ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً

تحليل شامل للآية المركزية في فلسفة الحب القرآني — سورة الروم: 21

15 دقيقة قراءة

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

سورة الروم: 21

مقدمة: لماذا هذه الآية هي قلب فلسفة الحب القرآني

حين نبحث في القرآن الكريم عن أعمق تعبير عن الحب بين الإنسان وشريك حياته، نجد أنفسنا حتماً أمام هذه الآية العظيمة من سورة الروم. ليست هذه مجرد آية عن الزواج أو العلاقة بين الرجل والمرأة، بل هي بيان إلهي شامل يضع الحب في مرتبة الآيات الكونية الكبرى، جنباً إلى جنب مع خلق السماوات والأرض واختلاف الألسنة والألوان. إنها الآية التي جعلت من العلاقة الزوجية مرآةً تعكس عظمة الخالق ورحمته.

تقع هذه الآية الكريمة في سياق مجموعة من آيات الله في الكون، حيث يعدّد سبحانه وتعالى عجائب خلقه الدالة على قدرته. فقبلها يذكر خلق الإنسان من تراب، وبعدها يذكر خلق السماوات والأرض واختلاف الألسنة والألوان. وبين هذه الآيات الكونية العظمى، يضع الله تعالى الحب بين الزوجين — كأنه يقول لنا إن هذا الحب الذي تشعرون به ليس أمراً عادياً، بل هو معجزة إلهية تستحق التأمل والتدبر بقدر ما يستحقه النظر إلى السماء والنجوم.

ولعل ما يميز هذه الآية عن غيرها من الآيات التي تتحدث عن العلاقة الزوجية هو شموليتها العجيبة. ففي جملة واحدة، رسم الله تعالى ثلاثة أركان للحب الزوجي الناجح: السكينة (الأمان النفسي)، والمودة (الحب الفعّال)، والرحمة (الحنان الدائم). وهذه الأركان الثلاثة هي ما يسعى علم النفس الحديث لتحقيقه في العلاقات الصحية بعد قرون من البحث والدراسة.

في هذا التحليل الشامل، سنتوقف مع كل كلمة وكل مفهوم في هذه الآية العظيمة، محاولين استخلاص ما فيها من حكمة ربانية ودروس عملية يمكن أن تُنير حياتنا الزوجية وتعمّق فهمنا لفلسفة الحب في الإسلام.

“ومن آياته” — الحب كآية من آيات الله

تبدأ الآية بعبارة “ومن آياته”، وهذه البداية ليست عابرة بل هي مفتاح لفهم عمق ما سيأتي بعدها. الآيات في اللغة العربية هي العلامات الدالة والبراهين القاطعة، وحين يصف الله شيئاً بأنه “آية” فإنه يرفعه إلى مرتبة الدليل على وجوده وعظمته سبحانه. فالحب بين الزوجين ليس مجرد شعور إنساني طبيعي يمكن تفسيره بالكيمياء الحيوية وحدها، بل هو برهان إلهي على حكمة الخالق.

ولنتأمل في السياق الذي وردت فيه هذه الآية. فسورة الروم تعرض سلسلة من الآيات الكونية متتابعة: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ﴾ (سورة الروم: 20)، ثم آيتنا هذه عن الزواج والحب، ثم ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ (سورة الروم: 22). هذا يعني أن الله وضع الحب بين الزوجين في نفس المستوى مع خلق الكون بأكمله من حيث كونه دليلاً على عظمة الخالق.

إن هذا التصنيف القرآني للحب يمنحه بُعداً روحياً فريداً لا نجده في أي ثقافة أخرى. ففي حين تنظر كثير من الفلسفات إلى الحب باعتباره ضعفاً بشرياً أو غريزة حيوانية، يرفعه القرآن إلى مصاف الآيات الإلهية. وهذا يعني أن كل زوجين يشعران بالحب والسكينة بينهما هما في الحقيقة يعيشان تجربة ربانية، ويشهدان بأنفسهم على إحدى آيات الله في خلقه.

