ابن الفارض: سلطان العاشقين

التائية الكبرى — أعظم قصيدة في الحب الإلهي باللغة العربية

~18 دقيقة قراءة

شربنا على ذكرِ الحبيبِ مُدامةً

سكرنا بها من قبلِ أن يُخلَقَ الكَرمُ

ابن الفارض — مطلع الخمرية

مقدمة: شاعر ليس كالشعراء

في تاريخ الشعر العربي الممتد على أكثر من خمسة عشر قرناً، أنجبت اللغة العربية آلاف الشعراء الذين تغنّوا بالحب — حب المرأة وحب الوطن وحب الذات. لكنّ شاعراً واحداً ارتفع بالحب إلى مقام لم يبلغه أحد قبله ولا بعده، فجعل الحب رحلةً من الأرض إلى السماء، ومن النفس إلى الله، ومن الكلمة إلى الحقيقة المطلقة. ذلك الشاعر هو عمر بن الفارض، الذي لُقّب بحق بـ“سلطان العاشقين”.

ليس ابن الفارض شاعراً صوفياً فحسب، بل هو قمة الشعر الصوفي العربي على الإطلاق. إذا كان جلال الدين الرومي سلطان العاشقين في الشعر الفارسي، فإن ابن الفارض يحتلّ المرتبة ذاتها في الشعر العربي — بل إنّ كثيراً من النقاد يرونه أعمق من الرومي في تجربته الروحية وأدقّ في تصويره الشعري. إنه الشاعر الذي حوّل اللغة العربية إلى أداة للكشف عن أسرار الحب الإلهي، فجعل كل حرف يرتجف بالعشق وكل بيت يفيض بالنور.

والعجيب في أمر ابن الفارض أنه لم يكن غزير الإنتاج الشعري — ديوانه صغير الحجم مقارنة بدواوين شعراء عصره — لكنّ كل بيت فيه جوهرة مصقولة تحتاج إلى سنوات من التأمل لاستخراج كنوزها. قال عنه المستشرق البريطاني رينولد نيكلسون إنه أعظم شاعر صوفي أنجبته العربية، وقال عنه المستشرق الإيطالي نللينو إنه في الشعر الصوفي العربي كدانتي في الأدب الإيطالي.

حياته: من ابن الفقيه إلى سلطان العاشقين

وُلد عمر بن علي بن مرشد بن علي الحموي في القاهرة سنة 576 للهجرة (1181 ميلادية) في بيت علم وفقه. كان أبوه فقيهاً يشتغل بالفتوى وقضايا الفرائض (المواريث)، ومن هنا جاء لقب الأسرة “ابن الفارض” — أي ابن من يُقدّر الفرائض. نشأ عمر في بيئة دينية علمية، فتعلّم الفقه والحديث وعلوم القرآن كما كان يُنتظر من ابن فقيه في مصر الأيوبية.

لكنّ روح ابن الفارض كانت تتوق إلى ما هو أعمق من ظواهر العلم. كان يشعر بجذب خفيّ نحو عالم الباطن، نحو الحقائق التي لا تُدرَك بالعقل وحده بل بالقلب والذوق. وقد حكى ابن الفارض عن نفسه أنه كان يطلب الفتح الروحي في القاهرة فلم يتيسّر له، حتى أشار عليه أحد المشايخ بأن يتوجّه إلى مكة المكرمة، ففعل. وهناك، في وادي المستضعفين (وادي المستدير) قرب مكة، عاش ابن الفارض فترة من الخلوة والعزلة الروحية استمرت سنوات عديدة.

في تلك الخلوة المباركة، تفتّحت بصيرة ابن الفارض وتجلّت له حقائق الحب الإلهي. يقول المؤرخون إنه كان يغيب عن الوعي أحياناً في حالات من الوجد والسكر الروحي، ثم يُفيق فينطق بأبيات من الشعر كأنها تنزل عليه من عالم آخر. كثير من قصائده العظيمة وُلدت في تلك الحالات — لم يكتبها بالعقل المدبّر بل فاضت من قلب مشتعل بالعشق الإلهي.

