الحب شعور إنساني عابر للزمن والحدود. منذ فجر الحضارة، عبّر البشر عن الحب بطرق مدهشة ومتنوعة. ولعلّ أعمق ما كُتب عن الحب في تاريخ الفلسفة هو ما كتبه أفلاطون (428-348 ق.م) في محاورته الشهيرة «المأدبة». هذا النص الذي عمره أكثر من ألفين وأربعمئة سنة لا يزال يُلهم الفلاسفة والشعراء والمحبين حول العالم.
المأدبة: أعظم نص فلسفي عن الحب
كتب أفلاطون «المأدبة» (بالإغريقية: سيمبوزيوم) حوالي عام 385 قبل الميلاد. تدور أحداث المحاورة في حفل عشاء يُقام في بيت الشاعر المسرحي أغاثون احتفالاً بفوزه في مسابقة مسرحية. يقرر الحاضرون — وفيهم فلاسفة وشعراء وأطباء — أن يُلقي كل منهم خطبة في مدح إيروس (إله الحب). ست خطب تُلقى تباعاً، كل واحدة تقدّم رؤية مختلفة ومدهشة عن طبيعة الحب.
المتحدث الأول فايدروس يمدح الحب كأقدم الآلهة وأكثرهم قدرة على إلهام الشجاعة. الطبيب إريكسيماخوس يرى الحب قوة كونية تنظم التناغم في الطبيعة والجسد والموسيقى. لكن أبرز خطبتين هما خطبة أريستوفانيس وخطبة سقراط — وهما اللتان غيّرتا فهم البشرية للحب.
أريستوفانيس: البحث عن النصف الآخر
أريستوفانيس — أعظم كتّاب الكوميديا اليونانية — يروي في المأدبة أسطورة طريفة وعميقة في آنٍ معاً: يقول إنّ البشر في الأصل كانوا كائنات مزدوجة، لكل كائن أربعة أذرع وأربعة أرجل ورأسان ووجهان. كانوا أقوياء جداً وسعداء، حتى أنهم تجرأوا على مهاجمة الآلهة.
غضب زيوس كبير الآلهة فقرر قطع كل كائن إلى نصفين عقاباً له، وأمر أبولو بأن يُداوي الجرح ويلفّ الجلد. منذ ذلك اليوم، كل نصف يبحث عن نصفه المفقود في أرجاء الأرض. وحين يلتقي النصفان أخيراً يشعران بسعادة غامرة ورغبة في ألا يفترقا أبداً — وهذا هو الحب.
«كل واحد منّا نصف إنسان... وكل واحد يبحث دائماً عن نصفه الآخر»
— أفلاطون، المأدبة (حوالي 385 ق.م)
هذه الأسطورة — رغم طابعها الفكاهي — تحمل حقيقة نفسية عميقة: الشعور بأنّنا ناقصون وحدنا وأنّ الحب يُكملنا. عبارة «نصفي الآخر» التي نستخدمها يومياً للإشارة إلى شريك الحياة تعود في أصلها إلى هذه الأسطورة الأفلاطونية التي عمرها أكثر من ألفي سنة.
سقراط وديوتيما: سُلَّم الحب
الخطبة الأهم في المأدبة هي خطبة سقراط — معلّم أفلاطون وأعظم فلاسفة اليونان. لكن سقراط لا يتحدث بلسانه، بل يروي ما تعلّمه من امرأة حكيمة تُدعى ديوتيما من مدينة مانتينيا. تقول ديوتيما إنّ إيروس ليس إلهاً كاملاً بل كائن وسيط بين البشر والآلهة — فهو ابن الفقر (بوروس) والثروة (بينيا)، ولذلك هو في بحث دائم عن الكمال الذي يفتقر إليه.
