة البينة: 8)
وفي هذه الآية إشارة بالغة الدقة: فالرضا متبادل بين الله وعبده — “رضي الله عنهم ورضوا عنه”. فليس الرضا من طرف واحد بل هو علاقة حب متبادلة يرضى فيها العبد عن ربه فيما قضى، ويرضى الرب عن عبده فيما فعل. وقد روت رابعة العدوية أنها كانت تدعو: اللهم إن كان ما قسمتَ لي من الدنيا فأعطه لأعدائك، وإن كان ما قسمتَ لي من الآخرة فأعطه لأوليائك، فإنك تكفيني.
والرضا عند كبار الصوفية هو ثمرة المحبة. فمن أحبّ أحداً رضي عنه مهما فعل، ومن رضي عن الله في جميع أحواله فقد بلغ درجة عالية من المحبة. قال ذو النون المصري: ثلاث من علامات الرضا: ترك الاختيار قبل القضاء، وعدم المرارة بعد القضاء، وهيجان المحبة في وسط البلاء.
المقام السادس: المحبة — غاية المقامات
المحبة هي تاج المقامات وغاية السالكين وثمرة كل مجاهدة وكل صبر وكل زهد وكل توكل. كل المقامات السابقة كانت تمهيداً وإعداداً للقلب ليستقبل المحبة الإلهية ويتأهل لها. وقد اعتبر أغلب أئمة التصوف أن المحبة هي أعلى ما يمكن أن يبلغه العبد في علاقته بربه، بل إن المقامات كلها إنما هي خادمة للمحبة وطرق موصلة إليها.
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾
(سورة آل عمران: 31)
وقد كانت رابعة العدوية أول من جعل المحبة محوراً للتصوف حين قالت قولتها الشهيرة التي غيّرت مسار التصوف كله: “اللهم إن كنتُ أعبدك خوفاً من نارك فأحرقني بها، وإن كنتُ أعبدك طمعاً في جنتك فاحرمني منها، وإن كنتُ أعبدك لوجهك فلا تحرمني النظر إلى وجهك الكريم”. فالمحبة عندها حب خالص لا يشوبه طمع ولا خوف — حب لله لأنه يستحق أن يُحَب لذاته.
وقد ذكر الإمام الغزالي في “إحياء علوم الدين” أن للمحبة الإلهية علامات يعرفها السالك في نفسه: أن يؤثر ذكر الله على كل شيء، وأن يأنس بمناجاته، وأن يشتاق إلى لقائه، وأن يكره الموت لا خوفاً بل رغبة في مزيد من العبادة والقرب، وأن يُحب كل ما يُحبه الله ويكره كل ما يكرهه الله. فالمحبة ليست كلاماً يُقال بل هي حال تسري في كل تفصيلة من حياة المحب.
❝ ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه وجدَ حلاوةَ الإيمانِ: أن يكونَ اللهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه مما سِواهما، وأن يُحبَّ المرءَ لا يُحبُّهُ إلا للهِ، وأن يكرهَ أن يعودَ في الكُفرِ كما يكرهُ أن يُقذفَ في النّارِ ❞
رواه البخاري ومسلم
وابن القيم الجوزية في كتابه “مدارج السالكين” أفاض في الحديث عن مقام المحبة وجعله ذروة المدارج كلها. وقسّم المحبة إلى درجات: الإرادة ثم المودة ثم الخلّة ثم العشق ثم التتيّم. وكل درجة أعمق من التي قبلها وأشد تعلقاً بالمحبوب. والخلّة هي أعلاها وهي محبة تتغلغل في كل ذرة من ذرات المحب حتى لا يبقى فيه موضع لغير المحبوب.
المقام السابع: الفناء — ذوبان الذات في المحبوب
الفناء هو أعلى مقامات السلوك وأدقها وأكثرها إثارة للجدل في تاريخ التصوف. ومعناه عند المحققين أن يفنى العبد عن إرادته ورؤيته لنفسه فلا يرى إلا الله ولا يُريد إلا ما يُريده الله. وليس الفناء اتحاداً بذات الله كما توهّم بعض الناس، بل هو فناء الصفات البشرية الدنيّة في الصفات الإلهية العليّة — أي أن يفنى الكبر في التواضع، والبخل في الكرم، والأنانية في الإيثار.
قال الإمام الجنيد وهو من أعدل الصوفية ميزاناً في تعريف الفناء: أن تفنى عن نفسك لا عن ربك. أي أن السالك لا يفنى عن الله بل يفنى عن نفسه — يفنى عن رؤية ذاته وحظوظها ورغباتها، فلا يبقى في قلبه إلا الله وما يُرضي الله. وهذا الفناء هو ثمرة المحبة الكاملة، لأن المحب الصادق يذوب في محبوبه حتى ينسى نفسه.
