الحب شعور إنساني عابر للزمن والحدود. منذ فجر الحضارة، عبّر البشر عن الحب بطرق مدهشة ومتنوعة. وقليلون في التاريخ عبّروا عن الحب بالقوة والجرأة والموهبة التي عبّر بها الشاعر الروماني أوفيد (43 ق.م - 17م). كتب عن الحب كفنّ يُتقَن وكقوة تُحوّل الطبيعة، وترك إرثاً أدبياً لا يزال يُغذّي الأدب العالمي بعد ألفي سنة من وفاته.
أوفيد: الشاعر الذي عاش للحب
وُلد بوبليوس أوفيديوس ناسو عام 43 قبل الميلاد في مدينة سولمو (سولمونا الحالية) شرق روما، لعائلة فرسان ميسورة. أرسله والده إلى روما لدراسة البلاغة والقانون تمهيداً لمهنة سياسية مرموقة. لكن أوفيد كان يعرف منذ صباه أنّه خُلق للشعر: يُروى أنّ والده حاول إبعاده عن الشعر فأجاب أوفيد: «كل ما أحاول كتابته يتحوّل إلى شعر تلقائياً».
في روما العصر الأغسطي — عصر الإمبراطور أغسطس الذهبي — أصبح أوفيد أشهر شعراء الحب وأكثرهم شعبية. عاش حياة مترفة في قلب المجتمع الروماني الراقي، وكتب عن الحب بخبرة المُجرِّب وحكمة الفيلسوف وسخرية الكوميدي. كان يرى أنّ الحب ليس مجرد شعور عشوائي بل فنّ له قواعده وأسراره، وأنّ من يتعلّم هذا الفن يفوز بالسعادة.
«فن الهوى»: أول دليل عملي للحب في التاريخ
في حوالي عام 2 ميلادي نشر أوفيد كتابه الأشهر «فن الهوى» (Ars Amatoria) — وهو قصيدة تعليمية طويلة مقسّمة إلى ثلاثة كتب تقدّم نصائح عملية مفصّلة في الحب والغزل. الكتابان الأول والثاني موجّهان للرجال: كيف تجد الحبيبة في الأماكن العامة، وكيف تلفت انتباهها، وكيف تكسب قلبها، وكيف تحافظ على حبها. الكتاب الثالث موجّه للنساء بنصائح مماثلة.
ما يميز «فن الهوى» هو مزجه بين الحكمة والفكاهة والواقعية. أوفيد ينصح بالاهتمام بالمظهر والنظافة الشخصية، ويدعو إلى الصبر واللطف مع الحبيبة، ويحذّر من الغيرة المفرطة والتملّك. ينصح بتعلّم الشعر والموسيقى والرقص، وبالكرم دون إسراف. ما يُدهش فيه هو أنّ كثيراً من نصائحه لا تزال صالحة بعد ألفي سنة، لأنها تقوم على فهم عميق للطبيعة البشرية.
«كل محبّ جنديّ، ولإيروس معسكره الخاص»
— أوفيد، «أمور الحب» (Amores)
«التحولات»: أعظم أساطير الحب في الأدب العالمي
إذا كان «فن الهوى» جانب أوفيد العملي، فإنّ «التحولات» (Metamorphoses) هو جانبه الأسطوري الخالد. في هذا العمل الضخم المؤلف من 15 كتاباً ونحو 12 ألف بيت شعري، جمع أوفيد مئات الأساطير اليونانية والرومانية ونسجها في سردية متصلة من بداية الكون حتى عصره.
من أشهر قصص الحب في «التحولات»: بيراموس وثيسبي — عاشقان بابليان فرّقهما جدار بين بيتيهما واتفقا على الفرار معاً، لكن سلسلة من سوء الفهم قادت كليهما إلى الانتحار حزناً على الآخر. هذه القصة ألهمت شكسبير مباشرة في كتابة «روميو وجولييت»، وهي واحدة من أكثر القصص تأثيراً في تاريخ الأدب.
