مقدمة: اسم يملأ القلب بالدفء
من بين أسماء الله الحسنى التسعة والتسعين، يقف اسم “الودود” بمنزلة فريدة تُحيي القلوب وتبعث فيها الأمل والطمأنينة. إنه الاسم الذي يخبرنا أن خالق هذا الكون العظيم، الذي بيده ملكوت كل شيء، هو في الوقت ذاته مُحِبّ لعباده محبة لا تُشبه أي محبة نعرفها. ليس إلهاً بعيداً عن خلقه لا يأبه بهم، بل هو القريب الودود الذي يُحب ويُحَب.
حين نتأمل في هذا الاسم الجليل، نكتشف أنه يُغيّر نظرتنا إلى الله تعالى تغييراً جذرياً. فكثير من الناس يتعاملون مع الله من باب الخوف وحده — يخافون عقابه ويحذرون غضبه — وينسون أن هذا الإله العظيم سمّى نفسه الودود. إن معرفة هذا الاسم تفتح باباً واسعاً من الأنس بالله والقرب منه والشوق إليه، فالإنسان بطبعه يميل إلى من يُحبه ويقترب ممن يُظهر له المودة.
وما يزيد هذا الاسم جمالاً أنه لا يتعلق فقط بعلاقة الإنسان بربه، بل ينعكس على كل علاقات الإنسان في حياته. فالذي يعرف أن ربه ودود يتعلّم أن يكون هو أيضاً ودوداً مع الناس. والذي يُدرك أن الحب صفة إلهية يعلم أن كل حب صادق في هذه الدنيا — بين الزوجين، وبين الوالدين والأبناء، وبين الأصدقاء — هو انعكاس لهذه الصفة الربانية العظيمة.
في هذا المقال نغوص في أعماق اسم الله الودود: معناه اللغوي وموارده القرآنية وأقوال العلماء فيه، وكيف يُنير هذا الاسم حياتنا ويُعمّق علاقاتنا ويجعل من الحب عبادةً نتقرب بها إلى من سمّى نفسه الودود.
معنى الودود في اللغة العربية
اسم “الودود” مشتق من الجذر العربي (و-د-د)، وهو جذر يدور حول معاني المحبة والألفة والتمني. ومن هذا الجذر تتفرع كلمات كثيرة تملأ اللغة العربية دفئاً: الوُدّ (المحبة)، والمَوَدّة (الحب المتبادل)، والوِداد (المحبة الصادقة)، والتَّوَدُّد (إظهار المحبة). وكل هذه الكلمات تشترك في معنى واحد جوهري هو الحب الذي يظهر ويُعبَّر عنه، لا الحب المكتوم في الصدر وحده.
والفرق بين “الوُدّ” و“الحُب” في العربية فرق دقيق مهم. فالحب قد يكون شعوراً داخلياً لا يظهر للعيان، أما الوُدّ فهو الحب الذي يتجلّى في الأفعال والأقوال. قال أهل اللغة إن الوُدّ أخصّ من الحب لأنه يتضمن الإرادة والفعل — فالودود لا يكتفي بأن يُحب في قلبه بل يُترجم حبه إلى عطاء ورعاية وإحسان. ولهذا كان اختيار هذا الاسم لله تعالى بالغ الدلالة، لأنه يعني أن حب الله ليس مجرد صفة ذاتية بل هو حب فعّال يتجلى في نعمه وعطائه ورحمته بعباده.
وأما كلمة “ودود” فهي على وزن “فَعُول”، وهو من أوزان المبالغة في العربية. فالفرق بين “وادّ” و“ودود” كالفرق بين “شاكر” و“شكور”، و“غافر” و“غفور”. الصيغة الأولى تدل على الفعل، والثانية تدل على الكثرة والدوام والمبالغة في الفعل. فالله ليس مجرد “وادّ” يُحب أحياناً، بل هو “ودود” أي كثير المودة عظيمها، دائم المحبة لا تنقطع.
ووزن “فَعُول” في العربية يحتمل معنيين: أن يكون بمعنى فاعل (أي مُحِبّ)، أو بمعنى مفعول (أي محبوب). وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن اسم الله الودود يحمل المعنيين معاً: فهو سبحانه الذي يُحب عباده المؤمنين (فاعل المودة)، وهو كذلك المحبوب الذي تُحبه قلوب عباده وتشتاق إليه أرواحهم (مفعول المودة). وهذا الجمع بين المعنيين يجعل من هذا الاسم بوابة لفهم العلاقة المتبادلة بين الخالق والمخلوق — علاقة حب من الطرفين.