ومن اللطيف أن القرآن لم يقل “ومن نعمه” بل قال “ومن آياته”. فالنعمة شيء تنتفع به، أما الآية فهي شيء تتأمل فيه وتتعلم منه وتتعرف من خلاله على الله. الحب إذن ليس فقط للاستمتاع، بل هو للتفكر والتدبر واكتشاف عظمة من أودعه في قلوب البشر.

“أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً” — خُلقتم لبعضكم

العبارة القرآنية “من أنفسكم” تحمل معنى عميقاً يتجاوز مجرد الإشارة إلى أن الأزواج من نفس الجنس البشري. فكلمة “أنفسكم” تشير إلى أن الشريك مخلوق من نفس الجوهر والطبيعة، كأنه جزء منك وأنت جزء منه. هذا المعنى يؤسس لفكرة التكامل الوجودي بين الزوجين — فأنت لا تبحث عن شخص غريب عنك، بل عن نصفك الآخر الذي يُكمل وجودك.

وقد ربط كثير من المفسرين هذه العبارة بقصة خلق حواء من آدم عليهما السلام. فكما أن حواء خُلقت من آدم لتكون أنيسته وشريكته، فإن كل زوجة هي بمعنى ما “من نفس” زوجها — أي أنها تشاركه إنسانيته الكاملة وتفهم طبيعته لأنها من نفس المادة ونفس الروح. وهذا يُبطل كل نظرة دونية للمرأة، لأنها ليست كائناً أدنى بل هي من “نفس” الرجل ومن جوهره.

كذلك فإن عبارة “خلق لكم” تحمل معنى القصدية والغائية — أي أن الله لم يخلق الأزواج صدفةً، بل خلقهم لِغاية واضحة وهدف محدد. هذا “اللام” في “لكم” هو لام الانتفاع والإكرام، كأن الله يقول: هذا الشريك هدية مني إليك، خلقته خصيصاً ليكون لك. وهذا يغرس في النفس شعور الامتنان تجاه شريك الحياة باعتباره هبة إلهية لا مجرد اختيار بشري.

ومن الإشارات اللطيفة في الآية أن الله قال “أزواجاً” ولم يقل “نساءً” أو “رجالاً”. فكلمة “زوج” في العربية تعني الشيء الذي لا يكتمل إلا بقرينه، فالفرد يصبح زوجاً حين يلتقي بنصفه الآخر. هذا الاختيار اللغوي يؤكد أن العلاقة الزوجية هي علاقة تكامل واكتمال، لا علاقة سيطرة أو تبعية.

“لتسكنوا إليها” — السكينة: الحب كملاذ

كلمة “لتسكنوا” مشتقة من الجذر العربي (س-ك-ن)، وهو جذر يحمل معاني الاستقرار والهدوء والطمأنينة والراحة. ومنه اشتُقت كلمة “المسكن” (البيت) و“السكينة” (الطمأنينة) و“السكون” (ضد الحركة المضطربة). فالله تعالى يخبرنا أن الهدف الأول للزواج هو أن يكون كل من الزوجين مسكناً للآخر — أي ملاذاً يأوي إليه من عواصف الحياة وضغوطها.

واللافت أن الآية استخدمت حرف “إلى” في “لتسكنوا إليها” ولم تقل “لتسكنوا معها” أو “لتسكنوا فيها”. وحرف “إلى” يفيد الاتجاه والغاية، كأن الإنسان في حالة حركة دائمة واضطراب مستمر حتى يصل “إلى” شريكه فيجد عنده السكون والاستقرار. إنه تعبير بليغ عن أن الإنسان يظل يبحث ويتقلب حتى يجد من يسكن إليه قلبه وروحه.

والسكينة هنا ليست مجرد غياب الخلاف أو الصمت بين الزوجين. إنها حالة إيجابية عميقة من الأمان النفسي والعاطفي. وهذا ما يسميه علم النفس الحديث بـ“التعلق الآمن” (Secure Attachment) — وهو الشعور بأنك مقبول كما أنت، وأن هناك شخصاً يمكنك أن تكون معه على طبيعتك دون خوف من الرفض أو الحكم. وقد أثبتت عقود من البحث النفسي أن هذا النوع من الأمان العاطفي هو الأساس الذي تُبنى عليه كل العلاقات الصحية والناجحة.