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾
(سورة الرحمن: 26-27)
واستدل الصوفية بهذه الآية على أن كل شيء سوى الله فانٍ، وأن حقيقة السلوك هي أن يُدرك الإنسان فناء كل شيء ويتعلق بالباقي الذي لا يفنى. والحسين بن منصور الحلاج دفع ثمن مقام الفناء حياته حين قال “أنا الحق”، وقد فسّر العلماء المنصفون هذه العبارة بأنها صدرت في حال الفناء حين غاب عن نفسه ولم يبق يرى إلا الحق تعالى، كما قال أبو يزيد البسطامي: “ليس في الجبّة إلا الله.”
غير أن أئمة التصوف المعتدلين كالجنيد والقشيري والغزالي حذّروا من الوقوف عند مقام الفناء وجعلوا بعده مقاماً أعلى هو “البقاء بعد الفناء”. وهو أن يعود السالك بعد فنائه إلى الخلق بالله — أي يرجع إلى الدنيا ليخدم الناس ويُرشدهم لكنه هذه المرة يرى كل شيء بعين الحق ويعمل بإرادة الحق. فالفناء ليس غاية بل هو محطة يعبرها السالك ليعود أنفع وأصفى وأقرب إلى الخلق والخالق معاً.
ترتيب المقامات عند كبار الأئمة
لم يتفق أئمة التصوف على ترتيب واحد للمقامات، وهذا طبيعي لأن كل إمام كتب من واقع تجربته الروحية ومدرسته العلمية. وفيما يلي أبرز التصنيفات التي صارت مراجع أساسية في علم التصوف:
الإمام أبو نصر السراج (توفي 378 هـ)
يُعدّ كتابه “اللمع في التصوف” من أوائل الكتب المنهجية في التصوف. رتّب السراج المقامات في سبعة: التوبة، والورع، والزهد، والفقر، والصبر، والتوكل، والرضا. وجعل المحبة والشوق والأنس من الأحوال لا من المقامات لأنها عنده واردات إلهية لا تُكتسب بالمجاهدة.
الإمام القشيري (توفي 465 هـ)
في “الرسالة القشيرية” توسّع القشيري في تعداد المقامات والأحوال حتى بلغت عشرات المنازل. بدأ بالتوبة والمجاهدة والخلوة والعزلة، ثم التقوى والورع والزهد والصمت والخوف والرجاء والصبر والشكر والتوكل والرضا، حتى انتهى إلى المحبة والشوق والأنس والقرب. وامتاز القشيري بأنه لم يضع حدوداً جامدة بين المقامات والأحوال بل جعلها متداخلة.
الإمام الغزالي (توفي 505 هـ)
تناول الغزالي المقامات في الربع الأخير من “إحياء علوم الدين” تحت عنوان “ربع المنجيات”. وامتاز منهجه بالجمع بين التصوف والفقه والكلام، فلم يكتفِ بذكر المقامات بل شرح أسبابها الشرعية وطرق تحصيلها العملية. رتّبها: التوبة، الصبر والشكر، الخوف والرجاء، الفقر والزهد، التوحيد والتوكل، المحبة والشوق والأنس والرضا. وجعل المحبة ذروة المقامات كلها وغايتها القصوى.
ورغم اختلاف هذه التصنيفات في الترتيب والعدد إلا أنها تتفق في عدة أمور جوهرية: أن التوبة أول الطريق، وأن المحبة غاية الطريق، وأن المقامات تُبنى بعضها على بعض، وأن السالك يحتاج إلى مرشد يأخذ بيده في هذه الرحلة الطويلة. وكل هذه التصنيفات خرائط مختلفة لطريق واحد — طريق الحب الإلهي.
خاتمة: المقامات طريق إلى الحب
المقامات الصوفية في حقيقتها ليست سلّماً جامداً يُصعد إليه بالأرقام، بل هي خريطة حية للقلب البشري في رحلته نحو الحب الأعظم. كل مقام يُطهّر القلب من علّة ويُهيّئه لدرجة أعلى من القرب. التوبة تُطهّره من الذنوب، والزهد يُحرّره من التعلقات، والصبر يُقوّيه على المشاق، والتوكل يُسلّمه لله، والرضا يملؤه بالسلام، والمحبة تُشعله بنور العشق الإلهي، والفناء يُذيب الحجب بين العبد وربه.
وقد أثبتت التجربة الروحية عبر أربعة عشر قرناً من تاريخ التصوف الإسلامي أن هذه المقامات حقيقية يعيشها السالكون ويذوقون حلاوتها. وليست المقامات حكراً على المتصوفة وحدهم بل هي مفتوحة لكل مسلم يسعى إلى تعميق علاقته بالله. فكل توبة صادقة هي خطوة على الطريق، وكل صبر جميل هو ارتقاء في السلّم، وكل لحظة حب لله هي غرفة في قصر المحبة.
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾
(سورة الحجر: 99)
نسأل الله تعالى أن يُنير قلوبنا بنور المحبة، وأن يُعيننا على سلوك طريقه بالتوبة والصبر والزهد والتوكل والرضا، حتى نبلغ مقام المحبة الخالصة التي لا يشوبها طمع ولا خوف. إنه سبحانه قريب يُحب من يُحبه ويفتح أبوابه لمن يطرقها بصدق وإخلاص.
