مقدمة: لماذا اختار القرآن كلمتين لا واحدة؟
حين نقرأ قوله تعالى ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (سورة الروم: 21)، قد نسأل أنفسنا سؤالاً بسيطاً لكنه عميق: لماذا لم يقل القرآن “حباً” أو “عشقاً” بدلاً من المودة والرحمة؟ لماذا اختار كلمتين بدل واحدة؟ هذا السؤال يفتح أمامنا باباً واسعاً لفهم الرؤية القرآنية للحب بين الزوجين، وهي رؤية أعمق وأشمل وأدق مما قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة.
الحقيقة أن كلمة “الحب” في اللغة العربية كلمة واسعة تشمل أنواعاً كثيرة من المشاعر: حب الطعام، وحب المال، وحب الأولاد، وحب الله، وحب الشهوة. ولو استخدم القرآن هذه الكلمة العامة لبقي المعنى مبهماً غير محدد. لكن المودة والرحمة كلمتان دقيقتان ترسمان معاً صورة كاملة ومفصّلة لنوع الحب الذي أراده الله بين الزوجين: حب فعّال يُترجم إلى أفعال (المودة)، وحنان عميق لا يشترط ولا ينتظر مقابلاً (الرحمة).
وقد أدرك العلماء المسلمون عبر القرون أن هذا الاختيار اللغوي ليس عبثياً بل هو من إعجاز القرآن البلاغي. فكل كلمة تحمل بُعداً مختلفاً من أبعاد الحب، وكل كلمة تغطي مرحلة مختلفة من مراحل العلاقة الزوجية، وكل كلمة ترتبط بجانب مختلف من جوانب النفس الإنسانية. وحين نجمعهما معاً نحصل على ما يمكن أن نسميه “المنظومة القرآنية للحب الزوجي” — وهي منظومة لا نجد لها نظيراً في أي كتاب آخر أو أي فلسفة أخرى.
في هذا المقال سنغوص في أعماق هاتين الكلمتين القرآنيتين العظيمتين. سنتتبع جذورهما اللغوية ومعانيهما في القرآن الكريم، وسنستمع إلى ما قاله عنهما كبار المفسرين الكلاسيكيين كابن كثير والطبري والقرطبي، وسنتأمل في كيفية تكاملهما لرسم أجمل صورة للحب البشري. وسنختم بدروس عملية تساعد كل زوجين على إحياء المودة والرحمة في حياتهما اليومية.
المودة: الحب النشط الفعّال
المودة كلمة عربية ثرية المعاني مشتقة من الجذر الثلاثي (و-د-د). وهذا الجذر يدور حول معاني المحبة والتمني والرغبة في القرب من المحبوب. لكن المودة تتميز عن الحب المجرد بأنها حب ظاهر فعّال يُترجم إلى سلوكيات ملموسة. فالذي يُودّ شخصاً لا يكتفي بحبه في قلبه، بل يُظهر هذا الحب ويُعبّر عنه بكلامه وفعله ونظرته ولمسته. المودة إذن هي الحب حين يخرج من حيّز المشاعر الداخلية إلى فضاء الأفعال المحسوسة.
وحين نتأمل في الفرق بين “الحب” و“المودة” نجد أن الحب قد يكون مكتوماً في الصدر لا يعلم به أحد، لكن المودة بطبيعتها ظاهرة وبادية. يقول أهل اللغة: “الوُدّ ما يجده المحب في قلبه من الحب مع إظهاره”. وهذا يعني أن المودة تجمع بين الشعور الداخلي والتعبير الخارجي — فهي الجسر الذي يربط بين ما في القلب وما تراه العين. في الحياة الزوجية، تتجلى المودة في ابتسامة الصباح، والكلمة الحلوة دون مناسبة، والهدية الصغيرة التي تقول “كنتُ أفكر فيك”، والسؤال عن يوم الشريك واهتماماته.