ومن اللطائف اللغوية أن كلمة “مَوَدّة” التي وردت في آية سورة الروم ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ هي من نفس الجذر (و-د-د). وهذا يعني أن المودة بين الزوجين التي يتحدث عنها القرآن هي انعكاس مباشر لصفة الودود الإلهية. فالله الذي سمّى نفسه الودود هو الذي أودع المودة في قلوب الأزواج — كأنه وهبهم قبساً من نور اسمه الجميل.
الودود في القرآن الكريم
ورد اسم الله “الودود” في القرآن الكريم في موضعين اثنين، وفي كل موضع قُرن باسم مختلف من أسماء الله الحسنى مما يفتح آفاقاً واسعة لفهم أبعاد هذا الاسم الجليل.
الموضع الأول: سورة البروج
﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾
(سورة البروج: 14)
في هذا الموضع قُرن اسم الودود باسم الغفور. وسياق هذه الآية بالغ الأهمية لفهم هذا الاقتران: فسورة البروج تتحدث عن أصحاب الأخدود الذين حرقوا المؤمنين بالنار، ثم تأتي هذه الآيات لتُبيّن صفات الله. فبعد ذكر البطش الشديد والانتقام من الظالمين، يأتي قوله تعالى “وهو الغفور الودود” كأنه يقول: رغم قدرتي على الانتقام وبطشي الشديد بالظالمين، فإنني أغفر لمن تاب وأُحبّ من أناب.
والجمع بين الغفور والودود هنا يحمل رسالة عظيمة: أن الله لا يكتفي بمغفرة ذنوب عباده بل يُحبهم بعد مغفرته لهم. فبعض البشر قد يغفر لمن أخطأ في حقه لكنه يحمل في نفسه أثراً من الجفاء أو البعد. أما الله فإنه يغفر ثم يودّ — أي أنه يمحو الذنب ويُعيد المحبة كأن شيئاً لم يكن. وهذا من أعظم ما يبعث الأمل في قلوب العباد التائبين.
الموضع الثاني: سورة هود
﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾
(سورة هود: 90)
أما في سورة هود فقد قُرن الودود باسم الرحيم، وذلك على لسان النبي شعيب عليه السلام حين دعا قومه إلى الاستغفار والتوبة. قال لهم: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾. فشعيب عليه السلام يُشجّع قومه على التوبة بتذكيرهم أن ربهم ليس قاسياً ولا منتقماً، بل هو رحيم ودود — يرحم من تاب ويودّه ويُحبه.
والجمع بين الرحيم والودود في هذا الموضع يكشف عن بُعد آخر: فالرحمة قد تكون من الأعلى إلى الأدنى — كرحمة الملك برعيته — لكن المودة تتضمن معنى القرب والألفة. فكأن الله يقول: لست فقط أرحمكم من موقع العلوّ بل أودّكم وأُحبكم محبة قريبة دافئة. وهذا يجعل العلاقة بين الله وعباده ليست مجرد علاقة ربّ بمربوبين، بل علاقة مودة ومحبة وقرب.
ومن حكمة القرآن أن اسم الودود جاء في الموضعين في سياق التوبة والعودة إلى الله. ففي البروج جاء بعد ذكر المغفرة، وفي هود جاء في دعوة إلى الاستغفار. وهذا يعني أن باب مودة الله مفتوح دائماً لمن يعود إليه — مهما بلغت ذنوبه ومهما طال ابتعاده. بل إن الله يفرح بتوبة عبده كما جاء في الحديث النبوي الشريف، وهذا الفرح هو من تجليات اسمه الودود سبحانه.
الودود عند العلماء الكلاسيكيين
أفرد كبار علماء الإسلام هذا الاسم الجليل بالشرح والتأمل، وتناولوه من زوايا متعددة كشفت عن عمقه وثرائه. وفيما يلي أبرز ما ذهب إليه أعلام المفسرين والعلماء.
