مقدمة: من هي رابعة العدوية؟
في تاريخ الروحانية الإسلامية أسماء كثيرة لامعة، لكن قلّما نجد اسماً غيّر مسار التصوف بأكمله كما فعلت رابعة العدوية البصرية. هذه المرأة التي وُلدت في الفقر المدقع وعانت من العبودية في صغرها، استطاعت أن تُحدث ثورة روحية هادئة حوّلت التصوف من مدرسة تقوم على الزهد والخوف إلى مدرسة تقوم على الحب الخالص والشوق والوجد. فقبل رابعة كان الزاهدون يعبدون الله خوفاً من ناره أو طمعاً في جنته، فجاءت هي وأعلنت أن العبادة الحقيقية لا تكون إلا بدافع الحب وحده.
وحين نتأمل في قصة رابعة نجد أنفسنا أمام نموذج فريد في تاريخ البشرية: امرأة حوّلت آلامها إلى نور، وبدّلت قيودها بأجنحة، وجعلت من عبوديتها للبشر طريقاً نحو الحرية المطلقة في العبودية لله. إنها لم تترك وراءها كتاباً مؤلَّفاً ولا مدرسة منظّمة، لكنها تركت ما هو أعظم من ذلك: مفهوماً جديداً للعلاقة بين الإنسان وربه، مفهوماً يقوم على الحب لا على الخوف، وعلى الشوق لا على الرهبة.
والقرآن الكريم نفسه يؤسس لهذا المفهوم في آياته الكريمة:
﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾
(سورة المائدة: 54)
رأى كثير من العلماء والمتصوفة أن رابعة العدوية كانت من هؤلاء القوم الذين أحبهم الله فأحبّوه حباً خالصاً لا يشوبه غرض ولا تعكّره مصلحة. إنها المرأة التي علّمت الأجيال أن الحب ليس ضعفاً بل هو أقوى قوة في الوجود، وأن من أحبّ الله حقاً استغنى عن كل شيء سواه.
حياتها: من ظلمات العبودية إلى نور العبادة
وُلدت رابعة بنت إسماعيل العدوية في مدينة البصرة بالعراق حوالي سنة 95 هجرية (713 ميلادية)، في أسرة شديدة الفقر. وسُمّيت “رابعة” لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. تذكر المصادر التاريخية أن أباها كان رجلاً صالحاً لكنه مُعدَم، لا يملك حتى زيتاً يُنير به سراجه ولا ماءً يُغسل به مولودته الجديدة ليلة ولادتها.
يروي فريد الدين العطار في كتابه “تذكرة الأولياء” أن أبا رابعة رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ليلة ولادتها، فبشّره بأن ابنته ستكون شفيعة لسبعين ألفاً من أمته. لكن القدر لم يُمهل هذه الأسرة طويلاً، فتُوفي الأب ثم الأم، وتفرّق شمل البنات الأربع في مجاعة ضربت البصرة. وقعت رابعة الصغيرة في يد رجل ظالم استعبدها وباعها بثمن بخس.
عاشت رابعة سنوات من العبودية القاسية، تخدم سيّدها نهاراً وتقوم الليل كله في الصلاة والبكاء بين يدي الله. وتحكي الروايات أن سيّدها استيقظ ذات ليلة فرآها تصلي ونورٌ ساطع يحيط بها يُنير البيت كله بلا مصباح. فارتعد خوفاً وأدرك أن هذه ليست خادمة عادية بل وليّة من أولياء الله. فأعتقها في الصباح وخيّرها بين البقاء في خدمته أو المضي في سبيلها.
اختارت رابعة الحرية، وتوجّهت إلى الصحراء حيث انقطعت للعبادة. ثم عادت إلى البصرة واتخذت لنفسها صومعة صغيرة تعبد الله فيها. تقدّم لخطبتها رجال أثرياء وعلماء أجلّاء، منهم محمد بن سليمان الهاشمي أمير البصرة الذي عرض عليها مهراً ضخماً، فردّته بكلمات تنبض بالحب الإلهي: “لقد شغلني الله عن الاهتمام بالزواج، إني في ظل أمره حائرة”. لم يكن رفضها احتقاراً للزواج بل إيثاراً للتفرّغ الكامل لحب الله.
عاشت رابعة قرابة تسعين عاماً، وتُوفيت حوالي سنة 185 هجرية (801 ميلادية) في البصرة. قضت حياتها كلها بين العبادة والتأمل والزهد، تأكل القليل وتنام القليل، وتُكثر من قيام الليل والبكاء شوقاً إلى الله. لم تترك وراءها كتاباً مكتوباً، لكن تلاميذها ومعاصريها نقلوا أقوالها وأشعارها وأحوالها، فأصبحت مرجعاً لكل من جاء بعدها من المتصوفة.