ومن أعظم ما يدلنا على مكانة المودة في القرآن أن الله سبحانه وتعالى سمّى نفسه “الودود”. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ (سورة البروج: 14)، وقال أيضاً: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ (سورة هود: 90). فاسم “الودود” يعني أن الله يُحب عباده حباً فعالاً يتجلى في نِعَمه ورعايته ولطفه بهم، وأنه سبحانه محبوب من عباده الصالحين. وحين يتوادّ الزوجان فإنهما يعكسان في حياتهما هذه الصفة الإلهية العظيمة — فكل فعل مودة بين الزوجين هو تجلٍّ بشري لمعنى اسم الله الودود.
وقد وردت المودة في القرآن في سياقات متعددة تدل على عمقها. ففي سورة الشورى يقول الله تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾ (سورة الشورى: 23)، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يطلب من أمته إلا المودة في قرابته. واختيار كلمة “المودة” هنا يدل على أنها ليست مجرد احترام بل هي محبة فعّالة تتجلى في الرعاية والتقدير. كذلك في سورة الممتحنة: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً﴾ (سورة الممتحنة: 7)، حيث تظهر المودة كقوة إلهية قادرة على تحويل العداوة إلى محبة.
والمودة في الحياة اليومية ليست شعوراً يأتي ويذهب بلا إرادة، بل هي مسؤولية وممارسة يومية. فالله “جعل” بين الزوجين المودة كبذرة أولية، لكن على الزوجين رعاية هذه البذرة وسقايتها بالأفعال الطيبة حتى تنمو وتزهر. تماماً كالبستاني الذي يملك أرضاً خصبة (هبة من الله) لكنه يحتاج إلى العمل اليومي لإنبات الثمار. وإهمال المودة — حتى لو كانت موجودة في القلب — يؤدي إلى ذبولها وضمورها مع الزمن.
الرحمة: الحنان الذي لا ينضب
الرحمة كلمة من أعظم الكلمات في اللغة العربية وفي القرآن الكريم. مشتقة من الجذر (ر-ح-م) وهو نفس الجذر الذي اشتُقت منه كلمة “الرحم” — أي رحم الأم الذي يحتضن الجنين ويغذيه ويحميه في ظلمات ثلاث. وهذه العلاقة اللغوية بين الرحمة والرحم تكشف عن عمق المفهوم: الرحمة هي ذلك الحنان الغريزي العميق الذي يشبه حنان الأم — حنان لا يحتاج إلى سبب ولا ينتظر مكافأة ولا ينقطع مهما كانت الظروف.
والرحمة في القرآن هي الصفة الأكثر حضوراً من بين صفات الله تعالى. فالله هو الرحمن الرحيم، وهما اسمان مشتقان من نفس الجذر. الرحمن يدل على الرحمة الواسعة الشاملة التي تعم الخلق جميعاً، والرحيم يدل على الرحمة الخاصة التي يختص بها عباده المؤمنين. وقد افتُتحت كل سورة من سور القرآن (إلا سورة التوبة) بـ“بسم الله الرحمن الرحيم”، مما يجعل الرحمة هي العنوان الأول والأبرز في كتاب الله. وحين يأمر الله بالرحمة بين الزوجين فإنه يدعوهما إلى التخلق بأعظم صفاته سبحانه.
والرحمة بين الزوجين تتجلى في أجمل صورها حين يمر أحدهما بضعف أو مرض أو أزمة. ففي تلك اللحظات تنحسر العاطفة المتقدة وتتراجع نشوة الحب الأولى، ويبقى الحنان العميق والشفقة الصادقة هما اللذان يحملان العلاقة. الرحمة هي أن ترى شريكك وهو يضعف فلا تتركه بل تحتضنه. هي أن تراه يخطئ فلا تحاسبه بل تلتمس له العذر. هي أن يمرض فتسهر على راحته وكأن ألمه هو ألمك. في الرحمة يذوب الحساب ويتلاشى المنطق ويبقى فقط ذلك الشعور العميق بأنك لا تستطيع أن ترى من تحب يتألم.
