محيي الدين بن عربي: الفتوحات المكية

وحدة الوجود والحب كحقيقة كونية عليا — فلسفة الشيخ الأكبر

~18 دقيقة قراءة

لقد صار قلبي قابلاً كلَّ صورةٍ
فمرعىً لغزلانٍ ودَيرٌ لرُهبانِ

ابن عربي — ترجمان الأشواق

📜

الشيخ الأكبر: عملاق التصوف الإسلامي

في تاريخ الفكر الإسلامي أسماء كثيرة لمعت وأضاءت دروب المعرفة، لكن قليلاً منها بلغ ما بلغه محيي الدين بن عربي من عمق وتأثير واتساع. لُقِّب بـ“الشيخ الأكبر” لأنّ فكره اتسع ليشمل كل فروع المعرفة الروحية — من التفسير إلى الفقه، ومن الفلسفة إلى علم الكونيات، ومن الشعر إلى أعمق أسرار العرفان. وفي قلب هذا المحيط الفكري الشاسع تقف حقيقة واحدة كالشمس التي تُنير كل شيء: الحب هو أصل الوجود وعلّته وغايته.

لم يكن ابن عربي مجرد عالم أو شاعر أو فيلسوف، بل كان ذلك كله وأكثر. جمع في شخصه بين الفقيه الذي يُفتي والعارف الذي يكشف والشاعر الذي يُغنّي والمحبّ الذي يفنى في محبوبه. ألّف ما يزيد على ثلاثمئة كتاب، وترك بصمة لا تُمحى في كل مدرسة صوفية جاءت من بعده. وتبقى رؤيته للحب — بوصفه المرآة الكونية التي يرى الله فيها ذاته — من أعمق ما أنتجه العقل البشري في فهم العلاقة بين الخالق والمخلوق.

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

(سورة الذاريات: 56)

فسّر ابن عربي هذه الآية تفسيراً فريداً، إذ قرأ “ليعبدون” بمعنى “ليعرفون” استناداً إلى تفسير ابن عباس رضي الله عنه. فغاية الخلق عنده ليست مجرد العبادة الظاهرية بل المعرفة العميقة بالله، والمعرفة لا تتحقق إلا بالحب. فمن عرف الله أحبّه، ومن أحبّه عبده حق عبادته — وهكذا يصبح الحب هو الجسر الذي يصل بين العبد وربه.

حياته: من الأندلس إلى دمشق

وُلد أبو عبد الله محمد بن علي بن عربي الحاتمي الطائي عام 560 هجري الموافق 1165 ميلادي في مدينة مرسية بالأندلس، في أسرة عربية عريقة تنتسب إلى قبيلة طيّ. نشأ في بيئة كانت تمثّل ذروة الحضارة الإسلامية في الغرب، حيث تلاقت الثقافات العربية والفارسية واللاتينية، وازدهرت العلوم والفنون والفلسفة.

انتقلت عائلته إلى إشبيلية وهو صغير، وهناك تلقّى تعليمه الأوّل في علوم القرآن والحديث والفقه. لكنّ حدثاً روحياً غيّر مسار حياته كلياً وهو في سنّ الشباب: تجربة صوفية عميقة فتحت له أبواب العالم الروحي. يروي ابن عربي أنّه التقى في إشبيلية بالفيلسوف ابن رشد، وكان ابن عربي حينها شاباً صغيراً، فدُهش ابن رشد من عمق معرفته الروحية التي لم تأتِ من الكتب بل من الكشف والذوق.

بدأ ابن عربي رحلاته الكبرى عام 597 هجري حين غادر الأندلس متوجهاً إلى المشرق. زار المغرب وتونس ومصر والحجاز والشام وبلاد الروم. وفي مكة المكرمة عام 598 هجري عاش تجربة روحية عظيمة ألهمته البدء في تأليف كتابه الأعظم “الفتوحات المكية”. وفي مكة أيضاً التقى بنظام بنت الشيخ مكين الدين الأصفهاني التي ألهمته ديوان “ترجمان الأشواق”.

