مقدمة: شاعر تجاوز الزمان والمكان
في تاريخ البشرية الطويل، قلّما ظهر شاعر استطاع أن يخاطب القلوب عبر القرون واللغات والثقافات كما فعل مولانا جلال الدين الرومي. هذا الرجل الذي عاش في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) في قونية بالأناضول، أصبح اليوم أكثر الشعراء مبيعاً في الولايات المتحدة الأمريكية، وتُرجمت أشعاره إلى أكثر من خمسين لغة. ليس لأنه كتب شعراً جميلاً فحسب، بل لأنه لمس وتراً خفياً في النفس البشرية: الشوق الأبدي إلى الحب المطلق.
الرومي لم يكن مجرد شاعر يُنظّم القوافي، بل كان عالماً فقيهاً تحوّل بفعل الحب إلى عاشق يرقص ويُنشد ويبكي من الوجد. قصته هي قصة التحوّل الأعظم في تاريخ الأدب الروحي: من عالم يجلس على كرسي الإفتاء إلى درويش يدور حول نفسه مُسبّحاً بحمد المحبوب الأعلى. وفي هذا التحوّل درسٌ خالد: أنّ الحب قادر على تغيير كل شيء، وأنّ لحظة واحدة من العشق الصادق تساوي عمراً كاملاً من العلم الجاف.
والقرآن الكريم يؤسّس لهذا المعنى العميق حين يصف العلاقة بين الله وعباده المؤمنين بالمحبة المتبادلة:
﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾
(سورة المائدة: 54)
هذه الآية الكريمة هي الينبوع الذي استقى منه الرومي وكل المتصوفة فلسفتهم في الحب. فالله هو الذي يبدأ بالحب — ﴿يُحِبُّهُمْ﴾ — ثم يستجيب العبد لهذا الحب — ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾. وقد جعل الرومي من هذه الحقيقة القرآنية محوراً لفلسفته كلها: الحب ليس اختراعاً بشرياً بل هو نداء إلهي يصل إلى كل قلب مستعدّ لسماعه.
حياته: من بلخ إلى قونية
وُلد محمد بن محمد بن حسين البلخي في السادس من ربيع الأول سنة 604 هجرية (الموافق 30 سبتمبر 1207 ميلادية) في مدينة بلخ، تلك الحاضرة العلمية العريقة في خراسان الكبرى (أفغانستان اليوم). كان أبوه بهاء الدين ولد عالماً جليلاً يُلقّب بسلطان العلماء، وكان خطيباً ومُفتياً ذا حلقة علمية يحضرها المئات.
حين كان جلال الدين طفلاً في الخامسة تقريباً، قرّر أبوه الرحيل من بلخ هرباً من الغزو المغولي الذي كان يزحف على المشرق الإسلامي. ارتحلت الأسرة غرباً عبر نيسابور وبغداد ومكة المكرمة ودمشق، وأخيراً استقرّت في مدينة قونية عاصمة سلطنة سلاجقة الروم في الأناضول. ومن هنا جاء لقبه “الرومي” نسبة إلى بلاد الروم (الأناضول).
تلقّى جلال الدين تعليماً دينياً شاملاً على يد أبيه ثم على يد برهان الدين محقّق الترمذي، تلميذ أبيه الذي أكمل تربيته الروحية بعد وفاة بهاء الدين ولد سنة 628 هجرية. درس الرومي الفقه الحنفي والتفسير والحديث وعلم الكلام، ورحل إلى حلب ودمشق لإتمام تحصيله العلمي. عاد إلى قونية عالماً محترماً يُدرّس في المدارس ويُفتي الناس، وكان يحضر دروسه مئات الطلاب. لم يكن في تلك المرحلة شاعراً ولا راقصاً، بل كان فقيهاً تقليدياً يعيش حياة منظّمة هادئة.
وهنا تكمن عظمة قصة الرومي: أنّ التحوّل الذي أصابه لم يأتِ في شبابه أو في بداية حياته، بل جاء وهو في ذروة نضجه العلمي والاجتماعي، في السابعة والثلاثين من عمره، حين كان قد بلغ مكانة علمية رفيعة. كأنّ القدر أراد أن يُثبت أنّ الحب لا يعرف عمراً ولا مقاماً، وأنّه قادر على قلب حياة الإنسان رأساً على عقب في أي لحظة.
