مقدمة: السكينة — غاية الزواج الأولى
حين سُئل كثير من الناس عن الغاية من الزواج أجابوا بأنها الحب أو الإنجاب أو بناء الأسرة. لكن القرآن الكريم يُقدّم إجابة مختلفة ومدهشة في عمقها: إن الغاية الأولى التي ذكرها الله للزواج هي السكينة. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ (سورة الروم: 21). فأول ما ذكره الله من ثمرات الزواج هو السكون والطمأنينة، قبل المودة وقبل الرحمة، وكأنه يقول لنا: إن الأمان النفسي هو الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء آخر.
هذا الترتيب القرآني ليس عشوائياً بل يحمل حكمة بالغة. فالسكينة هي التربة التي تنبت فيها المودة وتنمو فيها الرحمة. لا يمكن أن تتبادل مع شريكك حباً فعّالاً (مودة) وأنت تشعر بالخوف منه أو الحذر في حضوره. ولا يمكن أن تتراحما حقاً دون أن يسبق ذلك شعور عميق بالأمان والاستقرار. السكينة إذن هي الرحم الذي يحتضن كل أشكال الحب الأخرى — وهي ليست مصادفة أن تشترك كلمتا “سكينة” و“رحم” في الدلالة على الاحتضان والحماية.
والعجيب أن ما توصّل إليه علم النفس الحديث بعد عقود من البحث يتطابق مع هذا الترتيب القرآني. فنظرية التعلق (Attachment Theory) التي أسسها جون بولبي ثم طوّرتها سو جونسون في سياق العلاقات الزوجية تؤكد أن الأمان العاطفي هو الحاجة الأولى في العلاقة الحميمة — فقبل أن يستطيع الإنسان أن يحب ويُعطي ويتسامح، يحتاج أولاً أن يشعر بأنه آمن ومقبول. هذا بالضبط ما قاله القرآن قبل أربعة عشر قرناً: السكينة أولاً، ثم المودة والرحمة.
في هذا المقال سنغوص في أعماق مفهوم السكينة القرآني. سنبدأ من جذوره اللغوية في العربية، ثم نتأمل في دقة التعبير القرآني في حرف “إلى”، ثم نتتبع السكينة في مواضعها المختلفة في القرآن الكريم، ونستمع لما قاله كبار المفسرين الكلاسيكيين، ثم ننظر في أعداء السكينة وكيفية بنائها عملياً في بيوتنا. رحلة طويلة مع واحد من أجمل المفاهيم في كتاب الله.
الجذر اللغوي: سكن يسكن سكينة
لفهم عمق مفهوم السكينة في القرآن الكريم، لا بد أن نبدأ من الجذر اللغوي الذي اشتُقت منه. فاللغة العربية لغة اشتقاقية بامتياز، وكل كلمة فيها تحمل في حروفها الثلاثة تاريخاً من المعاني والدلالات. جذر (س-ك-ن) من أغنى الجذور العربية وأعمقها دلالة، ومنه تتفرع كلمات كثيرة تدور كلها حول معنى واحد جامع: الاستقرار بعد الاضطراب، والهدوء بعد القلق، والطمأنينة بعد الخوف.
فمن هذا الجذر اشتُقت كلمة “سَكَنَ” بمعنى هدأ واستقر وأقام. يُقال سكن الريح أي هدأت بعد اضطراب، وسكن الألم أي زال بعد حدّة، وسكن فلان المنزل أي أقام فيه واتخذه مستقراً. ومنه اشتُقت كلمة “المسكن” وهو البيت أو المنزل — أي المكان الذي يسكن فيه الإنسان بجسده ويستريح فيه بعد عناء اليوم. ومنه أيضاً “السُّكون” وهو ضد الحركة والاضطراب — ذلك الهدوء العميق الذي يعقب الصخب.
ومن هذا الجذر نفسه جاءت كلمة “السكينة” التي هي موضوع حديثنا. والسكينة ليست مجرد هدوء خارجي بل هي حالة نفسية عميقة من الطمأنينة والاستقرار الداخلي. إنها ذلك الشعور الذي يغمر القلب حين يجد ملاذه وأمانه، فيتوقف عن القلق ويتحرر من الخوف ويستسلم للسلام. ومنه أيضاً كلمة “المِسكين” وهو من أسكنه الفقر — أي أقعده وأوقف حركته.