ويُلاحظ أن السكينة ذُكرت في القرآن أيضاً في سياقات أخرى عظيمة. فقد قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الفتح: 4). فالسكينة هبة إلهية ينزلها الله في القلوب، سواء في قلوب المؤمنين عامة أو في قلوب الأزواج خاصة. وهذا يعني أن السلام الداخلي الذي تجده مع شريك حياتك هو في حقيقته نفحة ربانية ورحمة من الله.

“وجعل بينكم مودّة” — المودة: الحب الفعّال

المودة كلمة عربية غنية المعنى، مشتقة من الجذر (و-د-د) الذي يعني المحبة والتمني والرغبة في الخير. والوُدّ في العربية أقوى من مجرد الحب لأنه يتضمن البُعد العملي — فالمودة ليست مجرد شعور داخلي بالحب بل هي حب يُترجَم إلى أفعال. الكلمة الطيبة، والنظرة الحانية، واللمسة الدافئة، والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة — كل هذه تجليات للمودة.

ومن الجدير بالتأمل أن الله قال “وجعل بينكم” ولم يقل “وخلق في قلوبكم”. فالفعل “جعل” يحمل معنى الإيداع والوضع بين شيئين، كأن المودة كيان مستقل وضعه الله بين الزوجين ليكون جسراً يربط بينهما. وكلمة “بينكم” تشير إلى أن المودة ليست ملكاً لأحد الطرفين بل هي في المساحة المشتركة بينهما — يصنعها الاثنان معاً ويحافظان عليها معاً.

ومن المعاني الجميلة أيضاً أن الله يُسمّي نفسه “الودود” في القرآن الكريم، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ (سورة البروج: 14). فالمودة بين الزوجين هي انعكاس لصفة من صفات الله — وكأن كل فعل مودة بين الزوجين هو تجلٍّ لهذا الاسم الإلهي الجميل. وحين يُحب الزوج زوجته بمودة صادقة، فهو يعكس صفة ربانية في حياته اليومية.

والمودة كذلك تتميز بأنها تحتاج إلى رعاية وتنمية مستمرة. فرغم أن الله “جعلها” بين الزوجين كهبة أولية، إلا أن الحفاظ عليها مسؤولية مشتركة. تماماً كالبذرة التي يزرعها الله في الأرض — هي هبة إلهية لكنها تحتاج إلى سقاية ورعاية وحماية لتنمو وتثمر. وإهمال المودة يؤدي حتماً إلى ذبولها، مهما كانت قوتها في البداية.

“ورحمة” — الرحمة: الحب الذي لا ينتهي

الرحمة في اللغة العربية مشتقة من الجذر (ر-ح-م)، وهو الجذر نفسه الذي اشتُق منه اسم “الرحم” (رحم الأم). وهذا يكشف عن علاقة عميقة بين الرحمة والأمومة — فالرحمة هي ذلك الحنان العميق الذي يشبه حنان الأم على وليدها: حنان لا يشترط ولا ينتظر مقابلاً، بل ينبع من أعماق النفس تلقائياً.

ولماذا ذكر الله الرحمة بعد المودة ولم يكتفِ بواحدة منهما؟ لأن المودة والرحمة يُكملان بعضهما ويغطيان مراحل الحياة الزوجية كلها. فالمودة هي الشرارة والحماسة والرغبة المتبادلة — وهي غالباً ما تكون في أوجها في سنوات الشباب والبدايات. أما الرحمة فهي الخيط الأعمق والأمتن الذي يمسك العلاقة حين تخبو نار الحماسة الأولى. قال بعض السلف: “المودة حب الشباب، والرحمة حب الشيخوخة”، وهذا معنى بليغ يصف كيف يتحول الحب مع الزمن من عاطفة متقدة إلى رحمة عميقة هادئة.