الإمام الغزالي (توفي 505 هـ)
تناول الإمام أبو حامد الغزالي اسم الودود في كتابه “المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى”، وهو من أعمق ما كُتب في هذا الباب. ذهب الغزالي إلى أن الودود هو الذي يُريد الخير لجميع الخلائق ويُحسن إليهم ويُثني عليهم. وبيّن أن مودة الله لعباده تتجلى في هدايتهم إليه أولاً، ثم في الثناء عليهم عند الملائكة، ثم في إثابتهم في الآخرة. كما أشار الغزالي إلى أن حظّ العبد من هذا الاسم أن يكون ودوداً مع الناس — يُريد لهم الخير ويسعى في نفعهم ويتودد إليهم بالإحسان.
ابن القيم الجوزية (توفي 751 هـ)
كان الإمام ابن القيم من أكثر العلماء تعمّقاً في موضوع محبة الله، وقد أفرد لها فصولاً مطوّلة في كتابه “مدارج السالكين”. فسّر ابن القيم الودود بأنه الذي يودّ عباده الصالحين بمعنى يُحبهم ويرضى عنهم، وهو كذلك المودود أي المحبوب الذي تتعلق به القلوب وتشتاق إليه الأرواح. وقد أكد ابن القيم أن محبة الله حقيقية وليست مجازاً — فالله يُحب عباده حباً يليق بجلاله، وعباده يُحبونه حباً هو أعلى مراتب العبودية. كما ربط ابن القيم بين معرفة اسم الودود وبين الوصول إلى مقام المحبة الذي هو أعلى مقامات السالكين إلى الله.
الإمام الطبري (توفي 310 هـ)
فسّر شيخ المفسرين الإمام الطبري اسم الودود في تفسيره الجامع بأنه “فعول من المودة”، وأنه يعني أن الله يُحب أهل طاعته ويودّهم. وربط الطبري بين الغفور والودود في آية البروج ربطاً بليغاً، فقال إن المعنى: يغفر ذنوب من تاب من عباده ويودّ من أناب إليه — أي أن التوبة لا تُمحى معها الذنوب فحسب بل يُعقبها الله بالمحبة والرضا.
الإمام القرطبي (توفي 671 هـ)
أضاف الإمام القرطبي في تفسيره “الجامع لأحكام القرآن” بُعداً عملياً في شرح هذا الاسم. فقد فسّر الودود بأنه “المُحب لعباده”، وأشار إلى أن من لوازم هذا الاسم أن الله يُعامل عباده بما يدل على محبته لهم: يرزقهم ويعافيهم ويسترهم ويُمهلهم حين يُخطئون. كما نقل القرطبي عن بعض أهل العلم أن الودود يعني أيضاً أنه سبحانه يجعل المحبة في قلوب أوليائه لبعضهم البعض، فهو مصدر كل مودة في الوجود.
هل يحبنا الله حقاً؟
هذا سؤال يراود كثيراً من النفوس البشرية: هل يُحبني الله حقاً؟ والقرآن الكريم يجيب عن هذا السؤال بوضوح لا لبس فيه. فالله تعالى لم يكتفِ بأن سمّى نفسه الودود، بل صرّح تصريحاً مباشراً بأنه يُحب عباده المؤمنين:
﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾
(سورة المائدة: 54)
تأمل كيف قدّم الله محبته هو لعباده على محبتهم له: “يُحبهم ويُحبونه”. بدأ بـ“يُحبهم” قبل “يُحبونه”، وكأنه يقول: أنا أحببتكم أولاً، وحبكم لي هو استجابة لحبي لكم. وهذا يُغيّر المعادلة كلياً — فالإنسان لا يسعى لنيل حب إله بعيد لا يأبه به، بل يستجيب لحب إله ودود سبقت محبته محبة عباده.
وحين نتأمل في حياتنا اليومية نجد علامات حب الله في كل مكان: في النفَس الذي نتنفسه دون أن نُفكر فيه، وفي القلب الذي ينبض بلا توقف، وفي الأرض التي تُنبت لنا الطعام، وفي الماء الذي ينزل من السماء، وفي الأحبة الذين وضعهم الله في حياتنا. بل إن وجودنا ذاته هو أعظم تجلّيات حب الله — فهو الذي أوجدنا من عدم واختار لنا الحياة من بين ملايين الاحتمالات.