ثم تصف ديوتيما ما أصبح يُعرف بـ«سُلَّم الحب» أو «سُلَّم الجمال» — وهو أهم ما قدّمه أفلاطون في فلسفة الحب. تقول إنّ المحب يبدأ رحلته بالانجذاب إلى جمال جسد واحد. ثم يُدرك أنّ الجمال الجسدي واحد في كل الأجساد فيرتقي إلى حب الجمال الجسدي عموماً. ثم يكتشف أنّ جمال الروح أعلى من جمال الجسد فيرتقي إلى حب النفوس الجميلة. ثم يرتقي إلى حب العلوم والمعارف. وأخيراً يصل إلى قمة السُلَّم: رؤية الجمال المطلق ذاته — الذي لا يتغير ولا يزول ولا يتأثر بالزمن.
الحب الأفلاطوني: ما الذي قصده أفلاطون حقاً؟
مصطلح «الحب الأفلاطوني» أصبح شائعاً بمعنى العلاقة العاطفية دون بُعد جسدي. لكن هذا المعنى الشعبي يختلف عما قصده أفلاطون. في فلسفة أفلاطون الأصلية، الحب الأفلاطوني ليس إنكاراً للجسد بل رحلة ارتقاء تبدأ من الجسد وتتجاوزه. أفلاطون لم يقل إنّ الانجذاب الجسدي خاطئ، بل قال إنه الخطوة الأولى في سُلَّم يجب أن يرتقيه الإنسان.
المشكلة — في نظر أفلاطون — ليست في الانجذاب الجسدي بل في التوقف عنده. من يحب الجمال الجسدي فقط يبقى أسير المتغيّر والفاني. أما من يرتقي بحبه فيكتشف حقائق أعمق وأكثر ديمومة. هذا التمييز بين التعلّق بالظاهر والارتقاء إلى الجوهر يتقاطع بشكل مدهش مع ما قاله المتصوفة المسلمون عن الفرق بين حب المجاز وحب الحقيقة.
أفلاطون والفلسفة الإسلامية: جسر حضاري
في القرن التاسع الميلادي، ترجم المسلمون أعمال أفلاطون وأرسطو إلى العربية في أكبر حركة ترجمة عرفها التاريخ. الفارابي — «المعلم الثاني» بعد أرسطو — درس فلسفة أفلاطون وكتب عن المدينة الفاضلة والسعادة مستلهماً منه. لكن الذي طوّر نظرية الحب الأفلاطونية أبعد مدى هو ابن سينا (980-1037م).
ابن سينا في «رسالة في العشق» أخذ سُلَّم الحب الأفلاطوني وأعاد بناءه في إطار إسلامي. قال إنّ العشق قوة كونية تسري في كل الموجودات — من الذرات إلى الكواكب — وكلها تتحرك بدافع الحب نحو الكمال الإلهي. الفرق الجوهري بين أفلاطون وابن سينا أنّ أفلاطون انتهى إلى «الجمال المطلق» كمفهوم مجرّد، بينما ابن سينا ربط هذا الجمال بـالذات الإلهية — الله سبحانه وتعالى الذي هو مصدر كل جمال وكل حب.
وفي التصوف الإسلامي، تحوّل سُلَّم الحب إلى نظام كامل من المقامات الروحية. ابن عربي (1165-1240م) وضع نظرية متكاملة عن الحب الإلهي تستلهم من أفلاطون لكنها تذهب أبعد بكثير. وقد أصبح مفهوم الترقي في الحب — من حب المخلوق إلى حب الخالق — محوراً أساسياً في الأدب الصوفي الإسلامي كله.
خاتمة: أفلاطون لم يكن مجرد فيلسوف يوناني قديم، بل كان أحد المهندسين الكبار لفهم البشرية للحب. فكرة أنّ الحب رحلة ارتقاء من المادي إلى الروحي عبرت الحدود والأزمان، ووجدت أعمق تعبيراتها في التصوف الإسلامي الذي ربط هذا الارتقاء بـحب الله الودود — المصدر الأعلى لكل جمال وكل حب في الوجود.