والرحمة هي التي تحمل العلاقة في الأوقات الصعبة — حين يمرض أحد الزوجين، أو يمر بأزمة نفسية، أو يضعف ويحتاج إلى من يسنده. في تلك اللحظات قد لا تكفي المودة وحدها، لكن الرحمة هي التي تجعلك تقف بجانب شريكك ليس لأنك تحبه حباً عاطفياً فحسب، بل لأن قلبك يرقّ له ويتألم لألمه ولا يستطيع أن يتركه وحده. إنها الحب في أنبل صوره — الحب الذي لا يطلب مقابلاً بل يعطي لأنه لا يملك إلا أن يعطي.

ومن أجمل ما في ذكر الرحمة في سياق الزواج أنها تربط الحب الزوجي بأعظم صفات الله تعالى. فالله هو الرحمن الرحيم، وحين يتراحم الزوجان فإنهما يتخلقان بأخلاق الله ويعكسان رحمته في حياتهما. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما معناه إن الرحمة صلة بين الله وعباده — من وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله. فالرحمة بين الزوجين ليست فقط فضيلة إنسانية بل هي عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه.

“إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون” — دعوة للتأمل

تختتم الآية بعبارة بالغة الدلالة: “إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون”. لاحظ أن الله قال “آيات” بصيغة الجمع بعد أن بدأ بقوله “ومن آياته” بالمفرد. وكأنه يقول إن هذه الآية الواحدة — الحب الزوجي — تحتوي في داخلها على آيات متعددة لمن يتأملها. فالسكينة آية، والمودة آية، والرحمة آية، والتكامل بين الزوجين آية، وتحوّل الغريبين إلى أقرب الناس لبعضهما آية — كلها آيات داخل آية واحدة.

واختيار كلمة “يتفكرون” في الخاتمة له دلالة خاصة. فالقرآن يستخدم أفعالاً مختلفة مع الآيات المختلفة — أحياناً “يعقلون” وأحياناً “يسمعون” وأحياناً “يوقنون”. لكن مع آية الحب اختار “يتفكرون”، والتفكر هو تأمل عميق متأنٍّ يتجاوز مجرد المعرفة العقلية. إنه دعوة لأن ننظر إلى الحب ليس فقط بعيوننا وقلوبنا بل بعقولنا أيضاً — أن نتدبر ونتأمل ونحاول فهم هذه الظاهرة الإلهية العجيبة.

وهذه الخاتمة تؤسس لما يمكن أن نسميه “فقه الحب” في الإسلام — أي أن الحب ليس فقط عاطفة تُعاش بل هو موضوع يستحق الدراسة والفهم والتعمق. وهذا ما نحاول تحقيقه في هذا المقال وفي هذا الموقع بأكمله: أن نأخذ دعوة القرآن بالتفكر في الحب على محمل الجد، فنتأمل فيه ونفهمه ونتعلم كيف نعيشه بأفضل صوره.

أقوال المفسرين في هذه الآية

اهتم المفسرون الكلاسيكيون بهذه الآية اهتماماً بالغاً ونظروا إليها من زوايا متعددة. وفيما يلي أبرز ما ذهب إليه كبار المفسرين في تأويلها وشرح معانيها.

ابن كثير (توفي 774 هـ)

ركّز الإمام ابن كثير في تفسيره على الجانب الوجودي للآية، حيث بيّن أن خلق الأزواج من جنس البشر أنفسهم هو من تمام نعمة الله وحكمته. فلو كانت الأزواج من جنس آخر لما تحققت الألفة والمودة بينهم. وأشار إلى أن السكن والمودة والرحمة هي الثمرات الطبيعية لهذا التجانس في الخلق. كما ربط بين هذه الآية وبين الحديث النبوي الذي يحث على حسن معاشرة النساء.

الطبري (توفي 310 هـ)

اهتم الإمام الطبري — شيخ المفسرين — بالتحليل اللغوي الدقيق للآية. فقد فسّر “من أنفسكم” بأن الله خلق حواء من ضلع آدم فهي من نفسه حقيقة، ثم جعل ذرية آدم كلهم يتزاوجون من نفس الجنس البشري. وفرّق الطبري بين السكون الجسدي (الراحة) والسكون النفسي (الطمأنينة)، مبيناً أن الآية تشمل كليهما. كما نقل عن عدد من التابعين تفسيرهم للمودة بأنها المحبة والملاطفة، وللرحمة بأنها الرأفة والشفقة.