والآن تأمل معي في هذا الارتباط العجيب: الله سبحانه حين أراد أن يصف العلاقة الزوجية اختار كلمة من نفس الجذر الذي اشتُقت منه كلمة “المسكن” (البيت). وكأن الرسالة القرآنية تقول: شريك حياتك هو بيتك الحقيقي — ليس الجدران والأثاث هي التي تصنع البيت، بل ذلك الإنسان الذي تسكن إليه روحك وتطمئن عنده نفسك. قد تسكن في أفخم القصور لكنك لا تجد السكينة إذا لم يكن فيها من تسكن إليه. وقد تسكن في أبسط المنازل لكنك تعيش أعمق سكينة لأن فيها من يحتضن قلبك ويُؤمّن خوفك.
هذا الجذر اللغوي يكشف لنا أيضاً أن السكينة ليست الحالة الأصلية للإنسان بل هي حالة يصل إليها بعد اضطراب. فالسكون يأتي بعد الحركة، والهدوء يأتي بعد القلق، والاستقرار يأتي بعد التقلب. وهذا يعني أن الإنسان بطبيعته كائن قَلِق مضطرب يبحث عمّن يُسكّن اضطرابه — وقد جعل الله الزواج هو الطريق لتحقيق هذا السكون العميق.
“لتسكنوا إليها” — حرف إلى يُغيّر كل شيء
من أدق ما في التعبير القرآني في هذه الآية هو استخدام حرف الجر “إلى” في قوله تعالى “لتسكنوا إليها”. ولو قال القرآن “لتسكنوا معها” لاختلف المعنى اختلافاً جوهرياً. فحرف “مع” يفيد مجرد المصاحبة والمعية — أي أنكما تعيشان في نفس المكان وتشتركان في الحياة. لكن “إلى” تفيد الاتجاه والحركة نحو الغاية، كأن هناك رحلة يقطعها القلب المضطرب حتى يصل إلى ملاذه فيستقر عنده.
ولو قال “لتسكنوا فيها” لكان المعنى أقرب إلى السكن المادي الجسدي — كما تسكن في بيت أو مكان. لكن “إلى” ترفع المعنى من المادي إلى النفسي، ومن الجسدي إلى الروحي. فأنت لا تسكن “في” شريكك كما تسكن في بيت، بل تسكن “إليه” كما يسكن القلب القَلِق إلى أمانه والنفس المضطربة إلى طمأنينتها.
وفي حرف “إلى” إشارة بليغة إلى أن الإنسان قبل أن يجد شريكه يكون في حالة من الحركة الدائمة والبحث المستمر. روحه تتقلب وقلبه لا يستقر ونفسه تبحث عن ملاذها. ثم حين يجد من يسكن إليه، تتوقف هذه الحركة المضطربة ويحلّ محلها سكون عميق وطمأنينة شاملة. تماماً كالمسافر الذي يقطع طريقاً طويلاً مرهقاً حتى يصل “إلى” بيته فيلقي عن كتفيه أثقال الرحلة ويستسلم للراحة.
وقد نبّه العلماء أيضاً إلى أن حرف “إلى” يفيد الانتهاء إلى الغاية. فالشريك هنا هو غاية السكون ومنتهاه — أي أنك حين تصل إليه تصل إلى نهاية بحثك وتقلبك. ليس هناك محطة بعده تحتاج إليها، بل هو المحطة الأخيرة التي تستقر فيها الروح. هذا المعنى يُعطي للعلاقة الزوجية عمقاً وجودياً عظيماً — فشريك حياتك ليس مجرد رفيق درب بل هو الملاذ الذي خلقه الله ليكون نهاية بحثك عن السكون.