وقد ربط النبي صلى الله عليه وسلم بين الرحمة وصلة الرحم في أحاديث عديدة، مبيناً أن الرحمة ليست مجرد شعور بل هي صلة بين العبد وربه. فمن رحم الناس رحمه الله، ومن قسا قلبه حُرم رحمة الله. وهذا يعني أن الرحمة بين الزوجين ليست فقط فضيلة اجتماعية، بل هي عبادة يتقرب بها الإنسان إلى خالقه. فكل لحظة رحمة تمنحها لشريك حياتك هي في ميزان حسناتك عند الله.
ومن الآيات التي تجلّي معنى الرحمة بين البشر قوله تعالى في وصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (سورة الفتح: 29). فوصفهم بالرحمة فيما بينهم يدل على أنها كانت سمة مميزة للمجتمع المسلم الأول. وإذا كانت الرحمة مطلوبة بين المسلمين عامة، فهي بين الزوجين أولى وآكد، لأن العلاقة الزوجية هي أقرب العلاقات الإنسانية وأكثرها حميمية.
المودة والرحمة: ثنائية لا تنفصل
لماذا جمع الله المودة والرحمة معاً في آية واحدة ولم يكتفِ بذكر إحداهما؟ لأن كل واحدة منهما تسدّ ما تعجز عنه الأخرى، ولأنهما معاً يُغطيان كل مراحل الحياة الزوجية ومنعطفاتها. المودة وحدها دون رحمة قد تكون حباً أنانياً يطلب دائماً ولا يعطي حين يصعب العطاء. والرحمة وحدها دون مودة قد تكون شفقة باردة تفتقر إلى دفء العاطفة وحرارة الشوق. لكنهما حين يجتمعان يصنعان حباً كاملاً: دافئاً وحنوناً، عاطفياً وحكيماً، متقداً ودائماً.
وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن المودة هي حب الشباب والرحمة هي حب النضج. ففي بداية الزواج تكون المودة في أوجها — ذلك الشوق المتقد والرغبة في القرب والحماسة في إسعاد الآخر. ومع مرور السنين ومجيء الأولاد وتعاقب التحديات، تتحول العلاقة تدريجياً من مودة حارّة إلى رحمة عميقة — ذلك الحنان الهادئ والتفاهم الصامت والألفة التي لا تحتاج إلى كلمات. لكن هذا لا يعني أن المودة تنتهي والرحمة تحلّ محلها، بل إن العلاقة الناجحة هي التي تحافظ على المودة وتُنمّي الرحمة في آنٍ واحد.
تخيّل أن المودة هي الشمس التي تُنير النهار بدفئها وحيويتها، والرحمة هي القمر الذي يُضيء الليل بنوره الهادئ وسكينته. الحياة الزوجية تحتاج إلى كليهما — تحتاج إلى أوقات النشاط والحيوية والعاطفة المتقدة (المودة)، وتحتاج أيضاً إلى أوقات الهدوء والسكون والحنان العميق (الرحمة). والزوجان الحكيمان هما اللذان يعرفان متى يكونان شمساً لبعضهما ومتى يكونان قمراً.
ولعل من أجمل ما يُقال في هذا الباب أن المودة تجعلك تُحب شريكك في قوته، بينما الرحمة تجعلك تُحبه في ضعفه. المودة تجعلك تُعجب بمزاياه وتنجذب إلى جماله وتفخر بإنجازاته. أما الرحمة فتجعلك تقبل عيوبه وتحتمل نقائصه وتقف معه حين يسقط. والحب الحقيقي — كما رسمه القرآن — يجمع بين هذين البعدين: أن تحب إنساناً في أحسن حالاته وفي أسوأها، في قمته وفي قاعه، في فرحه وفي حزنه.
أين ذُكرت المودة في القرآن؟
وردت المودة ومشتقاتها في مواضع عديدة من القرآن الكريم، وكل موضع يكشف عن بُعد مختلف من أبعاد هذا المفهوم العظيم. وتتبّع هذه المواضع يُعطينا صورة شاملة عن المكانة التي أولاها القرآن للمودة في مختلف العلاقات الإنسانية.
المودة بين الزوجين
﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
(سورة الروم: 21)
هذا هو الموضع الأشهر والأكثر ارتباطاً بموضوعنا. هنا تأتي المودة في سياق بيان نعمة الله على الزوجين، حيث “جعلها” الله بينهما كهبة إلهية وأساس للعلاقة الزوجية السليمة. واقتران المودة بالرحمة في هذا الموضع يدل على أنهما ركنان لا تقوم العلاقة الزوجية بدونهما.