عاد ابن الفارض إلى القاهرة بعد سنوات طويلة في الحجاز، وقد صار شيخاً مهيباً يحجّ إليه الناس من كل مكان. سكن في سفح جبل المقطّم بالقاهرة، وكان يُقيم حلقات ذكر وسماع تجتمع فيها قلوب المريدين. توفي سنة 632 للهجرة (1235 ميلادية) عن عمر يناهز السادسة والخمسين، ودُفن في سفح المقطّم حيث لا يزال ضريحه مقصداً للزائرين حتى اليوم.

التائية الكبرى: ملحمة العشق الإلهي

إذا كان للأدب العربي عمل واحد يُمثّل قمة التعبير عن الحب الإلهي، فهو بلا شك التائية الكبرى لابن الفارض، المعروفة أيضاً باسم “نظم السلوك”. إنها قصيدة طويلة تبلغ نحو 760 بيتاً، رويّها حرف التاء، وهي ليست قصيدة بالمعنى المعتاد بل هي رحلة روحية كاملة من أول خطوة على طريق الله إلى آخر مقام من مقامات الفناء في الحب الإلهي.

يبدأ ابن الفارض تائيته بالحديث عن لحظة الوقوع في الحب الإلهي — تلك اللحظة التي ينقلب فيها كل شيء ويصبح العالم كله مرآة للمحبوب. ثم يصف مقامات السلوك الصوفي واحداً تلو الآخر: من التوبة إلى الزهد إلى الصبر إلى الرضا إلى التوكل إلى المحبة ثم أخيراً إلى الفناء والاتحاد بالمحبوب الأعلى. إنها خريطة شعرية لرحلة الروح إلى الله.

ما يميّز التائية عن غيرها من القصائد الصوفية هو أنها ليست مجرد وصف نظري بل تجربة حيّة معاشة. يشعر القارئ وهو يتابع أبياتها أنه يسير مع ابن الفارض في رحلته، يتذوّق ما تذوّقه ويرى ما رآه. وقد أبدع ابن الفارض في استخدام لغة الغزل البشري رمزاً للعشق الإلهي، فتجد في التائية وصفاً للحبيب وجماله وعينيه وشعره — لكنّ هذا الحبيب ليس بشراً بل هو الحقيقة الإلهية التي يتجلّى جمالها في كل شيء.

﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾

(سورة البقرة: 115)

وقد عكف كبار العلماء والمتصوفة على شرح التائية الكبرى عبر القرون. من أشهر شروحها شرح عبد الرزاق القاشاني وشرح داود القيصري، وكلاهما حاول أن يفكّ رموزها ويكشف طبقاتها المعنوية المتعددة. وما زالت التائية حتى اليوم محلّ دراسة وإعجاب في الجامعات العربية والغربية على حد سواء، باعتبارها من أرفع ما أنتجه الأدب العربي في باب الروحانيات.

الخمرية: نشوة ما قبل الخلق

إذا كانت التائية الكبرى هي الملحمة الكبرى لابن الفارض، فإنّ الخمرية هي جوهرته المصقولة التي لا يضاهيها شيء في إيجازها وعمقها. إنها قصيدة قصيرة لا تتجاوز ثلاثة وثلاثين بيتاً، لكنها اختزلت فيها تجربة صوفية كاملة بلغة ساحرة تُدهش العقل وتأسر القلب.

الخمرية تتحدث عن خمرة ليست من عصير العنب — بل هي خمرة المعرفة الإلهية والحب الصوفي. يقول ابن الفارض إنه شربها على ذكر الحبيب، وأنها خمرة سكر بها من قبل أن يُخلق الكرم (شجر العنب). إنها خمرة أزلية سبقت الخليقة كلها، لأن الحب الإلهي سابق لكل شيء — فالله أحبّ عباده قبل أن يخلقهم، واصطفاهم قبل أن يُوجدهم.