وهناك قصة أبولو ودافني: الإله أبولو سخر من إيروس فأصابه إيروس بسهم ذهبي أوقعه في حب الحورية دافني، وأصابها بسهم رصاصي جعلها تنفر من الحب. طاردها أبولو فاستغاثت بأبيها إله النهر فحوّلها إلى شجرة غار. ومنذ ذلك اليوم اتخذ أبولو الغار رمزاً له. وهناك أيضاً قصة أورفيوس وإيريديسي — الموسيقار العظيم الذي نزل إلى العالم السفلي ليستعيد زوجته من الموت، وأقنع إله الموت بموسيقاه الحزينة، لكنه خسرها حين التفت خلفه قبل الأوان.
نفي أوفيد: ثمن الجرأة في الحب
في عام 8 ميلادي، أصدر الإمبراطور أغسطس أمراً بنفي أوفيد إلى مدينة توميس (كونستانتسا الحالية في رومانيا) على أطراف الإمبراطورية الرومانية. كان هذا الحكم صاعقة لأوفيد الذي اعتاد حياة روما المترفة. السبب الرسمي — كما يقول أوفيد نفسه — كان «قصيدة وخطأ» (carmen et error). القصيدة هي على الأرجح «فن الهوى» الذي رآه أغسطس تهديداً لبرنامجه في إصلاح الأخلاق الرومانية.
قضى أوفيد تسع سنوات في المنفى حتى وفاته حوالي 17-18 ميلادية. كتب خلال هذه الفترة مجموعتين شعريتين مؤثرتين: «أحزان» (Tristia) و«رسائل من البنطس» (Epistulae ex Ponto)، يصف فيهما معاناته في المنفى وشوقه إلى روما وتوسلاته بالعودة. في هذه القصائد يتحوّل أوفيد من شاعر الحب المرح إلى شاعر الشوق والحنين، فنكتشف أنّ الرجل الذي كتب عن الحب بسخرية كان في أعماقه يحب بصدق: يحب مدينته وزوجته وأصدقاءه وشعره.
أثر أوفيد في الأدب العالمي والإسلامي
أثر أوفيد في الأدب العالمي لا يكاد يُحصى. «التحولات» كانت المصدر الرئيسي لمعرفة الأساطير اليونانية والرومانية في أوروبا طوال العصور الوسطى وعصر النهضة. شكسبير اقتبس منها قصة «روميو وجولييت» و«حلم ليلة صيف». دانتي في «الكوميديا الإلهية» وضع أوفيد بين عظماء الشعراء. وفنانون مثل بوتيتشيلي وتيتيان وبيرنيني استلهموا أعمالهم الخالدة من أساطير أوفيد.
وفي العالم الإسلامي، وإن لم ينتقل أوفيد مباشرة، إلا أنّ أساطيره وصلت عبر قنوات متعددة. قصة بيراموس وثيسبي تشبه في بنيتها قصص العشاق العرب مثل قيس وليلى. وفكرة أنّ الحب يُحوّل الطبيعة (التحولات) وجدت صداها في الشعر الصوفي حيث يحوّل الحب الإلهي الإنسان من كائن أرضي إلى كائن روحاني. ابن حزم الأندلسي في «طوق الحمامة» كتب عن الحب بطريقة تجمع بين العملي والفلسفي تُذكّر بأسلوب أوفيد، وإن كان ابن حزم يكتب من منظور إسلامي أندلسي مستقل.
خاتمة: أوفيد هو الشاعر الذي علّم العالم أنّ الحب فنّ يستحق الدراسة والإتقان. قصصه عن قوة الحب في تحويل الطبيعة — من بشر إلى أشجار وأزهار ونجوم — تُذكّرنا بأنّ الحب قوة تتجاوز المألوف. وهذه القوة التحويلية للحب وجدت أعمق تعبيراتها في شعر جلال الدين الرومي الذي رأى الحب الإلهي كقوة تحوّل النحاس ذهباً والظلمة نوراً. وفي كل مرة نقول لشريك حياتنا «أنت نصفي الآخر» أو نرسم قلباً بسهم إيروس، فنحن نردّد صدى أوفيد دون أن ندري.