المودة في القربى
﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾
(سورة الشورى: 23)
في هذه الآية يبيّن الله أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يسأل أمته أجراً على تبليغ الرسالة إلا المودة في القربى. واستخدام كلمة المودة هنا يدل على أنها أعمق من مجرد الاحترام — إنها محبة فاعلة تتجلى في رعاية آل بيت النبي وتقديرهم.
المودة بين الأعداء
﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً﴾
(سورة الممتحنة: 7)
هذه الآية تُظهر المودة كقوة تحويلية قادرة على تبديل العداوة إلى محبة بقدرة الله. وهذا يعزز فهمنا لطبيعة المودة — إنها ليست مجرد شعور تلقائي بل هي شيء “يجعله” الله بين الناس حين يشاء، مما يدل على أنها هبة إلهية عظيمة.
اسم الله الودود
﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾
(سورة البروج: 14)
اقتران اسم “الودود” باسم “الغفور” في هذه الآية يحمل معنى بالغ الجمال: أن الله يغفر لعبده ثم يُودّه ويحبه، لا يغفر له ويتركه. وكذلك في سورة هود جاء “رحيم ودود”، فالمودة الإلهية مقرونة دائماً بالرحمة والمغفرة. وهذا يُعلّمنا أن المودة الحقيقية بين الزوجين تقترن بالتسامح والصفح — أن تحب شريكك وتُظهر له الحب حتى بعد الخلاف والخطأ.
أين ذُكرت الرحمة بين البشر في القرآن؟
الرحمة من أكثر المفاهيم حضوراً في القرآن الكريم، فقد ذُكرت ومشتقاتها مئات المرات. ومعظم هذه المواضع تتحدث عن رحمة الله بعباده. لكن هناك مواضع مهمة تتحدث عن الرحمة بين البشر أنفسهم، وهي التي تهمنا في سياق فهم الرحمة الزوجية.
الرحمة بين أصحاب النبي
﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾
(سورة الفتح: 29)
هذا الوصف القرآني لأصحاب النبي يضع الرحمة كسمة جوهرية للمجتمع المسلم. وصف “رحماء بينهم” يدل على أن الرحمة ليست مجرد شعور فردي بل هي ثقافة مجتمعية يتشاركها الجميع. وإذا كانت الرحمة مطلوبة بين المسلمين عامة، فهي بين الزوجين أولى وأعمق، لأنهما أقرب الناس لبعضهما وأكثرهم اطلاعاً على ضعف بعضهما.
الرحمة كصفة لأتباع عيسى
﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾
(سورة الحديد: 27)
هنا يصف الله أتباع عيسى عليه السلام بأنه جعل في قلوبهم “رأفة ورحمة”. واللافت أن الله هو الذي “جعل” هذه الرأفة والرحمة في قلوبهم، تماماً كما “جعل” المودة والرحمة بين الزوجين. وهذا يؤكد أن الرحمة هبة إلهية يضعها الله في القلوب — لكنها تحتاج إلى جهد بشري للمحافظة عليها وتنميتها.
التواصي بالرحمة
﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾
(سورة البلد: 17)
في هذه الآية يقرن الله التواصي بالرحمة مع التواصي بالصبر، ويجعلهما من صفات أصحاب اليمين. والتواصي يعني أن يُذكّر بعضهم بعضاً بالرحمة ويُشجعوا بعضهم عليها. وهذا مبدأ عملي جميل يمكن تطبيقه في الحياة الزوجية: أن يُذكّر كل من الزوجين الآخر بالرحمة والرفق، وأن يتفقا معاً على أن تكون الرحمة هي القاعدة الأساسية في تعاملهما.
المودة والرحمة عند المفسرين الكلاسيكيين
أولى المفسرون الكلاسيكيون عناية فائقة بتفسير المودة والرحمة في آية الروم (21)، وتنوعت مقارباتهم بين التحليل اللغوي والتفسير بالمأثور واستنباط الأحكام العملية. وفيما يلي أبرز ما ذهب إليه كبار المفسرين.