ثم يصف ابن الفارض هذه الخمرة بأوصاف عجيبة: لها بدر يهتدي به الساري في ظلمة الليل، ونورها كالشمس يُنير الظلمات. من شربها لا يسكر سُكر الغافلين بل يصحو صحوة العارفين — لأن هذه الخمرة لا تُذهب العقل بل تُنير البصيرة وتكشف حجاب الغفلة عن القلب. وكلّ من شمّ رائحتها اهتدى ولو لم يشربها — وهذا إشارة إلى أنّ مجرد الاقتراب من أهل الحب الإلهي يُؤثّر في القلب.

❝ إنّ لله تعالى أهلين من الناس: أهل القرآن هم أهل الله وخاصّته ❞

رواه أحمد والنسائي وابن ماجه

والخمرية ليست مجرد قصيدة في الشعر الصوفي بل هي بيان فلسفي عميق عن طبيعة المعرفة الروحية. فابن الفارض يُفرّق بين معرفة العقل ومعرفة القلب، بين علم الكتب وعلم الذوق، بين سُكر الجسد الذي يُغيّب العقل وسُكر الروح الذي يُنيره. وهذه الثنائية هي جوهر التجربة الصوفية كلها: أن يتجاوز الإنسان حدود العقل المحض ليصل إلى معرفة أعلى لا تتحقق إلا بالحب.

السُّكر الروحي: حين تسكر الروح لا الجسد

من أبرز المفاهيم في شعر ابن الفارض مفهوم السُّكر الروحي — وهو استخدام استعارة الخمر والسكر للتعبير عن حالة النشوة الإلهية التي يعيشها الصوفي حين يغمره الحب الإلهي. هذا المفهوم ليس اختراعاً لابن الفارض بل له جذور قديمة في التصوف الإسلامي، لكنّ ابن الفارض هو من أوصله إلى ذروة التعبير الشعري.

يميّز ابن الفارض بين مراتب متعددة من السُّكر الروحي. أولها سُكر المبتدئ الذي يغمره الحب فيفقد وعيه بذاته — كما يحدث للعاشق حين يرى محبوبه لأول مرة. ثم يأتي مقام الصحو بعد السكر، وهو أعلى من السكر نفسه، لأن الصوفي يعود إلى وعيه لكن بعد أن تغيّر تغيّراً جذرياً. ثم يأتي المقام الأعلى وهو “صحو الجمع” — حيث يرى الصوفي الكثرة في الوحدة والوحدة في الكثرة، ولا يحجبه سكره عن صحوه ولا صحوه عن سكره.

واستخدام رمز الخمر في الشعر الصوفي له حكمة عميقة. فالخمر الحسّية تُسكر الجسد وتُغيّب العقل مؤقتاً ثم يعود السكران إلى حالته الأولى. أما الخمر الروحية فإنها تُنير البصيرة وتكشف الحقائق وتُحدث تحولاً دائماً لا رجعة فيه. من شربها لا يعود كما كان أبداً — لأنه رأى ما لم يره غيره وذاق ما لم يذقه سواه. ولهذا كان ابن الفارض يقول إن سُكره أصدق من صحو الغافلين، لأن الغافل يظنّ نفسه صاحياً وهو في الحقيقة سكران بالدنيا.

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

(سورة الرعد: 28)

ومن أروع ما في شعر ابن الفارض أنه يجعل السُّكر الروحي ليس هروباً من العالم بل طريقة لرؤية العالم على حقيقته. فالعاشق المسكور بالحب الإلهي لا ينسحب من الحياة بل يراها بعين جديدة — يرى في كل شيء تجلّياً للجمال الإلهي، ويسمع في كل صوت صدى لذكر الله، ويجد في كل لقاء إنساني فرصة للتقرب من المحبوب الأعلى.

الفناء والاتحاد: ذروة الحب عند ابن الفارض

يمثّل مفهوم الفناء الذروة العليا في فلسفة ابن الفارض الشعرية. والفناء في تصوّره ليس موتاً جسدياً ولا اندثاراً للذات، بل هو غياب الوعي بالذات في شهود المحبوب. كما ينسى العاشق نفسه حين يحدّق في وجه من يحبّ، ينسى الصوفي ذاته حين يستغرق في شهود الحقيقة الإلهية.