السكينة في مواضع أخرى من القرآن
لم تَرِد السكينة في القرآن في سياق الزواج فقط، بل وردت في مواضع أخرى عظيمة تكشف عن طبيعتها كهبة إلهية ينزلها الله في القلوب في أشد لحظات الاحتياج. وتتبّع هذه المواضع يُعمّق فهمنا للسكينة الزوجية ويضعها في سياقها القرآني الأوسع.
السكينة في قلوب المؤمنين
﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾
(سورة الفتح: 4)
في هذه الآية يُخبرنا الله أنه هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين. لاحظ فعل “أنزل” — فالسكينة تنزل من عند الله كما ينزل المطر من السماء. إنها ليست شيئاً يصنعه الإنسان بمفرده بل هي عطاء إلهي ومنحة ربانية. وهذا يعني أن السكينة التي تجدها مع شريك حياتك هي في حقيقتها نفحة من الله أنزلها في قلبيكما — فاشكراه عليها واستزيداه منها.
السكينة بعد الهزيمة
﴿ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾
(سورة التوبة: 26)
جاءت هذه الآية في سياق غزوة حُنين حين فرّ كثير من المسلمين في بداية المعركة. ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين فثبتوا وانتصروا. والشاهد هنا أن السكينة جاءت في لحظة خوف شديد واضطراب عظيم. وهذا يؤكد أن السكينة ليست مجرد حالة هدوء عادية بل هي قوة إلهية تنزل في أشد اللحظات حرجاً لتثبّت القلوب وتُطمئن النفوس. وكذلك في الحياة الزوجية — السكينة الحقيقية ليست تلك التي تظهر فقط في الأوقات الجميلة، بل تلك التي تصمد في وجه العواصف والأزمات.
السكينة في الغار
﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾
(سورة التوبة: 40)
هذا الموضع من أجمل مواضع السكينة في القرآن. النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر رضي الله عنه في غار ثور، والمشركون يبحثون عنهما خارج الغار. في تلك اللحظة الحرجة يقول النبي: “لا تحزن إن الله معنا”، فينزل الله سكينته. لاحظ أن السكينة هنا نزلت في مكان ضيق مظلم محاط بالخطر — لكنها حوّلته إلى مكان أمان وطمأنينة. وهذا يُعلمنا أن السكينة لا تعتمد على الظروف الخارجية بل هي حالة داخلية. قد يكون البيت صغيراً والظروف صعبة، لكن إذا أنزل الله السكينة في قلبي الزوجين تحوّل كل مكان إلى ملاذ آمن.
السكينة مع تابوت العهد
﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾
(سورة البقرة: 248)
في هذا الموضع وردت السكينة في سياق قصة طالوت وبني إسرائيل، حيث جُعل التابوت الذي فيه سكينة من الرب آية على ملك طالوت. والشاهد أن السكينة هنا ارتبطت بشيء ملموس (التابوت) لكنها في حقيقتها معنوية — هي طمأنينة من الله توضع في الأشياء والأماكن والقلوب. وهذا يتوافق مع المعنى الزوجي: فالبيت والعلاقة الزوجية قد يكونان “تابوتاً” تحلّ فيه السكينة الإلهية فيتحولان من مجرد ترتيب اجتماعي إلى آية من آيات الله مملوءة بالطمأنينة والسلام.
السكينة عند المفسرين الكلاسيكيين
أولى كبار المفسرين اهتماماً بالغاً بمفهوم السكينة في آية الروم (21)، وتنوعت مقارباتهم بين التحليل اللغوي الدقيق والتفسير بالمأثور واستنباط الحِكم الربانية. وفيما يلي أبرز ما ذهب إليه هؤلاء الأعلام.
الإمام الطبري (توفي 310 هـ)
اهتم شيخ المفسرين الإمام الطبري بالمعنى اللغوي لكلمة “لتسكنوا” في تفسيره الجامع. فقد فسّر السكون هنا بأنه الأُنس والطمأنينة والاستئناس. وبيّن أن الله خلق الأزواج من جنس واحد ليتحقق هذا الأنس، إذ لو كان الزوج من جنس والزوجة من جنس آخر لما حصلت هذه الألفة. ونقل الطبري عن عدد من التابعين أن معنى “لتسكنوا إليها” هو لتأنسوا بها وتألفوها وتميلوا إليها. وهذا التفسير يُبرز البعد النفسي للسكينة — فهي ليست مجرد إقامة جسدية بل هي أُنس روحي وميل قلبي عميق.