ابن عباس رضي الله عنهما (توفي 68 هـ)
يُعدّ عبد الله بن عباس — حبر الأمة وترجمان القرآن — من أوائل من فسّروا المودة والرحمة تفسيراً تفصيلياً. وقد نُقل عنه أن المودة هي حب الرجل لامرأته، والرحمة هي رحمته لها من أن يصيبها بسوء. وهذا التفسير يكشف عن فهم دقيق لطبيعة كل كلمة: فالمودة شعور إيجابي فاعل (الحب)، أما الرحمة فهي شعور وقائي حامٍ (الحرص على عدم إيذائها). فالزوج المحب حقاً لا يكتفي بإظهار الحب بل يحرص أيضاً على ألا يُلحق الأذى بمن يحب.
الإمام الطبري (توفي 310 هـ)
اهتم شيخ المفسرين الإمام الطبري بجمع الأقوال المختلفة في تفسير المودة والرحمة. فقد نقل عن مجاهد بن جبر أن المودة هي الجِماع (أي الحب الحسي بين الزوجين) والرحمة هي الولد. ونقل عن الحسن البصري أن المودة والرحمة من عند الله يُلقيهما في قلوب عباده. ثم رجّح الطبري أن المعنى أعم من هذه التفسيرات الجزئية، وأن المودة هي التحاب والتواد بين الزوجين بجميع صوره، والرحمة هي الرأفة والشفقة التي تتجاوز الحب العاطفي إلى الحنان الشامل.
الإمام القرطبي (توفي 671 هـ)
تميّز الإمام القرطبي بمقاربته العملية الفقهية. فقد استنبط من ذكر المودة والرحمة في الآية أن الله ألزم كلاً من الزوجين بالسعي لتحقيقهما، وأن التفريط فيهما تفريط فيما أمر الله به. كما نبّه القرطبي إلى أن ترتيب الآية ليس عبثياً: فبدأت بالسكينة (الأساس) ثم المودة (البناء) ثم الرحمة (السقف الذي يحمي البناء كله). وأشار أيضاً إلى أن الله نسب “الجعل” إلى نفسه (“وجعل بينكم”) مما يدل على أن المودة والرحمة هبة إلهية ينبغي أن يشكرها العبد ويحافظ عليها.
الإمام ابن كثير (توفي 774 هـ)
ركّز ابن كثير في تفسيره على الحكمة من الجمع بين المودة والرحمة. فقد بيّن أن الرجل يُمسك المرأة إما لمودته لها أو لرحمته بها — بمعنى أنه في أوقات المحبة والانسجام يُمسكها بالمودة، وفي أوقات الصعوبة والخلاف يُمسكها بالرحمة والشفقة. وبذلك تكون المودة والرحمة معاً ضمانة لاستمرار العلاقة الزوجية في جميع الأحوال: في الرخاء والشدة، في الصحة والمرض، في الشباب والشيخوخة. وهذا تفسير بالغ العمق يُظهر كيف أن الآية تُعطي الزوجين خارطة طريق لمواجهة كل مراحل الحياة.
كيف نُحيي المودة والرحمة في حياتنا
بعد هذه الرحلة المعرفية مع المودة والرحمة في القرآن وعند المفسرين، يبقى السؤال الأهم: كيف نُترجم هذه المعاني العظيمة إلى واقع عملي نعيشه كل يوم في حياتنا الزوجية؟ فيما يلي خطوات عملية مستوحاة من روح الآية الكريمة.
إحياء المودة: عبّر عن حبك بالأفعال
المودة — كما رأينا — ليست مجرد شعور داخلي بل هي حب يُترجم إلى أفعال. ابدأ يومك بكلمة طيبة لشريك حياتك. أرسل رسالة حب خلال ساعات العمل. فاجئه بتفصيلة صغيرة تُسعده — ربما كوب قهوة مُعدّ بحب، أو ملاحظة جميلة في مكان غير متوقع. اسأله عن يومه وأنصت إليه حقاً دون أن تنشغل بهاتفك. تذكّر أن المودة تتغذى على الأفعال الصغيرة اليومية أكثر مما تتغذى على المناسبات الكبيرة. ولا تنسَ أن تقول “أحبك” بصوت مسموع — فكثير من الأزواج يحبون في قلوبهم لكنهم ينسون أن يقولوها.