استقرّ ابن عربي أخيراً في دمشق عام 620 هجري تقريباً، وأمضى فيها آخر عقدين من حياته في التأليف والتدريس والعبادة. توفي عام 638 هجري الموافق 1240 ميلادي ودُفن في سفح جبل قاسيون، وقبره لا يزال مزاراً يؤمّه المحبون من كل أنحاء العالم إلى اليوم.

وحدة الوجود: كل شيء تجلٍّ للحب الإلهي

وحدة الوجود هي الفكرة المحورية التي يدور حولها كل فكر ابن عربي. وهي ليست — كما يظن بعض المنتقدين — القول بأنّ الله والعالم شيء واحد، بل هي رؤية أعمق وأدقّ من ذلك بكثير. يرى ابن عربي أنّ الوجود الحقيقي المطلق هو وجود الله وحده، وأنّ كل ما عداه من كائنات ومخلوقات هو تجلّيات ومظاهر لهذا الوجود الواحد. فالكون كله مرآة يتجلى فيها الحق سبحانه بأسمائه وصفاته.

والحب في هذه الرؤية ليس مجرد عاطفة إنسانية بل هو القوة الكونية الأولى التي أوجدت العالم. يستند ابن عربي إلى الحديث القدسي المشهور الذي يرويه المتصوفة: “كنتُ كنزاً مخفياً فأحببتُ أن أُعرف فخلقتُ الخلق”. فالحب الإلهي هو الذي دفع إلى الخلق، والخلق هو مرآة هذا الحب. بعبارة أخرى: لولا الحب لما وُجد شيء.

﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

(سورة الحديد: 3)

هذه الآية الكريمة هي من أهم الآيات التي يستند إليها ابن عربي في تأسيس رؤيته. فالله هو الظاهر في كل صورة وهو الباطن وراء كل حجاب. كل جمال في الطبيعة هو لمعة من جماله، وكل حب بين مخلوقين هو قبس من حبه. يقول ابن عربي إنّ من نظر إلى الكون بعين القلب رأى الحق متجلياً في كل ذرة — في وردة تتفتح وموجة تعلو ونجمة تسطع وقلب يخفق بالحب.

ولا يعني هذا عند ابن عربي إلغاء الفرق بين الخالق والمخلوق — فالخالق منزّه عن صفات المخلوقين — لكنه يعني أنّ المخلوقات هي مجالي تجلّي الأسماء الإلهية. فالشمس واحدة لكنّ أشعتها تتعدد، والبحر واحد لكنّ أمواجه لا تُحصى. هذه النظرة تجعل كل وجود في الكون آية من آيات الحب الإلهي، وتجعل من المعرفة بالله معرفة بكل شيء.

الفتوحات المكية: موسوعة العرفان الأعظم

الفتوحات المكية هو أعظم ما ألّف ابن عربي وأكبر موسوعة صوفية في تاريخ الإسلام. بدأ تأليفه في مكة المكرمة عام 598 هجري وظل يعمل فيه نحو ثلاثين عاماً حتى أتمّه في دمشق. يقع الكتاب في 560 باباً تتناول كل فروع المعرفة الصوفية والفلسفية والكونية، من طبيعة الوجود إلى أسرار الحروف، ومن مقامات السالكين إلى أحوال الآخرة.

يُخصّص ابن عربي في الفتوحات المكية أبواباً كاملة لفلسفة الحب. فيتحدث عن الحب الإلهي بوصفه أصل كل حركة في الوجود، ويُبيّن أنّ الحب ليس عاطفة طارئة بل هو جوهر الوجود ذاته. يقول ابن عربي إنّ الحب هو السبب الذي من أجله خُلق الكون — فالحق سبحانه أحبّ أن تظهر كمالاته فتجلّى في صور الكائنات.

ومن أعمق ما كتبه ابن عربي في الفتوحات نظريته في “الإنسان الكامل”. فالإنسان عنده هو المرآة الكبرى التي يرى الحق فيها ذاته، لأنّ الإنسان يحمل في ذاته جميع الأسماء الإلهية. فالله خلق آدم على صورته — أي على صورة تجمع كل الأسماء والصفات — وجعله خليفة في الأرض ليكون المرآة الكاملة للتجلي الإلهي. والحب هو القوة التي تصقل هذه المرآة وتجعلها قابلة لاستقبال النور الإلهي.