القرطبي (توفي 671 هـ)

تميّز الإمام القرطبي بالنظرة العملية في تفسيره، حيث استنبط من الآية أحكاماً تتعلق بحقوق الزوجين وواجباتهما. فقد رأى أن ذكر المودة والرحمة في الآية يُلزم كلاً من الزوجين بالسعي لتحقيقهما، وأن التقصير في ذلك يُعد تقصيراً فيما أمر الله به. كما أشار القرطبي إلى أن ترتيب الآية — السكينة أولاً ثم المودة ثم الرحمة — ليس عشوائياً بل يعكس مراحل العلاقة الزوجية: تبدأ بالسكينة والألفة، ثم تنمو إلى مودة وحب فعّال، ثم ترتقي إلى رحمة عميقة وحنان دائم.

ومن الملاحظ أن المفسرين الثلاثة — رغم اختلاف مناهجهم وعصورهم — اتفقوا على أن هذه الآية تُقدم رؤية شاملة ومتكاملة للحب الزوجي لا نظير لها. فابن كثير نظر إليها من زاوية الحكمة الإلهية، والطبري من زاوية اللغة والمعنى، والقرطبي من زاوية التطبيق العملي. وهذا التنوع في المقاربات يدل على ثراء الآية وعمقها الذي لا ينضب.

الدروس العملية من الآية

بعد هذا التأمل العميق في معاني الآية الكريمة، نستخلص منها دروساً عملية يمكن لكل زوجين تطبيقها في حياتهما اليومية لبناء علاقة أقوى وأعمق وأكثر سعادة.

أولاً: اصنعا السكينة — كونا ملاذاً آمناً لبعضكما

السكينة لا تأتي تلقائياً بل تُصنع بوعي واجتهاد. اسألا أنفسكما: هل يشعر شريكي بالأمان حين يكون معي؟ هل يستطيع أن يكون على طبيعته دون قناع؟ هل بيتنا مكان راحة أم مصدر توتر؟ السكينة تُبنى من خلال الإنصات بلا حكم، والاحتواء بلا شروط، وخلق مساحة آمنة للتعبير عن المشاعر والمخاوف. حين يعود أحد الزوجين إلى البيت مرهقاً من يومه الطويل ويجد الآخر ينتظره بابتسامة هادئة وكلمة طيبة — فتلك هي السكينة التي تحدث عنها القرآن.

ثانياً: أحيوا المودة — عبّروا عن حبكم بالأفعال

المودة هي الحب المُعبَّر عنه، وليس الحب المكتوم في الصدور. تذكّر أن الله “جعل” المودة بينكم، لكنه ترك لكم مسؤولية رعايتها. قل لشريكك إنك تحبه ولا تفترض أنه يعلم ذلك. فاجئه بهدية صغيرة أو كلمة حانية أو لمسة دافئة. اهتم بتفاصيل يومه واسأله عن مشاعره. المودة تتجدد بالأفعال الصغيرة اليومية أكثر مما تتجدد بالمناسبات الكبيرة. كوب شاي تحضره لشريكك دون أن يطلب قد يحمل من المودة أكثر مما يحمله أغلى هدية في العالم.

ثالثاً: تدرّبوا على الرحمة — خاصة في الأوقات الصعبة

الرحمة هي الاختبار الحقيقي للحب. فمن السهل أن تُحب شخصاً حين يكون في أحسن حالاته، لكن الرحمة تظهر حين يكون في أضعف لحظاته. حين يُخطئ شريكك، تذكّر أنه إنسان ناقص مثلك. حين يمرّ بأزمة، كن إلى جانبه حتى لو لم تفهم تماماً ما يمر به. حين يتصرف بطريقة تزعجك، حاول أن تفهم ما وراء تصرفه قبل أن تحكم عليه. الرحمة تعني أن ترى شريكك بعينين رحيمتين — عينين تبحثان عن العذر وتسعيان للفهم وتميلان للمسامحة.