ثورتها الروحية: الحب فوق الخوف والرجاء
قبل رابعة العدوية كان التصوف الإسلامي يدور في فلك الزهد والتقشف والخوف من عذاب الله. كان الزاهدون يعتزلون الدنيا ويُقلّلون من الطعام والنوم ويبكون من خشية الله. وكان هذا مساراً مشروعاً ومحموداً، لكنه كان يفتقر إلى عنصر جوهري: عنصر الحب. جاءت رابعة وأضافت هذا البُعد المفقود، فحوّلت العلاقة بين العبد وربه من علاقة خوف ورجاء إلى علاقة حب وشوق.
مفهوم رابعة الثوري يقوم على فكرة بسيطة وعميقة في آن واحد: إن الله يستحق أن يُعبَد لذاته لا لشيء سواه. فمن عبد الله خوفاً من ناره فهو كالعبد الذي يُطيع سيده خوفاً من السوط — وهذه عبودية حقيقية. ومن عبد الله طمعاً في جنته فهو كالتاجر الذي يعمل لأجل الأجر — وهذه تجارة لا عبادة. أما من عبد الله حباً له لأنه أهل لأن يُعبَد، فهذا هو العبد الحرّ الحقيقي الذي تحرّر من كل قيد سوى قيد الحب.
ومن أشهر مواقفها ما رُوي أنها خرجت يوماً في البصرة وفي يدها مشعل نار ودلو ماء. فسألها الناس: إلى أين تذهبين يا رابعة؟ فقالت: أريد أن أُضرم النار في الجنة وأصبّ الماء على النار، حتى يزول هذان الحجابان ويتبيّن من يعبد الله حباً لا طمعاً ولا خوفاً. هذا الموقف يختزل فلسفتها كلها في صورة مجازية بليغة: أزيلوا الجنة والنار من المعادلة واسألوا أنفسكم: هل ستعبدون الله لأنه يستحق أن يُعبَد؟
لم تكن رابعة تُنكر وجود الجنة والنار ولا تنفي مشروعية الخوف والرجاء، فهذه عقائد ثابتة في الإسلام. لكنها كانت تريد أن ترتقي بدافع العبادة إلى أسمى مراتبه. والقرآن نفسه يؤيد هذا المعنى حين يصف عباده الصالحين:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾
(سورة البقرة: 165)
فالإيمان في ذروته ليس مجرد خوف أو رجاء بل هو حب شديد لله. وهذا ما أدركته رابعة وعاشته وعلّمته للأجيال. وقد وافقها في ذلك كبار العلماء لاحقاً، فقال الإمام ابن القيم رحمه الله في “مدارج السالكين” إن السائر إلى الله يمشي بين مقامات الخوف والرجاء والمحبة، والمحبة هي المركب الأعلى الذي يحمل العبد إلى مولاه.
أُحبك حبين: تحليل أشهر قصائد الحب الإلهي
من بين كل ما نُسب إلى رابعة من أشعار وأقوال، تبقى قصيدة “أُحبك حبين” هي الأكثر شهرة والأعمق أثراً. هذه الأبيات القليلة صنعت فلسفة كاملة في الحب الإلهي وأصبحت مرجعاً لكل من جاء بعدها من المتصوفة:
أُحِبُّكَ حُبَّيْنِ: حُبَّ الهَوى ... وَحُبًّا لِأَنَّكَ أَهلٌ لِذاكا
فَأَمّا الَّذي هُوَ حُبُّ الهَوى ... فَشُغلي بِذِكرِكَ عَمَّن سِواكا
وَأَمّا الَّذي أَنتَ أَهلٌ لَهُ ... فَكَشفُكَ لي الحُجُبَ حَتّى أَراكا
فَلا الحَمدُ في ذا وَلا ذاكَ لي ... وَلَكِن لَكَ الحَمدُ في ذا وَذاكا
— رابعة العدوية
تُميّز رابعة في هذه القصيدة بين نوعين من الحب الإلهي:
الحب الأول: حب الهوى. وهو الحب الذي ينشأ من إدراك نِعَم الله على العبد. حين يتأمل الإنسان في نِعَم الله عليه — من صحة ورزق وأمان وهداية — فإن قلبه يمتلئ بالامتنان والحب لمن أنعم عليه. هذا حب مشروع ومحمود، وثمرته أن ينشغل العبد بذكر الله عمّن سواه. لكنه حب مرتبط بسبب خارجي هو النعمة، فلو زالت النعمة — لا قدّر الله — فقد يتزعزع هذا الحب.