❝ كنتُ كنزاً مخفياً فأحببتُ أن أُعرف فخلقتُ الخلق ❞

حديث قدسي يرويه المتصوفة ويستند إليه ابن عربي كثيراً

هذا الحديث القدسي — على الرغم من الخلاف في صحة إسناده — يمثّل عند ابن عربي حجر الزاوية في فهم الوجود. فـ“أحببتُ” تكشف أنّ الحب هو الدافع الأول وراء الخلق. والكون كله — بما فيه من جمال وتنوع وعظمة — ليس إلا تعبيراً عن هذا الحب الإلهي الذي أراد أن يتجلى ويُعرف. فمن أحبّ الكون فقد أحبّ أثر الله، ومن أحبّ الجمال فقد أحبّ تجلّي الله، ومن أحبّ إنساناً فقد أحبّ مرآة من مرايا الله.

ترجمان الأشواق: شعر الحب الكوني

إذا كانت الفتوحات المكية هي الموسوعة الفكرية لابن عربي، فإنّ ترجمان الأشواق هو قلبه النابض بالحب والشعر. هذا الديوان الذي يضم واحداً وستين قصيدة كُتب تحت تأثير لقاء عظيم في مكة المكرمة. فحين وصل ابن عربي إلى مكة عام 598 هجري التقى هناك بالشيخ مكين الدين أبي شجاع الأصفهاني وابنته نظام — فتاة جمعت بين الحسن والعلم والورع والذكاء.

يقول ابن عربي عن نظام إنها كانت زينة مكة وشمسها، وإنّها كانت ذات علم ودين وجمال باهر. رأى فيها ابن عربي تجلّياً للجمال الإلهي في صورة بشرية — وهذا عنده ليس انتقاصاً من الجمال الإلهي بل هو تأكيد على أنّ كل جمال حقيقي في هذا العالم هو مرآة للجمال المطلق. فكتب ترجمان الأشواق في حبها مستخدماً إياها رمزاً للحكمة الإلهية والجمال الأسنى.

لقد صار قلبي قابلاً كلَّ صورةٍ   فمرعىً لغزلانٍ ودَيرٌ لرُهبانِ
وبيتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طائفٍ   وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآنِ
أدينُ بدين الحبّ أنّى توجّهتْ   ركائبُهُ فالحبُّ ديني وإيماني

ابن عربي — ترجمان الأشواق، القصيدة الحادية عشرة

هذه الأبيات هي أشهر ما كتب ابن عربي على الإطلاق، وهي خلاصة فلسفته في الحب. القلب الذي “صار قابلاً كل صورة” هو القلب الذي بلغ مقام الحب الكامل فلم يعد يرى في الوجود إلا تجليات المحبوب الواحد. فأينما توجّه وجد الله، وفي كل دين وجد شعاعاً من النور الإلهي، وفي كل جمال وجد أثراً من الجمال المطلق.

حين نشر ابن عربي هذا الديوان اتّهمه بعض المعاصرين بأنّ شعره غزل بشري لا أكثر. فألّف شرحاً مفصّلاً سمّاه “ذخائر الأعلاق في شرح ترجمان الأشواق” بيّن فيه أنّ كل رمز في الديوان يشير إلى حقيقة روحية: فالغزال يرمز إلى الحكمة الإلهية، والخمر إلى نشوة المعرفة، والحبيبة إلى الحقيقة المحمدية، والنجوم إلى مقامات السالكين. لكنّ ذلك لا ينفي أنّ التجربة الشعرية بدأت من حب إنساني حقيقي — فعند ابن عربي لا انفصال بين الحب البشري والحب الإلهي بل الأول باب إلى الثاني.

الحب كمرآة كونية

من أعمق أفكار ابن عربي وأكثرها إبداعاً فكرة المرآة الكونية. يرى ابن عربي أنّ الله خلق العالم ليكون مرآة يرى فيها كمالاته وجماله. فكما أنّ الإنسان لا يرى وجهه إلا في مرآة، فكذلك الحق سبحانه أراد أن “يرى” أسماءه وصفاته متجلية في صور الكائنات. والحب هو القوة التي تصنع هذه المرآة وتصقلها وتجعلها قابلة للانعكاس.