ويميّز ابن الفارض بين ثلاث مراتب من الفناء. المرتبة الأولى هي فناء الأفعال: حين يرى السالك أنّ كل فعل في الوجود هو من الله وبالله. ثم فناء الصفات: حين تتلاشى صفات العبد في صفات الحق، فلا يرى لنفسه علماً ولا قدرة ولا إرادة مستقلة. ثم فناء الذات: وهو أعلى المقامات، حين يغيب الوعي بالأنا تماماً ولا يبقى إلا الحقّ.

لكنّ ابن الفارض لا يقف عند الفناء بل يتجاوزه إلى ما هو أعلى: البقاء بعد الفناء. أي أن يعود الصوفي إلى الوعي لكن بعد أن تحوّل تحولاً كلياً — فهو يرى العالم الآن بعين الحقّ لا بعين النفس، ويتحرّك بإرادة الله لا بإرادة الأنا. وهذا المقام هو ما سمّاه الصوفية “البقاء بالله بعد الفناء عن النفس”.

﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۝ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾

(سورة الرحمن: 26-27)

ومن المهم أن نفهم أن الفناء عند ابن الفارض ليس حلولاً ولا اتحاداً بالذات الإلهية بالمعنى الحرفي — فهو يبقى في إطار التوحيد الإسلامي الذي يفصل بوضوح بين الخالق والمخلوق. بل الفناء عنده حالة معرفية وجدانية: أن يفنى العبد عن رؤية ذاته في شهود ربّه، كما يفنى المرء عن وعيه بنفسه في لحظات الاستغراق الشديد. إنه فناء الشهود لا فناء الوجود — تتلاشى الأنا في المعرفة لا في الكينونة.

ابن الفارض بين أقطاب التصوف

يقف ابن الفارض في صفّ واحد مع أعظم أقطاب التصوف الإسلامي، لكنّ لكل واحد منهم طريقته المميزة في التعبير عن الحب الإلهي. والمقارنة بينهم تكشف عن ثراء التجربة الصوفية وتعدد أبعادها.

ابن الفارض وجلال الدين الرومي

الرومي (604-672 هـ) شاعر الحب الصوفي الأعظم في الفارسية، وابن الفارض نظيره في العربية. الفرق بينهما كالفرق بين النهر والبحر: الرومي نهر متدفّق يجري بقصصه وأمثاله وحكاياته في آلاف الأبيات، يأخذ القارئ في رحلة طويلة ممتعة. أما ابن الفارض فبحر عميق ساكن الظاهر متلاطم الباطن — يختزل في بيت واحد ما يحتاج الرومي إلى مئة بيت ليقوله. الرومي يشرح الحب، وابن الفارض يُذيقك إياه.

ابن الفارض ومحيي الدين بن عربي

ابن عربي (560-638 هـ) معاصر لابن الفارض وكلاهما عاش في نفس العصر تقريباً. لكنّ الفرق بينهما جوهري: ابن عربي فيلسوف صوفي يُعبّر عن حقائق الحب بلغة المفاهيم والنظريات — كنظريته في وحدة الوجود والأعيان الثابتة والتجليات. أما ابن الفارض فـشاعر صوفي يُعبّر عن الحقائق ذاتها بلغة الذوق والوجدان والصور الشعرية. قال العلماء: ما كتبه ابن عربي نثراً في الفتوحات المكية نظمه ابن الفارض شعراً في التائية الكبرى.

ابن الفارض والحلّاج

الحسين بن منصور الحلّاج (244-309 هـ) سبق ابن الفارض بثلاثة قرون، وكان من أوائل من صرّح بأسرار العشق الإلهي علناً حتى أودى ذلك بحياته. الفرق الجوهري أنّ الحلّاج كان شهيد العشق الذي لم يستطع كتمان سرّه فصاح بمقولته الشهيرة، بينما ابن الفارض كان أكثر حكمة في التعبير — استخدم الرمز والاستعارة بدلاً من التصريح المباشر، فحافظ على حياته ونقل تجربته كاملة دون أن يصطدم بالسلطة الدينية.