الحب الثاني: الحب لأنه أهل لذلك. وهو الحب الخالص لذات الله بصرف النظر عن أي نعمة أو مصلحة. هذا الحب لا يتعلق بما يُعطي الله للعبد بل بما هو الله في ذاته: كمال مطلق وجمال مطلق وجلال مطلق. من بلغ هذا المقام لا يُحب الله لأن الله أعطاه بل يُحبه لأنه يستحق أن يُحَب. وثمرة هذا الحب أعظم: كشف الحُجب حتى يرى العبد ربه — أي المعرفة الكاملة والقرب التام.
والبيت الأخير في القصيدة يكشف عن عمق فلسفي مذهل: “فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي”. تقول رابعة إنها لا تستحق الحمد على أيّ من نوعَي الحب، فكلاهما فضل من الله. حتى حبها لله ليس من صنعها بل هو هبة منه سبحانه. وهذا يتوافق مع المفهوم القرآني أن الله هو الذي يبدأ بالحب: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، فحب العبد لله ليس إلا استجابة لحب الله للعبد.
دعاؤها الشهير: لا خوفاً ولا طمعاً بل حباً
إلى جانب قصيدتها الخالدة، اشتهرت رابعة بدعاء يُعدّ من أعمق ما قيل في الحب الإلهي على الإطلاق:
اللهم إن كنتُ أعبدك خوفاً من نارك فأحرقني بها، وإن كنتُ أعبدك طمعاً في جنتك فاحرمني منها، وإن كنتُ أعبدك من أجلك فلا تحرمني من جمالك الأبدي
— رابعة العدوية
يقوم هذا الدعاء على بنية ثلاثية محكمة تتدرّج من الأدنى إلى الأعلى. في المرتبة الأولى تضع رابعة العبادة بدافع الخوف من النار، وهي مرتبة مشروعة لكنها الأدنى في نظرها، لأن الخائف يعبد الله فراراً من العقوبة لا حباً في المعبود. في المرتبة الثانية تضع العبادة بدافع الطمع في الجنة، وهي أعلى من الأولى لكنها لا تزال مرتبطة بمصلحة الذات لا بحب المحبوب.
أما المرتبة الثالثة والعليا فهي العبادة من أجل الله ذاته، وهنا تطلب رابعة شيئاً واحداً: ألا يحرمها الله من جماله الأبدي. فالجزاء الذي تريده ليس الجنة بما فيها من نعيم مادي بل رؤية وجه الله والقرب منه. وهذا يتوافق مع ما جاء في القرآن الكريم:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾
(سورة القيامة: 22-23)
فأعظم نعيم أهل الجنة ليس الحور ولا القصور ولا الأنهار، بل النظر إلى وجه الله تعالى. وهذا هو “الجمال الأبدي” الذي طلبته رابعة في دعائها. وقد أكّد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في الحديث الشريف:
❝ إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيّض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجّنا من النار؟ فيكشف الحجاب فما أُعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل ❞
(رواه مسلم: 181 — صحيح)
هكذا نرى أن رابعة لم تكن تنفي الجنة والنار ولا تُقلل من شأنهما، بل كانت تسعى إلى ما هو أعظم من نعيم الجنة ذاته: القرب من الله والنظر إلى وجهه الكريم. وهذا هو جوهر الحب الخالص الذي علّمته للعالم.
أثرها في المتصوفة: البذرة التي صارت غابة
لا نبالغ إذا قلنا إن كل متصوف جاء بعد رابعة العدوية هو تلميذ لها بشكل أو بآخر. فالبذرة التي زرعتها في القرن الثاني الهجري نمت وتشعّبت حتى أصبحت غابة كاملة من الفكر الصوفي امتدت عبر القرون والقارات. لقد أسست رابعة المبدأ الأساسي الذي قام عليه كل التصوف اللاحق: الحب هو جوهر العلاقة بين الإنسان وربه.
الحسين بن منصور الحلاج (244-309 هجرية) أخذ مفهوم رابعة عن الحب الخالص وبلغ به مرحلة الفناء الكامل في الذات الإلهية. فإذا كانت رابعة قد قالت إنها تحب الله لأنه أهل للحب، فإن الحلاج تماهى مع المحبوب حتى صاح: “أنا من أهوى ومن أهوى أنا”. دفع الحلاج حياته ثمناً لهذا الحب حين صُلب في بغداد، لكنه قبل صلبه ابتسم وقال: حسب الواجد إفراد الواحد. وتجد تفصيل قصته في مقالنا عن الحلاج: شهيد العشق.