في كتابه “فصوص الحكم” يشرح ابن عربي هذه الفكرة بعمق مذهل. يقول إنّ الكون قبل الخلق كان كمرآة غير مصقولة لا تعكس شيئاً. فأراد الحق أن تظهر أسماؤه في صور مختلفة، فخلق آدم وجعله المرآة الجامعة التي تعكس كل الأسماء الإلهية في آنٍ واحد. ولذلك سجدت الملائكة لآدم — لا لذاته بل لأنه المرآة الكبرى التي يتجلى فيها الحق بجميع أسمائه.

﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾

(سورة البقرة: 31)

يُفسّر ابن عربي هذه الآية بأنّ تعليم آدم الأسماء يعني أنّ الله أودع في الإنسان القدرة على استيعاب كل الأسماء الإلهية والتجلي بها. وهذا ما يجعل الإنسان المخلوق الأكمل والأقرب إلى الله. فالحجر يتجلى فيه اسم القوي، والنبات يتجلى فيه اسم المحيي، والحيوان يتجلى فيه اسم الحي — لكنّ الإنسان وحده يتجلى فيه كل اسم من الأسماء الحسنى.

وحين يحبّ إنسان إنساناً آخر — في رؤية ابن عربي — فإنه في الحقيقة يحبّ التجلي الإلهي الذي يراه فيه. فكل حب حقيقي هو حب لله من حيث لا يشعر المحبّ. الجمال الذي يجذبنا في الوجوه والأرواح ما هو إلا لمعة من جمال الله. ولذلك يرى ابن عربي أنّ الحب البشري ليس حجاباً عن الحب الإلهي بل هو باب إليه — بشرط أن يُدرك المحبّ أنّ ما يحبه في المحبوب هو أثر الصانع لا الصنعة ذاتها.

المؤنث الإلهي في فكر ابن عربي

من أكثر جوانب فكر ابن عربي إثارة وجرأة موقفه من المرأة والمؤنث الإلهي. ففي فصّ “محمد” من كتاب “فصوص الحكم” يطرح ابن عربي رؤية فريدة في تاريخ الفكر الإسلامي. يقول إنّ النبي صلى الله عليه وسلم حُبِّب إليه من الدنيا ثلاث: النساء والطيب، وجُعلت قرة عينه في الصلاة.

❝ حُبِّبَ إليَّ من دنياكم ثلاث: النساءُ والطيبُ، وجُعلتْ قُرّةُ عيني في الصلاة ❞

رواه النسائي وأحمد

يُعلّق ابن عربي على هذا الحديث بأنّ النبي بدأ بالنساء قبل الطيب والصلاة لأنّ المرأة هي أكمل مجلى للحق. فالمرأة تحمل في ذاتها سرّ الخلق — فهي تلد وتُبدع كما أنّ الله يخلق ويُبدع. والنظر إلى المرأة عند ابن عربي — بعين القلب لا بعين الشهوة — هو نظر إلى تجلي الحق في أكمل صوره. لأنّ الرجل خُلق من الله والمرأة خُلقت من الرجل، فالمرأة بالنسبة للرجل كالكون بالنسبة لله: مرآة يرى فيها ذاته.

هذه الرؤية جعلت ابن عربي يرفع مقام المرأة في الفكر الصوفي إلى مكانة لم تبلغها في أي مدرسة فكرية أخرى في عصره. فالحب بين الرجل والمرأة عنده ليس مجرد ميل طبيعي بل هو عبادة من أرفع العبادات إذا صُحب بالمعرفة والوعي. والزواج في هذا الفهم ليس عقداً اجتماعياً فحسب بل هو مقام روحي يتجلى فيه سرّ العلاقة بين الخالق ومخلوقاته.