❝ لا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحبّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به ❞

رواه البخاري — الحديث القدسي

أثره في الأدب العربي والتصوف الإسلامي

ترك ابن الفارض أثراً عميقاً ومتشعّباً في الأدب العربي والحضارة الإسلامية يمتد حتى يومنا هذا. فقد أسّس مدرسة شعرية كاملة في الغزل الصوفي العربي، وصار كل شاعر صوفي جاء بعده مديناً له بالفضل — سواء اعترف بذلك أم لم يعترف.

على مستوى اللغة الشعرية، أبدع ابن الفارض أسلوباً فريداً يجمع بين رقة الغزل العذري وعمق التجربة الصوفية. استطاع أن يستخدم مفردات الحب البشري — الخمر والسكر والوجد والشوق والوصال والهجر — ليصنع منها قاموساً صوفياً كاملاً لا تزال مفرداته مستخدمة في الأدب الصوفي حتى اليوم. وهذا القاموس المزدوج — الذي يحمل معنى ظاهراً حسّياً ومعنى باطناً روحياً في آن واحد — هو من أعظم إنجازات ابن الفارض الأدبية.

وقد تجاوز تأثير ابن الفارض حدود الأدب ليشمل الموسيقى والإنشاد الصوفي. فقصائده — وخاصة الخمرية والتائية — صارت من أكثر النصوص التي تُنشد في حلقات الذكر والسماع في الطرق الصوفية عبر العالم الإسلامي. كما أثّرت أفكاره في الفن الإسلامي والخط العربي، حيث كثيراً ما تُخطّ أبياته على جدران المساجد والتكايا والأضرحة.

وفي العصر الحديث، جذب ابن الفارض اهتمام المستشرقين والباحثين الغربيين الذين رأوا فيه شاعراً كونياً يتحدث بلغة تتجاوز حدود الثقافة والدين. ترجمت أعماله إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية وغيرها، ودُرست في جامعات أكسفورد وكمبريدج والسوربون. وقد وصفه كثير من الباحثين الغربيين بأنه من أعظم الشعراء الصوفيين في تاريخ البشرية لا في تاريخ العربية وحدها.

﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾

(سورة المائدة: 54)

خاتمة: لماذا نحتاج ابن الفارض اليوم؟

في عالم يسوده الضجيج المادي وتتراجع فيه الروحانيات، يظلّ صوت ابن الفارض ضرورة حيّة لا ترفاً أدبياً. إنه يُذكّرنا بأنّ في الإنسان بُعداً روحياً لا يمكن إشباعه بالمال والسلطة والمتع الحسّية — بُعداً لا يرتوي إلا بالحب بأعلى معانيه وأنقى صوره.

يُعلّمنا ابن الفارض أنّ الحب ليس ضعفاً بل هو أعلى مراتب القوة. فالعاشق الحقيقي هو أشجع الناس لأنه يتخلى عن أنانيته ويفنى في محبوبه. ويُعلّمنا أنّ الجمال ليس سطحياً بل هو بوابة إلى الحقيقة المطلقة — فكل جمال في الوجود هو شعاع من الجمال الإلهي الذي لا يُحدّ. ويُعلّمنا أنّ المعرفة الحقيقية لا تأتي من الكتب وحدها بل من تجربة القلب وذوق الروح.

إنّ قراءة ابن الفارض اليوم ليست رحلة في الماضي بل استشراف للمستقبل. فرسالته عن الحب الشامل الذي يتجاوز حدود الذات والأنا والعصبية هي الرسالة التي يحتاجها عالمنا المعاصر أكثر من أي وقت مضى. لقد أثبت سلطان العاشقين أنّ اللغة العربية قادرة على التعبير عن أعمق التجارب الروحية الإنسانية، وأنّ الحضارة الإسلامية أنتجت من أدب الحب ما يضاهي أعظم ما أنتجته حضارات العالم كله.