اللقاء الذي غيّر التاريخ: شمس التبريزي
في يوم من أيام شهر جمادى الآخرة سنة 642 هجرية (نوفمبر 1244 ميلادية)، وقع اللقاء الذي سيُغيّر مجرى تاريخ الأدب والروحانية الإسلامية إلى الأبد. وصل إلى قونية درويش غامض متجوّل اسمه شمس الدين محمد التبريزي، رجل غريب الأطوار حادّ الطبع عميق المعرفة، كان يبحث عن روح تستطيع تحمّل نار عشقه الإلهي.
تختلف الروايات في تفاصيل اللقاء الأول، لكنّ جوهرها واحد: حين التقى شمس بالرومي، أشعل في قلبه شرارة لم تنطفئ أبداً. يُروى أنّ شمس سأل الرومي سؤالاً صادماً هزّ أركان يقينه العلمي، فأسقط الرومي كتبه في الماء وصاح: “لقد انتهى زمن العلم وبدأ زمن العشق!”. هذه اللحظة كانت ميلاداً ثانياً للرومي: مات فيها العالم الفقيه ووُلد الشاعر العاشق.
انقطع الرومي عن التدريس والإفتاء وتفرّغ لصحبة شمس. كانا يقضيان الساعات الطويلة في خلوة روحية عميقة، يتحدثان عن أسرار الحب الإلهي بلغة لا يفهمها إلا أهل الذوق. أثار هذا التحوّل غيرة تلاميذ الرومي وأهله، الذين رأوا في شمس دخيلاً سرق شيخهم منهم. وتحت ضغطهم، غادر شمس قونية ثم عاد، ثم اختفى نهائياً في ظروف غامضة سنة 645 هجرية تقريباً، ولم يُعرف مصيره بيقين.
لكنّ غياب شمس لم يُطفئ النار التي أشعلها، بل زادها اشتعالاً. فقد تحوّل ألم الفراق عند الرومي إلى ينبوع لا ينضب من الشعر والموسيقى والرقص. أنتج في سنوات الحزن والشوق ديوان شمس التبريزي (الديوان الكبير)، وهو مجموعة ضخمة من الغزليات والرباعيات تُعدّ من أروع ما كُتب في أدب العشق. ثم أدرك الرومي أنّ شمس لم يختفِ حقاً، بل اندمج في روحه وأصبح جزءاً منه. وهكذا وُلد من رحم الألم أعظم شعر عرفته البشرية في الحب.
المثنوي المعنوي: أنشودة الناي الخالدة
بعد سنوات من لقاء شمس ورحيله، بدأ الرومي بإملاء عمله الأعظم: المثنوي المعنوي، تلك الملحمة الروحية التي تقع في ستة مجلدات وتضم أكثر من خمسة وعشرين ألف بيت شعري. أملاه على تلميذه حسام الدين جلبي على مدى سنوات طويلة، وسمّاه بعض العلماء “قرآن اللغة الفارسية” لعمق معانيه الروحية.
يبدأ المثنوي بمقدمته الشهيرة عن الناي (النّي)، وهي من أشهر الأبيات في تاريخ الشعر العالمي. الناي يبكي ويشتكي من ألم الفراق منذ أن قُطع من أصله — من غابة القصب. وهذا رمز عميق: الناي هو الإنسان، وغابة القصب هي الأصل الإلهي الذي جاء منه. بكاء الناي هو شوق الروح البشرية للعودة إلى مصدرها الأول. والموسيقى التي تخرج من الناي — تلك الألحان الحزينة الشجيّة — هي أنين الروح المشتاقة إلى لقاء محبوبها الأعلى.
هذا المعنى يتوافق مع الحديث القدسي الذي يرويه المتصوفة:
❝ كنتُ كنزاً مخفياً فأحببتُ أن أُعرَف، فخلقتُ الخلق ليعرفوني ❞
(حديث قدسي يذكره المتصوفة، قال عنه ابن تيمية: ليس من كلام النبي ولا يُعرف له إسناد صحيح، لكنّ معناه صحيح عند كثير من العلماء)
رأى الرومي أنّ المثنوي ليس مجرد كتاب شعر بل هو خريطة للعودة إلى الأصل. فيه حكايات ورموز وأمثال تُرشد السالك في رحلته الروحية: من حكاية الأسد والأرنب إلى قصة التاجر والببغاء إلى حكاية الأمير والجارية. كل حكاية تحمل طبقات من المعاني، وكلها تدور حول محور واحد: أنّ الحب هو القوة التي تحرّك الكون كله، وأنّ كل ألم في الحياة هو في جوهره ألم الفراق عن المحبوب الأول.