والإمام الغزالي (450-505 هجرية) في “إحياء علوم الدين” خصّص كتاباً كاملاً للمحبة والشوق والأنس والرضا، وأسّس نظرياً لما عاشته رابعة عملياً. وافق الغزالي على أن المحبة أعلى المقامات وأن الخوف والرجاء مقدمات توصل إليها، وقال إن معرفة الله هي التي تُولّد المحبة، لأن من عرف الله أحبه حتماً.
وابن الفارض (576-632 هجرية) سلطان العاشقين، صبّ الحب الرابعي في قالب شعري فريد في التائية الكبرى التي تُعدّ أطول قصيدة عربية في الحب الإلهي. أما جلال الدين الرومي (604-672 هجرية) فجعل الحب محور فلسفته الكونية بأسرها، وكتب في المثنوي أن الحب هو القوة التي تُحرّك الكون من الذرة إلى المجرة. والرومي نفسه اعترف بفضل رابعة حين أشار إليها في أشعاره بوصفها رائدة هذا الطريق. يمكنك التعمّق في فلسفته في مقالنا عن جلال الدين الرومي.
ومحيي الدين بن عربي (560-638 هجرية) أخذ مبدأ الحب الرابعي ووسّعه ليشمل الوجود كله. فإذا كانت رابعة قد قالت إنها تحب الله لذاته، فإن ابن عربي قال إن كل حب في الوجود هو في حقيقته حب لله، لأن الله هو الوجود الحقيقي الوحيد وكل ما سواه تجلٍّ له. هكذا انتقل مفهوم الحب من تجربة فردية مع رابعة إلى فلسفة كونية شاملة مع ابن عربي.
الألم والارتقاء: كيف حوّلت المعاناة إلى نور
لا يمكن فهم عمق تجربة رابعة الروحية دون ربطها بعمق معاناتها الشخصية. فالمرأة التي تحدثت عن الحب الخالص لم تكن تتفلسف من برج عاجي، بل كانت تتحدث من أعماق تجربة إنسانية مؤلمة. فقدت أبويها وهي صغيرة، واستُعبدت ظلماً، وعاشت الفقر والجوع والوحدة. كل هذه الآلام لم تُحطّمها بل صقلتها وطهّرت قلبها من كل تعلق بالدنيا.
يُعلّمنا مثال رابعة أن الألم يمكن أن يكون بوابة للنور. فحين فقدت كل شيء في الدنيا — الأهل والحرية والمال — لم يبقَ لها إلا الله. وهذا الفقد المؤلم كان في حقيقته تحريراً: تحريراً من التعلق بالمخلوقات والتفرّغ الكامل للخالق. وهذا ما يُشير إليه القرآن الكريم:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
(سورة الشرح: 5-6)
والأمر الملفت أن رابعة لم تشكُ من معاناتها قط. لم تُروَ عنها كلمة تذمّر أو اعتراض على قدر الله. بل على العكس، كانت ترى في الابتلاء علامة حب من الله. قالت ذات مرة: “إلهي، كل ما أعطيتني من الدنيا فأعطه لأعدائك، وكل ما أعطيتني من الآخرة فأعطه لأوليائك، أما أنا فيكفيني أنت”. هذه الكلمات تكشف عن قلب تحرّر من كل شيء سوى الله — تحرّر حتى من الرغبة في الجنة ذاتها.
وقد جاء في الحديث القدسي ما يؤيد هذا المعنى:
❝ ما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحبّه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يُبصر به ❞
(رواه البخاري: 6502 — صحيح)
عاشت رابعة هذا الحديث واقعاً حياً. تقرّبت إلى الله بالعبادة المستمرة حتى أحبها الله، فأصبح قلبها لا يرى إلا الله ولا يسمع إلا ذكره ولا يعرف إلا حبه. وقد كانت تقول: “ما طلعت الشمس ولا غربت إلا وحبك مقرون بأنفاسي”. هكذا حوّلت رابعة كل نَفَس من أنفاسها إلى ذكر لله وكل لحظة من حياتها إلى عبادة خالصة.
إرثها الخالد: في الروحانية الإسلامية والعالمية
ترك إرث رابعة العدوية أثراً عميقاً يتجاوز حدود التصوف الإسلامي إلى الروحانية العالمية بأسرها. فهي من أوائل من صاغ مفهوم الحب غير المشروط (Unconditional Love) الذي أصبح اليوم مفهوماً محورياً في علم النفس الروحي والفلسفة والأديان المقارنة. قبل رابعة بقرون طويلة، وقبل أن يتحدث الفلاسفة الغربيون عن الحب الخالص، كانت هذه المرأة البصرية تعيشه وتُعلّمه.