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

(سورة الروم: 21)

يقرأ ابن عربي هذه الآية في ضوء فلسفته في المرآة الكونية. فـ“لتسكنوا إليها” تعني عنده أنّ الإنسان يجد في شريكه سكينة الروح التي تبحث عن أصلها. فالرجل يسكن إلى المرأة كما يسكن الفرع إلى أصله، والمرأة تسكن إلى الرجل كما تسكن المرآة إلى من تعكسه. والمودة والرحمة المذكورتان في الآية هما تجليان لاسمَي الله الودود والرحيم في العلاقة الزوجية.

الجدل والدفاع: بين المؤيدين والمعارضين

لم يمرّ فكر ابن عربي دون أن يُثير عاصفة من الجدل لا تزال آثارها حتى اليوم. فمنذ حياته انقسم العلماء حوله انقساماً حاداً: فريق يراه ولياً من أولياء الله وعارفاً بالله لا نظير له، وفريق يراه قد خرج عن حدود الشريعة بعباراته الغامضة وأفكاره المتطرفة.

من أبرز منتقديه ابن تيمية (توفي 728 هجري) الذي ردّ على ابن عربي في مواضع كثيرة من كتبه واتهمه بأنّ وحدة الوجود تؤدي إلى القول بأنّ الخالق والمخلوق شيء واحد. وكذلك انتقده الذهبي والعلائي وغيرهم ممن رأوا في بعض عباراته ما يُخالف ظاهر الشريعة. وتركّز النقد على عبارات مثل “ما في الوجود سوى الله” و“الحق المخلوق به” التي فُهمت على أنها تنفي الفرق بين الخالق والمخلوق.

في المقابل، دافع عن ابن عربي علماء كبار منهم جلال الدين السيوطي الذي ألّف رسالة في الدفاع عنه سمّاها “تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي”. وكذلك دافع عنه عبد الوهاب الشعراني في كتابه “اليواقيت والجواهر” حيث بيّن أنّ كلام ابن عربي يُفهم في سياقه الرمزي الصوفي ولا ينبغي أن يُحمل على ظاهره. كما أجلّه علماء الدولة العثمانية إجلالاً عظيماً حتى بنى السلطان سليم الأول ضريحاً ومسجداً على قبره في دمشق.

والحق أنّ فهم ابن عربي يتطلب أدوات خاصة ومعرفة بلغته الرمزية. فعباراته ليست كلاماً عادياً يُفهم بظاهره، بل هي إشارات رمزية لتجارب روحية عميقة يصعب التعبير عنها باللغة المعتادة. ولذلك يرى كثير من الباحثين المعاصرين أنّ الجدل حول ابن عربي نتج في كثير من الأحيان عن سوء فهم لمقاصده لا عن فساد في عقيدته. وتبقى مساهمته في فلسفة الحب والوجود من أعظم ما أنتجته الحضارة الإسلامية.

خاتمة: الحب دين ابن عربي وإيمانه

في رحلتنا مع فكر ابن عربي نكتشف أنّ رؤيته للحب تتجاوز كل الحدود المعتادة. فالحب عنده ليس عاطفة بشرية فحسب، ولا هو مقام صوفي فحسب، بل هو حقيقة الوجود ذاته. الكون وُجد بالحب ومن الحب وللحب. كل ذرة في هذا الكون تسبح في بحر الحب الإلهي — من النجم الذي يسطع في أعالي السماء إلى القلب الذي يخفق في صدر المحبّ.

علّمنا ابن عربي أنّ الحب الحقيقي لا يستثني ولا يُقصي بل يتسع ويشمل ويحتضن. قلبه الذي “صار قابلاً كل صورة” هو نموذج للقلب الإنساني الذي بلغ كماله — قلب يرى الله في كل شيء ويحبّ كل شيء من أجل الله. وهذا لا يعني إلغاء الشريعة أو تجاوز الحدود، بل يعني أنّ من بلغ ذروة الحب بلغ ذروة المعرفة، ومن بلغ ذروة المعرفة عرف أنّ الله هو المحبوب الحقيقي في كل حب.

﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾

(سورة البقرة: 115)

هذه الآية الكريمة تُلخّص جوهر رؤية ابن عربي: أينما توجّه الإنسان فثمّ وجه الله. في كل اتجاه وفي كل صورة وفي كل قلب ثمة تجلٍّ للحق. وابن عربي يدعونا لأن نرى هذا التجلي بعين الحب لا بعين العقل وحده — لأنّ الحب أبصر من العقل وأوسع أفقاً وأعمق إدراكاً.