وقد استلهم الرومي في مثنويه من القرآن الكريم استلهاماً عميقاً. فالآية الكريمة تُشير إلى هذا الشوق الإنساني الأصيل:
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾
(سورة الفجر: 27-28)
هذا النداء الإلهي — “ارجعي” — هو ما سمعه الرومي في بكاء الناي. فالنفس المطمئنة هي تلك التي أدركت أنّ سكينتها لن تتحقق إلا بالعودة إلى ربها، تماماً كما أنّ الناي لن يرتاح حتى يعود إلى غابته الأولى. وفي هذا الفهم القرآني العميق تكمن عبقرية الرومي: لقد حوّل العقيدة إلى تجربة حيّة، والآيات إلى أنغام تُسمع بالقلب قبل الأذن.
الطريقة المولوية ورقصة الدراويش
من أبرز ما تركه الرومي للإنسانية — إلى جانب شعره — هي الطريقة المولوية التي نظّمها ابنه سلطان ولد وتلاميذه بعد وفاته. أصبحت هذه الطريقة من أكثر الطرق الصوفية انتشاراً في العالم الإسلامي، خاصة في الأناضول والشام ومصر، واشتهرت بحفل السماع الذي يُعدّ من أجمل التعبيرات الروحية في تاريخ البشرية.
حفل السماع المولوي ليس مجرد رقص أو موسيقى، بل هو طقس روحي متكامل يرمز إلى رحلة الروح نحو الكمال. يبدأ الحفل بتلاوة قرآنية، ثم يُعزف الناي تلك النغمة الحزينة التي تُمثّل بكاء الروح المفارقة لأصلها. ثم يبدأ الدراويش بالدوران حول أنفسهم في حركة دائرية بطيئة تتسارع تدريجياً، كالكواكب التي تدور حول الشمس، كالإلكترونات التي تدور حول النواة، كل شيء في الكون يدور حول مركزه الأصلي.
لكل تفصيل في السماع المولوي رمز عميق. الراقص يرفع يده اليمنى نحو السماء لتلقّي الفيض الإلهي، ويُنزل يده اليسرى نحو الأرض لنقل هذا الفيض إلى الخلق — فهو قناة بين السماء والأرض. الثوب الأبيض يرمز إلى الكفن وموت الأنا، والقبعة الطويلة (السكّة) ترمز إلى شاهد القبر. فالدرويش حين يدور يُعلن موته عن ذاته وميلاده في الحب الإلهي. هذا المعنى مستلهم من الحديث النبوي الشريف:
❝ موتوا قبل أن تموتوا ❞
(أثر مشهور عند المتصوفة، يُنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان في سنده ضعف، ومعناه صحيح عند أهل السلوك: أي أميتوا أنفسكم عن الشهوات قبل الموت الحقيقي)
وقد أُدرج حفل السماع المولوي في قائمة التراث الثقافي غير المادي لمنظمة اليونسكو اعترافاً بقيمته الروحية والفنية الفريدة. واليوم يُقام حفل السماع سنوياً في قونية في ذكرى وفاة الرومي (ليلة 17 ديسمبر) التي يُسمّيها المولوية “ليلة العُرس” (شب عروسي)، لأنّ الرومي كان يرى الموت لقاءً مع المحبوب لا فراقاً.
فلسفة الحب عند الرومي: من الذرّة إلى المجرّة
فلسفة الرومي في الحب ليست نظرية مجردة بل هي رؤية كونية شاملة ترى أنّ الحب هو القانون الأساسي الذي يحكم الوجود كله. الجاذبية التي تشدّ الكواكب إلى الشمس، والقوة التي تربط الإلكترون بالنواة، والنسغ الذي يصعد في جذع الشجرة، والشوق الذي يشدّ الأمّ إلى وليدها — كل هذا عند الرومي تجلّيات لقوة واحدة: الحب.
رأى الرومي أنّ الكون خُلق من الحب ويتحرّك بالحب ويعود إلى الحب. فالله حين أراد أن يُعرف — كما في المعنى الذي يُشير إليه المتصوفة — خلق الكون كمرآة تعكس جماله. وكل مخلوق في هذا الكون يحمل في داخله شوقاً فطرياً للعودة إلى مصدره. النهر يشتاق إلى البحر، والزهرة تتجه نحو الشمس، والطفل يبكي حين يُبعد عن أمه — وكل هذا عند الرومي أنشودة حب واحدة بألحان متعددة.