رابعاً: تفكّروا في حبكم — اجعلاه موضع تأمل

الآية تختتم بدعوة “لقوم يتفكرون”. خصصا وقتاً للتفكر في علاقتكم: ما الذي يجعلها مميزة؟ ما هي نعم الله فيها؟ ما هي التحديات التي تحتاج إلى عمل؟ التفكر في الحب يُعمّقه ويجعله واعياً بدلاً من أن يكون تلقائياً فحسب. تحدثا معاً عن ذكرياتكم الجميلة، وعن اللحظات التي شعرتم فيها بعمق حبكم، وعن الأشياء التي تقدرونها في بعضكم البعض. هذا التفكر الواعي هو ما يُحوّل الحب من عادة يومية إلى تجربة روحية عميقة.

خامساً: اشكرا الله على هذه الآية — الحب نعمة تستوجب الحمد

إذا كان الحب بين الزوجين آية من آيات الله، فإن الشعور به والعيش فيه هو نعمة عظيمة تستوجب الشكر والحمد. حين تجلسان معاً في هدوء وتشعران بالسكينة بينكما، توقفا للحظة واحمدا الله الذي جعل بينكما هذه المودة والرحمة. فالشكر يزيد النعم كما قال الله تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (سورة إبراهيم: 7). وشكر نعمة الحب يزيدها عمقاً ودواماً واتساعاً بإذن الله.

أسئلة شائعة

ما تفسير آية ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا؟
هذه الآية من سورة الروم (21) تُبيّن أن الزواج آية من آيات الله الكونية، مثل خلق السماوات والأرض. وتعني أن الله خلق للإنسان شريك حياته من جنسه ونوعه ليجد معه السكينة والطمأنينة، وأودع بينهما المودة (الحب الفعّال) والرحمة (الرأفة والحنان). وهي دعوة للتأمل في عظمة الخالق الذي جعل من الحب بين الزوجين دليلاً على قدرته.
ما هي المودة والرحمة في سورة الروم؟
المودة في سورة الروم هي الحب الظاهر والفعّال بين الزوجين، المتجسد في الكلام الطيب والأفعال الحانية والرغبة في إسعاد الآخر. أما الرحمة فهي الشفقة والحنان العميق الذي يتجاوز مشاعر الحب الأولى، وهي التي تحمل العلاقة في أوقات الضعف والمرض والشيخوخة. قال بعض المفسرين إن المودة للشباب والرحمة للكِبَر.
لماذا يعتبر الحب آية من آيات الله؟
لأن الله ذكر الحب بين الزوجين في سياق آياته الكونية العظمى كخلق السماوات والأرض واختلاف الألسنة والألوان. هذا يعني أن الحب ليس مجرد عاطفة بشرية عابرة، بل هو ظاهرة إلهية تدل على حكمة الخالق وعظمته. فكما أن النظر إلى السماء يُذكّر بالله، فإن الحب الصادق بين الزوجين هو أيضاً آية تستوجب التأمل والشكر.
ما معنى السكينة في الزواج؟
السكينة مشتقة من الجذر العربي (س-ك-ن) الذي يعني الاستقرار والهدوء والطمأنينة. في سياق الزواج، السكينة تعني أن يكون كل من الزوجين ملاذاً آمناً للآخر — مكاناً يجد فيه الراحة النفسية والأمان العاطفي والسلام الداخلي. وهي ليست مجرد غياب الخلاف، بل حالة إيجابية من الهدوء والاستقرار النفسي العميق.
هل الحب بين الزوجين واجب في الإسلام؟
الحب بوصفه شعوراً قلبياً لا يُكلَّف به الإنسان تكليفاً مباشراً لأنه لا يملك التحكم الكامل فيه. لكن الإسلام يأمر بالمعاشرة بالمعروف والإحسان والرفق، وهذه كلها أسباب تُنمّي الحب وتحافظ عليه. فالمودة والرحمة المذكورتان في الآية هما هبة من الله، لكنهما أيضاً مسؤولية يجب على الزوجين السعي لتنميتها من خلال حسن المعاملة والتفاهم والصبر.