الإمام ابن كثير (توفي 774 هـ)
ركّز الإمام ابن كثير في تفسيره على الحكمة الربانية في جعل السكينة غاية للزواج. فقد قال ما معناه إن الله لو خلق بني آدم كلهم ذكوراً وجعل الإناث من جنس آخر — كالجن أو الحيوان — لما حصل الائتلاف والمودة والرحمة بينهم، بل لكان بينهم نفرة واختلاف لو كانت الأزواج من غير الجنس. لكن من رحمة الله أن خلق الأزواج من جنس الأزواج فحصل السكن والأنس والمودة والرحمة. وهذا التفسير يُظهر أن السكينة مبنية على التجانس والتقارب بين الزوجين — فهما من نفس الطبيعة ونفس الجوهر، ولذلك يسكن أحدهما إلى الآخر.
الإمام القرطبي (توفي 671 هـ)
تميّز الإمام القرطبي بنظرته الشمولية في تفسير السكينة. فقد أشار إلى أن اللام في “لتسكنوا” هي لام التعليل والغاية، مما يعني أن السكينة ليست مجرد ثمرة عرضية للزواج بل هي الغاية المقصودة منه. واستنبط القرطبي من ذلك أن كل ما يُناقض السكينة في العلاقة الزوجية يُناقض مقصد الشرع من الزواج. فالإيذاء والظلم والإهانة كلها تُبطل الغاية التي خلق الله الزواج لأجلها. كما نبّه إلى أن ترتيب الآية — السكينة ثم المودة ثم الرحمة — يعكس البناء الطبيعي للعلاقة الزوجية: الأمان أساساً، ثم الحب الفعّال بناءً، ثم الحنان الدائم سقفاً يحمي هذا البناء كله.
والملاحظ أن المفسرين الثلاثة — رغم اختلاف مناهجهم وعصورهم — اتفقوا على أن السكينة في الزواج هي حالة نفسية عميقة وليست مجرد سكن جسدي. فالطبري ركّز على الأنس والألفة، وابن كثير على الحكمة الإلهية في التجانس، والقرطبي على المقاصد الشرعية والأحكام العملية. وكل هذه الزوايا تُغني فهمنا لمعنى أن نسكن إلى شريك حياتنا سكينة حقيقية.
السكينة والأمان النفسي — نظرة معاصرة
من أعجب ما يكتشفه الباحث في علم النفس الحديث أن المفاهيم التي وصفها القرآن قبل أربعة عشر قرناً تتطابق بشكل مذهل مع أحدث النظريات العلمية في فهم العلاقات الإنسانية. فنظرية التعلق الآمن (Secure Attachment) التي تُعدّ اليوم من أهم النظريات في علم النفس العلاقاتي تقول إن الحاجة الأساسية في كل علاقة حميمة هي الشعور بالأمان العاطفي — أي أن تشعر بأنك مقبول ومحبوب ولن يُتخلى عنك.
وقد أثبتت عقود من الأبحاث أن الأشخاص الذين يتمتعون بـ“تعلق آمن” في علاقاتهم الزوجية — أي يشعرون بأن شريكهم هو ملاذهم الآمن وقاعدتهم الثابتة — يكونون أكثر سعادة وأقل عرضة للاكتئاب والقلق وأكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة. هذا “الملاذ الآمن” (Safe Haven) الذي يتحدث عنه علماء النفس هو بالضبط ما وصفه القرآن بالسكينة حين قال “لتسكنوا إليها”.
والمفهوم النفسي الثاني الذي يتقاطع مع السكينة القرآنية هو مفهوم “القاعدة الآمنة” (Secure Base). وهو يعني أن الإنسان حين يشعر بالأمان في علاقته الزوجية يستطيع أن ينطلق بثقة لاستكشاف العالم ومواجهة تحدياته، لأنه يعلم أن هناك مكاناً آمناً يعود إليه. تماماً كالطفل الذي يلعب بحرية حين تكون أمه قريبة منه ويعلم أنها موجودة — فالشعور بوجود الملاذ يمنح الشجاعة للانطلاق. وهذا ما يصفه حرف “إلى” في الآية: شريكك هو المكان الذي تعود “إليه” بعد كل رحلة ومواجهة.