وقد استند الرومي في هذه الرؤية إلى القرآن الكريم الذي يصف خضوع الكون كله لله:
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾
(سورة الإسراء: 44)
هذا التسبيح الكوني هو عند الرومي أنشودة حب. فكل ذرّة في الوجود تُسبّح الله، أي تشتاق إليه وتتوجّه نحوه بالحب. والفرق بين الإنسان العادي والعارف بالله هو أنّ العارف يسمع هذا التسبيح ويُدرك أنّ الكون كله ينبض بالعشق. ومن هنا كان الرومي يسمع في كل صوت — في حفيف الريح وخرير الماء وتغريد الطيور — لحناً من ألحان الحب الإلهي.
ومن أعمق أفكار الرومي أنّ الألم والحب وجهان لعملة واحدة. فالحب الحقيقي لا يخلو من ألم، لأنّ الحب يتطلّب الخروج من قوقعة الذات والتحوّل المستمر. كالخشبة التي تحترق لتتحوّل إلى نار — الاحتراق مؤلم لكنّه ضروري للتحوّل. وكالبذرة التي يجب أن تتشقّق لتخرج منها الشجرة. الرومي علّم أنّ من يهرب من الألم يهرب من الحب، ومن يقبل الألم يفتح قلبه لحب أعمق وأوسع.
الحب البشري والحب الإلهي: جسر لا حاجز
من أهم ما يُميّز فلسفة الرومي عن غيره من المتصوفة هو موقفه من الحب البشري. فبينما رأى بعض الزهّاد أنّ التعلّق بالمخلوقات يحجب عن الخالق، رأى الرومي أنّ الحب البشري هو جسر نحو الحب الإلهي لا حاجز أمامه. لقائه بشمس التبريزي — وهو حب بين إنسانين — كان البوابة التي دخل منها إلى عالم العشق الإلهي الذي لا حدود له.
علّم الرومي أنّ كل حب صادق في هذا العالم هو في حقيقته بحث عن الله، حتى وإن لم يُدرك المُحبّ ذلك. فمن أحبّ إنساناً فهو يُحبّ التجلّي الإلهي فيه — ذلك الجمال والنور واللطف الذي ليس مصدره الإنسان بل الله الذي أودعه فيه. ومن أحبّ الطبيعة فهو يُحبّ آيات الله المبثوثة في الكون. ومن أحبّ الموسيقى فهو يسمع صدى التسبيح الكوني. والفرق بين المُحبّين هو درجة وعيهم بمصدر هذا الجمال.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في آية المودة بين الزوجين:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
(سورة الروم: 21)
تأمّل كيف جعل القرآن المودة بين الزوجين “آية” — أي علامة تدلّ على الله. فالحب بين الزوجين ليس شيئاً منفصلاً عن الإيمان، بل هو ذاته دليل على وجود الله ورحمته. وهذا بالضبط ما علّمه الرومي: أنّ الحب البشري الصادق هو آية من آيات الله، ونافذة نُطلّ منها على الحب الأكبر. فمن أحبّ زوجته حباً صادقاً عميقاً فإنه يعيش تجربة روحية حتى لو لم يُسمّها كذلك.
هذه الرؤية تجعل فلسفة الرومي فلسفة إيجابية تُعانق الحياة ولا تنعزل عنها. فالرومي لم يدعُ إلى ترك الدنيا والانسحاب إلى الكهوف، بل دعا إلى عيش الحياة بكل أبعادها — الحب والعمل والصداقة والأسرة — لكن بوعي أعمق يرى في كل لحظة تجلّياً للجمال الإلهي. كما قال: عش في هذا العالم لكن لا تكن منه، كن كالقارب فوق الماء لا الماء داخل القارب.
إرث الرومي: رسالة كونية خالدة
توفي جلال الدين الرومي في الخامس من جمادى الآخرة سنة 672 هجرية (17 ديسمبر 1273 ميلادية) في قونية، وحضر جنازته الآلاف من المسلمين والمسيحيين واليهود على حدّ سواء. فقد كان الرومي في حياته يفتح أبوابه للجميع بلا تفرقة، مستلهماً من روح القرآن الكريم:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾
(سورة الإسراء: 70)
هذا التكريم الإلهي لبني آدم جميعاً — بلا تفرقة في لون أو عرق أو دين — هو أساس النزعة الإنسانية عند الرومي. كان يرى في كل إنسان مرآة للجمال الإلهي، وكان يُعامل كل من يلقاه باحترام ومحبة. وهذه الرسالة الكونية هي التي جعلت أشعاره تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والدينية لتصل إلى قلوب الملايين حول العالم.