إحياء الرحمة: كن لطيفاً في الأوقات الصعبة
الرحمة تتجلى أعظم تجلٍّ في لحظات الضعف والخلاف. حين يخطئ شريكك، تذكّر أنك أيضاً تخطئ وأنك تحب أن يُعاملك الآخرون برفق حين تخطئ. التمس لشريكك سبعين عذراً قبل أن تحكم عليه. حين يمرض كن بجانبه بلا ضجر. حين يكون مرهقاً خفف عنه أعباءه دون أن يطلب. حين يمر بأزمة نفسية لا تقل له “تغلّب على الأمر” بل قل له “أنا هنا ولن أتركك”. الرحمة تعني أن تكون الميناء الذي يلجأ إليه شريكك حين تعصف بحياته الرياح.
عادات يومية تُنمّي المودة والرحمة
هناك عادات بسيطة يمكن أن تُحدث فرقاً كبيراً في تنمية المودة والرحمة بين الزوجين. خصّصا وقتاً يومياً — ولو عشر دقائق — للحوار الهادئ بعيداً عن الشاشات. ادعوا لبعضكم في الصلاة، فالدعاء للشريك ينمّي الحب في القلب. تذكّرا النعم التي بينكما وتحدثا عنها بامتنان. اعتذرا بسرعة حين تخطئان ولا تتمسكا بالكبرياء. سامحا بسرعة ولا تجمعا أخطاء الماضي لتستخدماها في الخلاف القادم. وقبل النوم، تصافحا أو تعانقا ولو كان بينكما خلاف — فلا تناما وأنتما متخاصمان.
وتذكّرا دائماً أن المودة والرحمة هبة من الله يحتاجان إلى شكر ورعاية. فكما قال الله تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (سورة إبراهيم: 7)، فإن شكر الله على نعمة الحب يزيدها بركة وعمقاً ودواماً. واستعينوا بالدعاء والذكر على تجديد المودة والرحمة في حياتكم، فهما في النهاية من عند الله وإليه.
خاتمة: المودة والرحمة — رسالة الله للمحبين
حين اختار الله سبحانه وتعالى أن يصف الحب بين الزوجين لم يستخدم كلمة واحدة عامة، بل اختار كلمتين دقيقتين: المودة والرحمة. وفي هذا الاختيار حكمة بالغة ورسالة عميقة لكل زوجين. الرسالة هي أن الحب الزوجي الحقيقي ليس بُعداً واحداً من المشاعر، بل هو ثنائية متكاملة تجمع بين دفء العاطفة (المودة) وعمق الحنان (الرحمة)، بين حماسة الشباب ورزانة النضج، بين الرغبة في الإسعاد والقدرة على الاحتمال.
إن القرآن الكريم لم يكتفِ بوصف الحب بل رسم لنا خارطة طريق لتحقيقه والحفاظ عليه. المودة تُعلمنا أن نُظهر حبنا ولا نكتمه، وأن نُترجمه إلى أفعال يومية ملموسة. والرحمة تُعلمنا أن نكون حنونين في الصعاب، وصبورين في الخلافات، ولطيفين مع ضعف الآخر. وحين يجمع الزوجان بين المودة والرحمة فإنهما يبنيان علاقة قادرة على مواجهة كل تحديات الحياة وتقلباتها.
وأخيراً، لنتذكر أن المودة والرحمة هبة من الله قبل أن تكون جهداً بشرياً. فالله هو الذي “جعل بينكم مودة ورحمة”، وهو الودود الرحيم الذي أودع في قلوب عباده هذه المشاعر العظيمة. فاشكروا الله على هذه الهبة، وادعوه أن يُبارك فيها ويُنميها، واعملوا على رعايتها كما يرعى البستاني أجمل أزهار حديقته. فإن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون.
