الحب شعور إنساني عابر للزمن والحدود. منذ فجر الحضارة، عبّر البشر عن الحب بطرق مدهشة ومتنوعة. وفي الأساطير اليونانية، تجسّد الحب في شخصيتين أسطوريتين خالدتين: أفروديت إلهة الحب والجمال، وإيروس إله العشق والرغبة. قصصهما لا تزال تُلهم الفن والأدب والفكر حتى يومنا هذا.
ولادة أفروديت: الجمال يخرج من البحر
تروي أشهر أسطورة يونانية — كما رواها الشاعر هسيود في كتابه «ثيوغونيا» (نشأة الآلهة) — أنّ أفروديت وُلدت من زبد البحر بالقرب من جزيرة قبرص. خرجت من الأمواج كاملة الجمال والقوة والنضج، فحملتها الرياح على صدفة بحرية عملاقة إلى الشاطئ، حيث استقبلتها آلهة الفصول (الهوراي) وألبستها ثياباً إلهية وتوّجتها بالزهور.
هذه اللحظة الأسطورية خلّدها الفنان الإيطالي ساندرو بوتيتشيلي في لوحته الشهيرة «ولادة فينوس» (1485م)، وهي من أشهر اللوحات في تاريخ الفن العالمي. اسم أفروديت نفسه مشتقّ من الكلمة اليونانية «أفروس» التي تعني الزبد، فهي حرفياً «المولودة من الزبد». كان اليونانيون يرون في ولادتها من البحر رمزاً لقوة الحب التي تنبثق من أعماق الطبيعة ذاتها.
إيروس: إله العشق بسهامه الذهبية
إيروس — ابن أفروديت في أغلب الروايات — هو إله العشق والرغبة. كان يحمل قوساً وسهمين: سهم ذهبي يُصيب به القلب فيُشعله بالحب، وسهم رصاصي يُصيب به القلب فيُطفئ فيه كل حب. لم يكن أحد — من البشر أو الآلهة — بمنأى عن سلطان إيروس، حتى أبوه الأكبر زيوس كبير الآلهة كان يقع في الحب بسبب سهام إيروس.
في البداية كان إيروس يُعتبر من أقدم الآلهة وأكثرهم قوة. الفيلسوف هسيود ذكره كواحد من أوائل الكائنات التي ظهرت مع نشأة الكون، ما يعني أنّ اليونانيين رأوا الحب قوة كونية أصيلة لا مُستحدثة. مع مرور الزمن، تحوّل تصويره من إله مهيب إلى فتى مراهق مجنّح، ثم عند الرومان أصبح كيوبيد — الطفل البدين ذو الأجنحة الذي نراه في بطاقات عيد الحب اليوم.
«إيروس، أجمل الآلهة الخالدين، يُرخي الأعضاء ويقهر العقل وإرادة الحكماء في صدور البشر والآلهة جميعاً»
— هسيود، ثيوغونيا (القرن السابع ق.م)
بسيخي وإيروس: أجمل أسطورة حب يونانية
من أروع الأساطير اليونانية قصة بسيخي وإيروس التي رواها الكاتب الروماني أبوليوس في القرن الثاني الميلادي. بسيخي (ومعناها «النفس» بالعربية) كانت أميرة بشرية فائقة الجمال حتى أنّ الناس توقفوا عن زيارة معابد أفروديت وراحوا يعبدون جمال بسيخي بدلاً منها.
غضبت أفروديت وأمرت ابنها إيروس بأن يجعل بسيخي تقع في حب أبشع رجل على وجه الأرض. لكن إيروس حين رأى بسيخي وخز نفسه بسهمه من شدة اندهاشه بجمالها، فوقع هو في حبها. تزوجها سراً وكان يزورها كل ليلة في الظلام، واشترط عليها ألا تحاول رؤية وجهه أبداً.
لكن أخوات بسيخي الحاسدات أقنعنها بأنّ زوجها وحش مخيف يخطط لافتراسها. ذات ليلة أضاءت بسيخي مصباحاً زيتياً لترى وجه زوجها النائم، فرأت أجمل كائن في الوجود. ارتعشت يدها فسقطت قطرة زيت ساخنة على كتف إيروس فاستيقظ وهرب غاضباً. مرّت بسيخي بمحن قاسية فرضتها أفروديت الغاضبة — منها النزول إلى العالم السفلي — قبل أن يتدخل زيوس كبير الآلهة فيمنحها الخلود ويُعيد توحيدها مع إيروس. هذه الأسطورة رمزٌ خالد لرحلة النفس من الشك إلى الثقة، ومن الحب المشروط إلى الحب الذي يتحمّل كل شيء.
معابد أفروديت: قبرص وكورنثوس
كان لأفروديت معابد كثيرة في العالم اليوناني، أهمها معبدها في بافوس بجزيرة قبرص — الذي يُعتقد أنه المكان الذي وصلت إليه بعد ولادتها من البحر. كان هذا المعبد مركز حجّ يأتيه الناس من كل أنحاء البحر المتوسط طلباً لبركات إلهة الحب. كما كان لها معبد شهير في مدينة كورنثوس اليونانية على قمة تلة أكروكورنثوس.
في هذه المعابد كان المصلّون يقدمون القرابين لأفروديت طلباً للحب أو الخصوبة أو حماية الزيجات. كانت الحمائم والورود والآس (نبات عطري) من أهم الرموز المقدسة لأفروديت. والمثير أنّ رمز الحمامة والوردة لا يزالان مرتبطين بالحب في ثقافتنا المعاصرة، وهذا يكشف عن الأثر العميق والمستمر للأساطير اليونانية في تشكيل رمزية الحب العالمية.
فينوس في روما: من الحديقة إلى تأسيس الإمبراطورية
حين تبنّى الرومان الآلهة اليونانية، أصبحت أفروديت فينوس — لكنها اكتسبت بُعداً سياسياً إضافياً. اعتقد الرومان أنّ فينوس هي أمّ البطل إينياس الذي فرّ من طروادة المحترقة وأسس سلالة مؤسسي روما. يوليوس قيصر نفسه ادّعى النسب من فينوس عبر إينياس، وبنى لها معبداً فخماً في قلب المنتدى الروماني.
وهكذا أصبح الحب — الذي تمثّله فينوس — مرتبطاً بتأسيس أعظم إمبراطورية في التاريخ القديم. هذا الربط بين الحب والسلطة والتأسيس يُذكّرنا بأنّ الحضارات الكبرى لم ترَ الحب ضعفاً بل رأته قوة بنّاءة تصنع التاريخ.
خاتمة: تبقى أساطير أفروديت وإيروس شاهدة على عمق الفهم اليوناني للحب كقوة كونية لا يملك أحد مقاومتها. وإذا كان اليونانيون قد جسّدوا هذه القوة في آلهة، فإنّ القرآن الكريم عبّر عن الفكرة ذاتها بأعمق صورة حين جعل المودة والرحمة بين الزوجين آية من آيات الخالق العظيم. والحب في الفهم الإسلامي ليس وثنياً ولا بشرياً فحسب، بل هو نفحة ربانية وضعها الله في قلوب عباده ليتعارفوا ويتراحموا.