كذلك تُظهر الأبحاث أن الأمان العاطفي في الزواج يُؤثر حتى على الصحة الجسدية. فالأشخاص الذين يعيشون في علاقات آمنة ومستقرة يتمتعون بضغط دم أقل ومناعة أقوى ومعدلات أقل من الأمراض المزمنة. وكأن السكينة التي وصفها القرآن ليست فقط حالة نفسية بل هي حالة صحية شاملة — سكينة للقلب والجسد والروح. إن الله الذي خلق الإنسان هو أعلم بما يُصلحه، وقد وصف لنا في كتابه ما يحتاجه الإنسان قبل أن يكتشفه العلم بقرون.
أعداء السكينة في العلاقة الزوجية
إذا كانت السكينة هي غاية الزواج الأولى في القرآن، فإن كل ما يُهدد هذه السكينة ويُدمرها يُعدّ عدواً للعلاقة الزوجية من منظور قرآني. ومعرفة هؤلاء الأعداء هي الخطوة الأولى للتصدي لهم وحماية السكينة في بيوتنا.
النقد المستمر والانتقاد الدائم
من أشد ما يُدمّر السكينة بين الزوجين هو النقد المتواصل الذي لا ينتهي. حين يشعر أحد الزوجين بأنه تحت مجهر دائم — كل كلمة تُحاسَب وكل فعل يُنتقد وكل رأي يُسفَّه — فإنه يفقد الشعور بالأمان ويتحول البيت من ملاذ إلى ميدان حرب. النقد المستمر يقول لشريكك رسالة واحدة مؤلمة: “أنت لست جيداً بما يكفي”. وهذه الرسالة تقتل السكينة في مهدها. فالسكينة تحتاج إلى القبول — أن تشعر بأنك مقبول كما أنت بكل عيوبك ونقائصك.
الجفاء العاطفي والبرود
الغياب العاطفي — أن يكون الشريك حاضراً بجسده غائباً بقلبه — من أخطر أعداء السكينة. حين تتحدث وزوجك منشغل بهاتفه، حين تبكي ولا يلتفت، حين تحتاج إلى حضن دافئ فتجد جداراً بارداً — كل هذه اللحظات تُفقد الإنسان الشعور بأن لديه ملاذاً يسكن إليه. السكينة تحتاج إلى حضور حقيقي — حضور بالجسد والقلب والعقل. فكيف تسكن “إلى” شخص غائب حتى وهو أمامك؟
السيطرة والتحكم
السكينة تستلزم الحرية — حرية أن تكون نفسك وأن تُعبّر عن رأيك وأن تتخذ قراراتك. أما السيطرة والتحكم فهما نقيض السكينة تماماً. حين يحاول أحد الزوجين التحكم في كل تفاصيل حياة الآخر — ماذا يلبس، وأين يذهب، ومع من يتحدث — فإنه يحوّل العلاقة من ملاذ أمان إلى سجن اختناق. الشريك المُسيطر لا يُقدّم السكينة بل يُقدّم الخوف، والخوف هو أكبر عدو للسكون والطمأنينة.
خيانة الثقة ونقض العهود
الثقة هي العمود الفقري للسكينة. فأنت لا تستطيع أن تسكن إلى شخص لا تثق به. وكل مرة يُنقض فيها وعد أو تُكشف فيها كذبة أو تُخان فيها أمانة — تتآكل الثقة قليلاً وتنهار السكينة معها. بناء الثقة يحتاج إلى سنوات من الصدق والوفاء، لكن هدمها قد لا يحتاج إلا إلى لحظة واحدة من الخيانة. ولذلك فإن صون الأمانة بين الزوجين ليس مجرد واجب أخلاقي بل هو حماية للسكينة التي جعلها الله غاية الزواج.