داخل التراث الإسلامي، أصبحت رابعة رمزاً للمرأة الروحانية القوية. في مجتمع كان يُسيطر عليه الرجال في ميدان العلم والزهد، استطاعت هذه المرأة أن تفرض نفسها كأعظم صوت روحي في عصرها. حين كان كبار الزاهدين مثل الحسن البصري وسفيان الثوري يزورونها ويطلبون نصيحتها، كانوا يعترفون بأنها بلغت مقاماً لم يبلغوه. سُئل سفيان الثوري عنها فقال: رابعة امرأة حيّرت العقول.
وفي سياق الأديان المقارنة، يُشبّه الباحثون تجربة رابعة بتجارب الصوفيين في التقاليد الأخرى. فمبدأ الحب الخالص الذي نادت به يتقاطع مع مفهوم “البهاكتي” في التراث الهندي ومع تجارب القديسين المسيحيين مثل القديسة تريزا الأفيلية. لكن رابعة تتميز بأنها سبقتهم جميعاً بقرون، وبأن تجربتها نبعت من قلب التراث الإسلامي ذاته مستندة إلى القرآن والسنة.
ومن جهة أخرى، قدّمت رابعة نموذجاً فريداً في تحويل المعاناة إلى إبداع روحي. هذا النموذج يُلهم الملايين اليوم: من فقد شيئاً في حياته يمكنه أن يجد في قصة رابعة عزاءً وأملاً — فمن رحم الألم يمكن أن يُولد أجمل حب وأعمق إيمان. وكما قال الله تعالى:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾
(سورة البقرة: 216)
كرهت رابعة العبودية والفقر واليُتم، لكن هذه المحن كلها كانت خيراً لها لأنها قادتها إلى أعظم حب عرفته البشرية: الحب الخالص لله. وتبقى رسالتها حيّة تُنادي كل باحث عن المعنى: أحبّ الله لذاته لا لما يُعطيك، واجعل حبك خالصاً من كل شائبة، واعلم أن أعظم نعمة هي معرفة الله وحبه والقرب منه.
خاتمة: شعلة لا تنطفئ
بعد أكثر من ألف ومئتي سنة على رحيلها، لا تزال رابعة العدوية تُلهم الملايين حول العالم. قصتها ليست مجرد سيرة تاريخية لعابدة عاشت في البصرة قبل قرون، بل هي رسالة حيّة تتجاوز الزمان والمكان. رسالتها بسيطة في لفظها عميقة في معناها: أحبّ الله لأنه يستحق أن يُحَب، لا لأنك تخاف عقابه أو تطمع في ثوابه.
وفي عالمنا المعاصر الذي تسيطر عليه المادية والعلاقات النفعية، تأتي رسالة رابعة كنسمة من عالم آخر. تُذكّرنا بأن أعمق ما في الإنسان ليس عقله ولا جسده بل قلبه، وأن القلب لا يهدأ ولا يطمئن إلا حين يجد حباً أكبر من كل حب أرضي. وهذا ما أكّده القرآن:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
(سورة الرعد: 28)
عاشت رابعة هذه الآية واقعاً حياً. اطمأن قلبها بذكر الله فاستغنت عن كل شيء سواه. لم تحتج إلى مال ولا إلى زوج ولا إلى جاه، لأن قلبها كان ممتلئاً بحب الله فلم يبقَ فيه مكان لشيء آخر. وهذا لا يعني أنها كانت تحتقر الدنيا أو تُنكر نِعَم الله فيها، بل يعني أنها وجدت ما هو أعظم من كل نعمة دنيوية: وجدت المُنعِم نفسه.
وندعو الله الودود الذي أحبته رابعة أن يملأ قلوبنا بحبه، وأن يرزقنا من خالص الحب ما رزق أولياءه، وأن يجعلنا ممن يُحبهم ويُحبونه. ونسأله أن يكشف لنا حُجب الغفلة حتى نراه بعين القلب في كل جميل وفي كل نعمة وفي كل لحظة من حياتنا. فالحب الذي علّمته رابعة ليس حكراً على المتصوفة والعابدين، بل هو دعوة لكل إنسان أن يرتقي بحبه من حب الذات إلى حب الخالق، ومن حب النعمة إلى حب المُنعِم. لعلّ في رحلة هذه المرأة العظيمة ما يُعيننا على استكشاف مقامات الحب عند الصوفية والسير في درب المحبين.