رحم الله ابن الفارض الذي شرب من خمرة الحب فسكر سكراً أبدياً، وسقى الأجيال بعده من كأسه فلم تزل ثمالى حتى الساعة. لقد رحل جسده قبل ثمانية قرون، لكنّ روحه لا تزال تسري في كل بيت من شعره، وكل من قرأ أبياته بقلب صادق شرب من تلك الخمرة الأزلية التي لا ينضب معينها ولا يخبو نورها.

أسئلة شائعة

من هو ابن الفارض ولماذا لُقّب بسلطان العاشقين؟
ابن الفارض هو عمر بن علي بن مرشد الحموي المصري (576-632 هجري / 1181-1235 ميلادي)، أعظم شعراء العشق الإلهي في اللغة العربية. لُقّب بسلطان العاشقين لأنه بلغ في التعبير عن الحب الإلهي ذروة لم يبلغها شاعر عربي قبله ولا بعده. جمع في شعره بين عمق التجربة الروحية وجمال اللغة العربية وبراعة الصياغة الشعرية، فصار سلطاناً متوّجاً على عرش شعر العشق الصوفي.
ما هي التائية الكبرى (نظم السلوك) ولماذا تُعدّ أعظم قصيدة في العشق الإلهي؟
التائية الكبرى أو نظم السلوك هي قصيدة طويلة تبلغ نحو 760 بيتاً، رويّها حرف التاء، نظمها ابن الفارض في وصف رحلة الروح من الغفلة إلى الفناء في الحب الإلهي. تُعدّ أعظم قصيدة في العشق الإلهي باللغة العربية لأنها تجمع بين الوصف الدقيق لمقامات السلوك الصوفي وجمال التصوير الشعري وعمق الرمزية. شرحها كبار العلماء والمتصوفة كعبد الرزاق القاشاني وداود القيصري، وتُرجمت إلى لغات عديدة.
ما هي الخمرية ولماذا تُعدّ من روائع الشعر الصوفي؟
الخمرية قصيدة قصيرة لابن الفارض تبلغ نحو 33 بيتاً، يصف فيها خمراً روحانية ليست من عصير العنب بل هي خمرة المعرفة الإلهية والحب الصوفي. يبدأها بقوله: شربنا على ذكر الحبيب مدامةً سكرنا بها من قبل أن يُخلق الكرمُ. تُعدّ من روائع الشعر الصوفي لأنها تستخدم رمز الخمر للتعبير عن النشوة الروحية بلغة بديعة تمزج بين الحسّي والروحي في صور شعرية لا مثيل لها.
ما الفرق بين ابن الفارض والرومي في التعبير عن الحب الصوفي؟
ابن الفارض والرومي قمّتان في شعر العشق الإلهي لكنهما يختلفان في الأسلوب والمنهج. ابن الفارض شاعر عربي كلاسيكي يميل إلى التركيز الشديد والكثافة اللغوية والرمزية العميقة في أبيات محكمة البناء. أما الرومي فشاعر فارسي يميل إلى السرد والحكاية والمثل والتدفق العاطفي الجارف. ابن الفارض يُسكرك ببيت واحد يحتاج تأملاً طويلاً، والرومي يأخذك في رحلة طويلة من الحكايات والأمثال. كلاهما وصل إلى جوهر الحب الإلهي لكن من طريقين مختلفين.
ما هو مفهوم الفناء عند ابن الفارض وكيف يرتبط بالحب؟
الفناء عند ابن الفارض هو ذوبان الذات في المحبوب الأعلى حتى لا يبقى شعور بالانفصال بين المُحب والمحبوب. وهو ليس فناءً مادياً بل فناءً روحياً — أي أن يغيب العاشق عن نفسه في شهود محبوبه فلا يرى إلا هو. يصف ابن الفارض هذا المقام في التائية الكبرى بمراحل متدرّجة: من السُّكر الأول إلى الصحو بعد السكر إلى الفناء الكامل ثم البقاء بالله. وهذا الفناء عنده هو أعلى مراتب الحب لأنه يعني أن المُحب قد تجاوز ذاته بالكلية وصار كله للمحبوب.