ويبقى ابن عربي بعد أكثر من ثمانية قرون على رحيله أحد أكثر المفكرين تأثيراً في تاريخ البشرية. ترجمت كتبه إلى عشرات اللغات، ودُرست في الجامعات الغربية والشرقية على حدّ سواء. وتبقى رسالته الخالدة تصدح عبر الزمن: أدين بدين الحب أنّى توجّهت ركائبه، فالحب ديني وإيماني.

أسئلة شائعة

من هو محيي الدين بن عربي؟
محيي الدين بن عربي (560-638 هجري / 1165-1240 ميلادي) هو أحد أعظم المتصوفة في تاريخ الإسلام، يُلقَّب بالشيخ الأكبر. وُلد في مرسية بالأندلس ورحل في طلب العلم إلى المغرب ومكة ومصر وبلاد الشام، واستقر في دمشق حيث توفي. ألّف أكثر من ثلاثمئة كتاب أبرزها الفتوحات المكية وفصوص الحكم وترجمان الأشواق. يُعدّ المؤسس الفعلي لنظرية وحدة الوجود التي ترى أنّ الوجود كله تجلٍّ للحقيقة الإلهية الواحدة.
ما هي وحدة الوجود عند ابن عربي؟
وحدة الوجود مذهب فلسفي صوفي يرى أنّ الوجود الحقيقي واحد هو وجود الله تعالى، وأنّ كل ما نراه في الكون من موجودات هو تجليات ومظاهر لهذا الوجود الواحد. لا يعني هذا أنّ الله هو العالم (وهذا هو وحدة الموجود لا وحدة الوجود)، بل يعني أنّ الله هو مصدر كل وجود وأنّ الكائنات مرايا تعكس صفاته وأسماءه. والحب عند ابن عربي هو القوة المحركة لهذا التجلي — فالله أحب أن يُعرف فخلق الخلق ليتجلى فيهم.
ما هو كتاب الفتوحات المكية؟
الفتوحات المكية هو أكبر موسوعة صوفية في تاريخ الإسلام، ألّفها ابن عربي على مدار ثلاثين عاماً تقريباً. يقع الكتاب في 560 باباً يتناول فيها علوم التصوف والفلسفة والفقه والتفسير واللغة والكونيات. بدأ ابن عربي تأليفه في مكة المكرمة عام 598 هجري وأتمّه في دمشق. يُعالج الكتاب موضوعات عميقة مثل طبيعة الوجود والمعرفة الإلهية ومراتب الكائنات ومقامات السالكين إلى الله.
ما هو ترجمان الأشواق ولمن كُتب؟
ترجمان الأشواق ديوان شعري ألّفه ابن عربي ويضم واحداً وستين قصيدة في الحب والعشق. كتبه ابن عربي متأثراً بلقائه في مكة المكرمة بنظام بنت الشيخ مكين الدين الأصفهاني، وهي فتاة كانت تجمع بين الجمال والعلم والورع. استخدم ابن عربي رمز الحب البشري للتعبير عن الحب الإلهي، وحين اتُّهم بأنّ شعره غزل بشري ألّف شرحاً للديوان سمّاه «ذخائر الأعلاق» بيّن فيه أنّ كل رمز يشير إلى حقيقة روحية عليا.
لماذا أثار ابن عربي جدلاً بين العلماء؟
أثار ابن عربي جدلاً واسعاً بسبب نظريته في وحدة الوجود التي فهمها بعض العلماء على أنها تقول بأنّ الله والعالم شيء واحد، وهو ما رآه هؤلاء مخالفاً للعقيدة الإسلامية. كما أنّ عباراته الرمزية العميقة كانت تحتمل تأويلات متعددة. انتقده ابن تيمية والذهبي وغيرهم بشدة، بينما دافع عنه عبد الوهاب الشعراني والسيوطي وكثير من علماء المشرق والمغرب. يرى المنصفون أنّ كلامه يُفهم في سياقه الصوفي الرمزي ولا ينبغي أن يُحمل على ظاهره.