كيف نبني السكينة في بيوتنا
إذا كانت السكينة هبة إلهية كما أخبرنا القرآن، فهل يعني ذلك أن ننتظرها دون عمل؟ بالطبع لا. فالله يهب السكينة لمن يسعى إليها ويُهيّئ أسبابها. تماماً كالرزق — هو من عند الله لكنه يحتاج إلى سعي وعمل. وفيما يلي خطوات عملية لبناء السكينة في البيت الزوجي.
أولاً: اصنعا بيئة الأمان العاطفي
الأمان العاطفي هو الركيزة الأولى للسكينة. وهو يعني أن يشعر كل من الزوجين بأنه مقبول كما هو دون شروط، وأنه يستطيع أن يكون على طبيعته — بمزاياه وعيوبه — دون خوف من الرفض أو السخرية أو العقاب. كيف تصنعان هذه البيئة؟ بأن تتوقفا عن محاولة تغيير بعضكما البعض وتبدآ في تقبّل بعضكما. هذا لا يعني عدم التطوير، لكنه يعني أن نقطة الانطلاق هي القبول لا الرفض. قل لشريكك بصدق: “أنا أُحبك كما أنت، ولا أريدك أن تكون شخصاً آخر”. هذه الجملة البسيطة قد تزرع سكينة في قلبه لسنوات.
ثانياً: أنصتا لبعضكما بلا حكم
من أعظم هدايا السكينة أن تمنح شريكك مساحة آمنة للتعبير عن مشاعره دون أن تقاطعه أو تحكم عليه أو تُسارع بتقديم الحلول. أحياناً لا يحتاج الشريك إلى نصيحة أو حل — يحتاج فقط إلى أن يشعر بأن هناك أذناً تسمعه وقلباً يفهمه. حين يُخبرك شريكك عن خوف أو حزن أو قلق، لا تقل “هذا سخيف” أو “لماذا تخاف من هذا؟”، بل قل “أفهم شعورك وأنا معك”. الإنصات الحقيقي يبني جسراً من السكينة بين قلبين.
ثالثاً: كونا ملاذاً آمناً لبعضكما
معنى أن تكون ملاذاً آمناً لشريكك هو أن يعلم يقيناً أنه حين يسقط أو يضعف أو يخطئ سيجدك إلى جانبه لا ضده. أن يعلم أنك لن تستخدم أسراره ضده في لحظة غضب. أن يعلم أنك لن تُهينه أمام الناس أو تفضحه حين يكون في أضعف حالاته. الملاذ الآمن يعني: أنا معك مهما حدث. هذا لا يعني أن تقبل كل سلوك أو تتجاهل كل خطأ، لكنه يعني أنك حتى حين تختلف مع سلوكه لا تهدد وجوده في حياتك ولا تُشعره بأنه قد يفقدك.
رابعاً: أفعال السلام الصغيرة
السكينة تُبنى من لبنات صغيرة يومية وليس من لحظات كبيرة نادرة. ابتسامة حين يعود شريكك من العمل. كلمة “أنا بخير لأنك بجانبي”. أن تُغطيه وهو نائم. أن تُحضر له كوب ماء دون أن يطلب. أن تمسك يده في لحظة صمت. أن تُخفض صوتك حين تختلفان. أن تقول “أنا آسف” حين تخطئ دون كبرياء. كل فعل صغير من هذه الأفعال هو لبنة في بناء السكينة — وحين تتراكم هذه اللبنات تصنع بيتاً من الأمان لا تهزّه العواصف.
السكينة ليست الصمت
من أخطر المفاهيم الخاطئة عن السكينة في الزواج هو الخلط بينها وبين الصمت وكبت المشاعر وتجنب الخلاف بأي ثمن. كثير من الناس يظنون أن البيت الذي لا صوت فيه هو بيت السكينة، وأن الزوجين اللذين لا يختلفان أبداً هما أسعد الأزواج. لكن الحقيقة أن الصمت القسري والتجنب الدائم للخلاف قد يكونان من أكبر أعداء السكينة لا من أصدقائها.