ومن أجمل ما يكشف حب الله لعباده أنه سبحانه يفرح بتوبتهم. فقد صوّر النبي صلى الله عليه وسلم فرح الله بتوبة عبده بأنه أشد من فرح رجل أضلّ راحلته في صحراء قاحلة عليها طعامه وشرابه حتى أيقن بالهلاك ثم وجدها. هذا الفرح الإلهي ليس فرح المحتاج بل فرح المُحب الودود الذي يسعده عودة من يُحب إليه.
والابتلاء نفسه — رغم ظاهره المؤلم — قد يكون من علامات حب الله للعبد. فالله يبتلي من يُحب ليرفع درجته ويُقربه إليه ويُصفّي قلبه من الشوائب. كما أن الأب المُحب قد يمنع طفله من شيء يُريده لأنه يعلم أنه يضره — وهذا المنع رغم ألمه هو من تجليات الحب لا من تجليات القسوة.
من يحبهم الله: صفات المحبوبين
لم يترك القرآن الكريم هذا الباب مبهماً بل رسم خارطة طريق واضحة لمن يُريد أن ينال محبة الله. فقد ذكر الله تعالى في آيات متعددة صفات من يُحبهم، وهذه الصفات تُشكّل منهجاً عملياً للتقرب من الودود سبحانه:
﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
(سورة البقرة: 195)
المحسنون — وهم الذين يُتقنون أعمالهم ويُحسنون إلى الخلق. والإحسان في الإسلام هو أعلى مراتب الدين، وهو أن تعبد الله كأنك تراه. ومن الإحسان أيضاً الإحسان إلى الزوج والزوجة والأبناء والجيران والناس أجمعين.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾
(سورة البقرة: 222)
التوابون — وهم الذين كلما أخطأوا عادوا إلى الله بالتوبة والاستغفار. واللافت أن الله يُحب التوّابين (بصيغة المبالغة) أي كثيري التوبة — مما يعني أن الإنسان مهما تكررت أخطاؤه فإن باب المودة الإلهية يظل مفتوحاً أمامه كلما عاد تائباً. والمتطهرون — الذين يسعون للطهارة الظاهرة والباطنة، طهارة الجسد والقلب والنية.
وذكر الله كذلك أنه يُحب الصابرين: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة آل عمران: 146)، وهم الذين يتحملون المشاق في سبيل الله ولا يجزعون عند البلاء. ويُحب المتوكلين: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (سورة آل عمران: 159)، وهم الذين يأخذون بالأسباب ثم يُفوّضون أمرهم لله بثقة ويقين. ويُحب المقسطين: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (سورة المائدة: 42)، وهم العادلون الذين يضعون كل شيء في موضعه ولا يظلمون أحداً.
إن هذه الصفات مجتمعة تُشكّل صورة متكاملة للإنسان الذي يستحق محبة الله: إنسان مُحسن في عمله، تائب من ذنبه، صابر في بلائه، متوكل على ربه، عادل في حكمه. وكل صفة من هذه الصفات يمكن تطبيقها في الحياة الزوجية — فالإحسان إلى الزوج عبادة، والصبر على ما يصدر منه قربى، والعدل في معاملته فريضة.
الفرق بين حب الله وحب البشر
من أعظم ما يُثمره التأمل في اسم الله الودود هو فهم الفرق الجوهري بين الحب الإلهي والحب البشري. فكلاهما حب، لكن شتّان بين حب الخالق وحب المخلوق. وإدراك هذا الفرق لا يُقلل من قيمة الحب البشري بل يرفعه ويُعمّقه ويمنحه بُعداً روحياً لا يمكن أن يبلغه بدون هذا الإدراك.
حب الله كامل وحب البشر ناقص
حب الله تعالى حب كامل لا يعتريه نقص ولا يشوبه خلل. فهو سبحانه لا يُحب ثم يكره دون سبب، ولا يتقلب حبه بتقلب المزاج، ولا يخلط حبه بالأنانية أو الغيرة المذمومة. أما حب البشر فهو ناقص بطبيعته — يتأثر بالمشاعر والظروف والأحوال، ويمر بمراحل من القوة والضعف. لكن هذا النقص البشري لا يعني أن حبنا لا قيمة له، بل يعني أننا بحاجة دائمة إلى الاستمداد من الودود ليُصلح حبنا ويُسدده ويُثبته.