اليوم، يُعدّ الرومي أكثر الشعراء مبيعاً في الولايات المتحدة الأمريكية وأحد أكثر الشعراء تأثيراً في العالم الغربي. تُرجمت أعماله إلى عشرات اللغات، وتُقرأ أشعاره في حفلات الزفاف والمناسبات الروحية في كل قارة. وقد أسهمت ترجمات كولمان باركس ونيكلسون وآربري في نشر فكره على نطاق عالمي واسع.
لكنّ إرث الرومي ليس في انتشاره الكمّي فحسب، بل في عمق تأثيره النوعي. ففلسفته في الحب أثّرت في حوار الأديان والحضارات، وأصبحت نموذجاً للروحانية المنفتحة التي تحترم التنوّع وتبحث عن المشترك الإنساني. كما أثّرت رقصة الدراويش في فنون الأداء المعاصرة، وألهمت الموسيقيين والفنانين والكتّاب في كل ثقافة.
والحق أنّ الرومي لا يزال حياً في كل قلب يشتاق إلى الحب. فرسالته الجوهرية بسيطة وعميقة في آن: الحب هو لغة الكون الوحيدة، ومن أراد أن يفهم سرّ الوجود فليبحث عنه في قلبه لا في كتبه. ومن أراد أن يقترب من الله فليحبّ، فإنّ الحب هو أقصر الطرق وأجملها. وكما قال مولانا: “حيثما يوجد الحب لا يبقى مكان للخوف، وحيثما يوجد العشق تنفتح كل الأبواب المغلقة”. وهذا المعنى يتوافق مع ما جاء في الحديث الشريف:
❝ لا يُؤمن أحدكم حتى يُحبّ لأخيه ما يُحبّ لنفسه ❞
(رواه البخاري ومسلم، حديث صحيح متفق عليه)
هذا الحديث النبوي يختزل جوهر رسالة الرومي: أنّ الإيمان الحقيقي لا يكتمل إلا بالحب. الحب الذي يتجاوز الذات ليشمل الآخر، الحب الذي يُعطي قبل أن يأخذ، الحب الذي يرى في كل إنسان أخاً يستحق ما يستحقه هو نفسه. هذا هو الحب الذي غنّى له الرومي ورقص من أجله ومات في سبيله، وهو الحب الذي لا يزال يُلهم الباحثين عن الحقيقة في كل مكان وزمان.
خاتمة: الناي لا يزال يبكي
بعد أكثر من سبعة قرون على رحيل مولانا جلال الدين الرومي، لا يزال الناي يبكي ولا تزال الأرواح تشتاق ولا يزال الحب يُحرّك الكون. فالرسالة التي حملها هذا الشاعر العظيم رسالة لا يبليها الزمن، لأنها تخاطب الجوهر الإنساني الذي لا يتغيّر: ذلك الشوق المزروع في كل نفس إلى شيء أكبر وأجمل وأكمل.
علّمنا الرومي أنّ الحب ليس ضعفاً بل هو أعظم قوة في الوجود. وأنّ الألم ليس عدوّاً بل هو معلّم يُهيّئنا لحب أعمق. وأنّ كل فراق يحمل في طيّاته وعداً بلقاء أجمل. وأنّ الموت ليس نهاية بل هو عُرس الروح التي تعود إلى أصلها. هذه الحكمة الروحية العميقة نحتاجها اليوم أكثر من أي وقت مضى، في عالم يتآكل بالكراهية والانقسام والخوف.
فمن أراد أن يبدأ رحلته مع الرومي، فليبدأ بالاستماع إلى نغمة الناي في صمت الليل. وليسأل نفسه: ما الذي يشتاق إليه قلبي حقاً؟ ومن أين جاء هذا الشوق الذي لا أجد له تفسيراً؟ ولماذا أشعر أحياناً بأنّ هذا العالم كله لا يكفي لملء الفراغ في صدري؟ حين يسأل الإنسان هذه الأسئلة بصدق، يكون قد بدأ الرحلة التي بدأها الرومي. والرومي يُجيب: هذا الشوق هو صوت الله في قلبك، فأنصت إليه واتّبعه، فهو لن يقودك إلا إلى النور.
ولعلّ أبلغ ما نختم به هو ما علّمنا الرومي عن العلاقة بين الحب الصوفي والحياة اليومية: أنّ الحب ليس شيئاً نمارسه في لحظات خاصة ثم ننساه، بل هو طريقة كاملة في الوجود. أن تُحبّ يعني أن ترى العالم بعيون أخرى، وأن تسمع الموسيقى الخفيّة في كل شيء، وأن تشعر بأنّك جزء من كل كبير يتجاوزك. هذه هي رسالة مولانا الرومي: تعلّم أن تُحبّ، فإنّ الحب هو كل شيء.