السكينة حالة إيجابية نشطة وليست مجرد غياب للصراخ والخلاف. إنها الشعور بالأمان الذي يُمكّنك من أن تتحدث بصراحة وأن تختلف باحترام وأن تُعبّر عن غضبك دون أن تفقد حب شريكك. البيت الذي تسوده السكينة الحقيقية هو البيت الذي يستطيع فيه كل من الزوجين أن يقول “أنا غاضب منك” أو “هذا التصرف آلمني” دون أن يخاف من العواقب. فالسكينة تمنح الزوجين شجاعة المواجهة الصحية بدلاً من جُبن الهروب والكبت.
هناك فرق جوهري بين السلام والقمع. السلام يأتي من الرضا والأمان والقبول المتبادل. أما القمع فيأتي من الخوف والعجز والتسليم القسري. بعض البيوت تبدو هادئة من الخارج لكنها من الداخل مملوءة بالخوف — أحد الطرفين يصمت لأنه يخاف من رد فعل الآخر، لا لأنه مطمئن وراضٍ. هذا ليس سكينة بل هو استسلام، والاستسلام نقيض السكينة لأنه مبني على الخوف لا على الأمان.
والخلاف الصحي بين الزوجين ليس عدواً للسكينة بل قد يكون من أدواتها. حين يختلف الزوجان باحترام ويتناقشان بهدوء ويصلان إلى تفاهم — فإن هذه العملية تُعمّق السكينة لا تُضعفها. لأنها تُثبت لكل منهما أن العلاقة قادرة على احتمال الاختلاف دون أن تنكسر. السكينة الحقيقية هي التي تصمد أمام الخلاف وتخرج منه أقوى — كالشجرة التي تُقوّيها الرياح بدلاً من أن تقتلعها.
خاتمة: البيت كمسكن للقلب
بدأنا هذا المقال من الجذر اللغوي (س-ك-ن) ونعود إليه في الختام. فمن هذا الجذر الواحد اشتُقت ثلاث كلمات تصنع معاً أجمل صورة للحياة الزوجية: المسكن (البيت)، والسكينة (الطمأنينة)، والسكون (الاستقرار). البيت الحقيقي ليس جدراناً من حجر بل هو المكان الذي تحلّ فيه السكينة ويسود فيه السكون. والزوج الحقيقي ليس مجرد شريك سكن بل هو المسكن نفسه — المكان الذي يأوي إليه القلب ويستريح عنده الروح.
القرآن الكريم حين جعل السكينة الغاية الأولى من الزواج أعطانا مفتاحاً ذهبياً لفهم العلاقة الزوجية. فالعلاقة الناجحة ليست تلك التي لا خلاف فيها، ولا تلك التي يكثر فيها الكلام المعسول، ولا تلك التي تبدو مثالية للناظرين — بل هي تلك التي يشعر فيها كل من الزوجين بأنه وجد مسكنه. وجد المكان الذي يسكن فيه قلبه بعد طول اضطراب، ووجد الإنسان الذي يسكن إليه بعد طول بحث.
وحين تنظر إلى شريك حياتك نظرة تأمل وامتنان، تذكّر أن هذه السكينة التي تشعر بها معه هي آية من آيات الله — تماماً كخلق السماوات والأرض واختلاف الألسنة والألوان. وأن هذا الأمان العاطفي الذي يغمرك في حضوره هو نفحة ربانية أنزلها الله في قلبك كما أنزل السكينة في قلوب المؤمنين يوم الفتح وفي الغار. فاحمد الله على هذه الهبة، وأحسن رعايتها، واعلم أن كل لحظة سكينة تعيشها مع شريكك هي في حقيقتها لحظة عبودية لله — لأنك تعيش الغاية التي خلقها الله لك.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ — هذه هي الغاية. فهل بيوتنا مساكن لقلوبنا حقاً؟ وهل نحن ملاذ آمن لمن نحب؟ أسئلة تستحق أن نقف معها طويلاً وأن نعمل على إجابتها كل يوم بأفعالنا قبل أقوالنا. جعل الله بيوتنا مساكن سكينة وملاذات أمان ومهابط رحمة.