حب الله مُنزّه عن الحاجة
الله سبحانه يُحبنا لا لأنه يحتاج إلينا — فهو الغني عن العالمين — بل لأنه الودود بذاته. المودة صفة من صفاته الذاتية، يُحب لأن من طبيعته أن يُحب، لا لأنه ينتظر منا شيئاً. أما حب البشر فغالباً ما يكون مشوباً بالحاجة — نُحب لأننا نحتاج إلى الأنس والأمان والرفقة. وهذا ليس عيباً في الحب البشري بل هو طبيعته، لكن إدراك أن هناك حباً أعلى منزّهاً عن الحاجة يُعلّمنا أن نسعى لتنقية حبنا من الأنانية قدر المستطاع.
الحب البشري انعكاس للحب الإلهي
وهنا نصل إلى الحقيقة الأعمق: إن كل حب صادق في هذا الكون هو انعكاس وتجلٍّ لاسم الله الودود. فالمودة التي جعلها الله بين الزوجين ليست شيئاً مستقلاً عن الله بل هي من عنده وبفضله. والحنان الذي تشعر به الأم تجاه وليدها هو من رحمة الرحيم. والألفة بين الأصدقاء هي من فيض الودود. فمن عرف أن كل حب في الوجود مصدره الله، ازداد حبه لله وازداد تقديره لكل حب صادق يعيشه.
ومن أجمل ثمرات هذا الفهم أنه يُصلح العلاقات الزوجية. فالذي يعلم أن حب زوجته هبة من الودود سبحانه يشكر الله عليها ويحرص على صونها. والتي تعلم أن مودة زوجها من عند الله تُقدّرها ولا تستخف بها. فالحب حين يُربط بالله يصبح أعمق وأصدق وأبقى، لأنه لم يعد مجرد عاطفة بشرية عابرة بل صار صلة بالخالق ذاته.
التخلّق بصفة الودود
من المفاهيم الأساسية في الإسلام مفهوم “التخلّق بأسماء الله الحسنى” — أي أن يسعى الإنسان لأن يتحلى بنصيبه من معاني هذه الأسماء بما يليق بمقامه كمخلوق. فكما أن الله ودود، ينبغي للمسلم أن يكون ودوداً في تعامله مع الناس. وكما أن الله رحيم، ينبغي للمسلم أن يكون رحيماً مع من حوله. وهذا التخلّق هو من أعلى مراتب العبادة لأنه يجعل الإنسان مرآة تعكس أسماء الله الحسنى في حياته اليومية.
الودّ في العلاقة الزوجية عبادة
حين يتودد الزوج إلى زوجته بكلمة حانية أو ابتسامة صادقة أو لمسة دافئة، فإنه لا يقوم بفعل اجتماعي فحسب بل يُمارس عبادة يتقرب بها إلى الله. لأنه يعكس في سلوكه اسماً من أسماء الله الحسنى — يتخلّق بالودّ كما أن ربه ودود. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أعظم الناس تجسيداً لهذا المعنى، فكان يُعلن حبه لزوجاته ويُظهره ولا يستحي من ذلك، وكان يقول عن خديجة رضي الله عنها إنه رُزق حبها.
ومن الإشارات النبوية الجميلة في هذا الباب ما رواه عمرو بن العاص رضي الله عنه حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس أحب إليك؟ فقال: “عائشة”. لم يتردد النبي ولم يتحرج من الإجابة بصراحة عن حبه لزوجته أمام أصحابه. وهذا يُعلّمنا أن التعبير عن الحب للزوج ليس ضعفاً بل هو سنة نبوية وتجلٍّ لاسم الله الودود.
طرق عملية للتخلّق بالمودة
التخلّق بصفة الودود يتجلى في أفعال يومية بسيطة لكنها عظيمة الأثر: أن تبدأ يومك بكلمة حب لشريك حياتك، وأن تسأله عن أحواله بصدق واهتمام، وأن تُنصت إليه بقلبك لا بأذنيك فحسب. أن تتذكر ما يُسعده وتسعى لتحقيقه، وأن تتجاوز عن زلاته بصدر رحب. أن تُظهر له أنك تُقدّر وجوده في حياتك ولا تأخذه كأمر مسلّم به. هذه كلها تجليات للمودة التي هي انعكاس لاسم الله الودود.
وقد حثّ النبي صلى الله عليه وسلم على إظهار الحب والمودة بقوله فيما معناه: “إذا أحب أحدكم أخاه فليُعلمه”. فالحب المكتوم وإن كان موجوداً في القلب لا يُحقق ثمرته الكاملة حتى يُعبَّر عنه. والتودد إلى الناس بالبشاشة والكلمة الطيبة والهدية وحسن المعاملة هو من أعظم أسباب التآلف بين القلوب وأقرب الطرق إلى نيل محبة الله ومحبة الناس.
من حب الله إلى حب الإنسان
من أعجب ما في اسم الله الودود أنه يكشف عن صلة وثيقة بين حب الله لعبده وحب الناس له. فالقرآن والسنة يُخبراننا أن الله حين يُحب عبداً يجعل له القبول في الأرض — أي يضع حبه في قلوب الناس. وهذا يعني أن الحب البشري ليس منفصلاً عن الحب الإلهي بل هو فرع عنه وامتداد له.
وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة في حديث عظيم يصف كيف ينتقل الحب من السماء إلى الأرض: إن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل: إني أُحب فلاناً فأحبه. فيُحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يُحب فلاناً فأحبوه. فيُحبه أهل السماء، ثم يُوضع له القبول في الأرض. فالحب ينزل من عند الله أولاً ثم ينتشر في قلوب خلقه — وكأن الله هو المصدر الأول والأصيل لكل حب في الوجود.
وهذا الحديث يُعلّمنا درساً بالغ الأهمية: أن أقرب طريق إلى قلوب الناس هو أن تكون قريباً من الله. فمن أحبه الله وضع حبه في قلوب من حوله — في قلب زوجه وأبنائه وجيرانه وأصدقائه. فالسعي لنيل محبة الله هو في الوقت ذاته سعي لنيل محبة الناس، والطريق واحد والثمرة واحدة.
ولهذا نجد أن الأزواج المتحابين الذين يجمع بينهم حب الله يعيشون مودة أعمق وأصفى من غيرهم. لأن حبهم لا ينبع فقط من الإعجاب الشخصي أو التوافق النفسي — رغم أهمية هذه الأمور — بل ينبع أيضاً من مصدر أعلى وأنقى هو حب الله الذي وضعه في قلوبهم. فحين يُحب الزوج زوجته في الله، ويُحب أن يراها قريبة من الله، ويُحب فيها صفات ترضي الله — يصبح حبه أعمق جذوراً وأبقى أثراً.
خاتمة: الحب صفة إلهية
في ختام هذا التأمل في اسم الله الودود، نعود إلى الحقيقة التي بدأنا بها: الحب ليس ضعفاً بل هو صفة إلهية. فالله العظيم القادر الجبار المتكبر — هو ذاته الودود المُحب. وهذا يعني أن كل إنسان يُحب بصدق وإخلاص فإنه يعكس في نفسه صفة من صفات خالقه، ويُجسّد في حياته معنى اسماً من أسمائه الحسنى.
إن معرفة اسم الله الودود تُغيّر نظرتنا إلى الحب تغييراً جذرياً. فالحب لم يعد مجرد عاطفة بشرية يمكن أن نفخر بها أو نخجل منها، بل صار بُعداً روحياً نتواصل من خلاله مع الله ومع الناس. كل كلمة حب تقولها لشريك حياتك هي صدى لاسم الودود. كل فعل مودة تقدّمه لمن حولك هو انعكاس لهذه الصفة الربانية. كل لحظة حنان تعيشها هي تجلٍّ لرحمة الودود سبحانه في حياتك.
ولعل أجمل ما يمكن أن نخرج به من هذا التأمل هو أن نسعى لأن نكون أكثر مودة في حياتنا اليومية — مع أزواجنا وأبنائنا وآبائنا وإخواننا وكل من حولنا. أن نُكثر من التعبير عن حبنا، وأن نتسامح ونصفح، وأن نسعى لإسعاد من نُحب. فكل فعل مودة صادق هو عبادة، وكل قلب مُحب هو مرآة تعكس اسم الله الودود.
وندعو الله الودود أن يملأ قلوبنا بالمودة والرحمة، وأن يُعيننا على التخلّق باسمه الجميل، وأن يجعل بيوتنا مليئة بالسكينة والحب والهناء. إنه سبحانه الغفور الودود، يُحب عباده ويرحمهم ويغفر لهم ويتودد إليهم بنعمه التي لا تُحصى. فاللهم اجعلنا ممن يُحبهم ويُحبونه، واجعل حبنا لبعضنا خالصاً لوجهك الكريم.
