قيس وليلى: مجنون ليلى

أشهر قصة حب عربية — الشاعر الذي جُنّ من العشق

💔

مجنون ليلى: حين يصبح الحب أقوى من العقل

لكل أمة قصة حب واحدة تختزل فلسفتها في العشق وتصير مرجعاً لكل من يحبّ بعدها. عند العرب تلك القصة هي قصة قيس بن الملوح وليلى العامرية، التي حوّلت كلمة “المجنون” من وصمة عار إلى وسام شرف يدل على أنّ صاحبه أحبّ حباً فاق طاقة البشر على الاحتمال. ليست هذه حكاية غرامية عابرة من حكايات البادية، بل هي واحدة من أكثر القصص تأثيراً في تاريخ الأدب الإنساني كله، انتقلت من رمال نجد إلى فارس والهند وتركيا وأوروبا حتى أصبحت ملكاً للبشرية جمعاء.

ما يجعل هذه القصة استثنائية أنّها ليست مأساة حب فحسب، بل هي مأساة مجتمع يُفرّق بين المحبين باسم الشرف والعُرف. إنّها السؤال الذي لم تجب عنه الحضارات بعد: هل يحق للمجتمع أن يحكم على قلوب أبنائه؟ وهل يمكن لقوانين القبيلة أن تلغي ما كتبه القدر في صفحات الروح؟ في قصة قيس وليلى الإجابة واضحة ومؤلمة: المجتمع يستطيع أن يمنع الوصال لكنّه لا يستطيع أن يمنع الحب، والنتيجة هي الجنون.

نجد في العصر الأموي: مسرح المأساة

تجري أحداث القصة في بادية نجد خلال النصف الثاني من القرن الأول الهجري، في عهد الخلافة الأموية. كانت نجد آنذاك أرضاً قاحلة قاسية تسكنها قبائل بدوية تحكمها عادات صارمة لا تقبل المساومة. في هذه البيئة كان الشرف أغلى من الحياة، وكان اسم المرأة حرمة لا تُنتهك — فمن ذكر اسم فتاة في شعره أمام الملأ فقد شهّر بها وبأهلها وخدش كرامة القبيلة كلها.

غير أنّ هذه البيئة القاسية ذاتها هي التي أنجبت ظاهرة فريدة في تاريخ الحب الإنساني: الحب العذري. ففي صحراء نجد والحجاز ظهر شعراء أحبّوا حباً عفيفاً طاهراً لم يطلبوا فيه وصالاً محرّماً، وماتوا من شدة العشق دون أن يمسّوا محبوباتهم. سُمّي هذا الحب عذرياً نسبة إلى قبيلة بني عُذرة التي اشتهرت بالموت من الحب. وحين سُئل أحد أبنائها عن سرّ ذلك أجاب: في نسائنا حُسن لا يُوجد في غيرهن، وفي رجالنا عِفّة لا تُوجد في غيرهم.

في هذا المناخ القبلي الصارم وُلد قيس بن الملوح وعاش وأحبّ وجُنّ ومات. ولم تكن قصته حالة فريدة بل كانت جزءاً من نسيج اجتماعي أوسع شهد قصصاً مشابهة: جميل وبثينة، وكُثيّر وعزّة، وعروة بن حزام. لكنّ قيساً تميّز عنهم جميعاً بأنّه فقد عقله فعلاً وتحوّل من شاعر يبكي إلى إنسان تائه لا يعرف في الدنيا إلا اسماً واحداً: ليلى.

البداية: حبّ نبت في المراعي

تروي المصادر العربية القديمة — وفي مقدمتها “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني و“الشعر والشعراء” لابن قتيبة — أنّ قيس بن الملوح بن مزاحم من بني عامر بن صعصعة نشأ في بادية نجد. وأنّه أحبّ ليلى بنت مهدي العامرية — وقيل بنت سعد — منذ كانا طفلين يرعيان الغنم معاً في مراعي القبيلة. كانا يلعبان بين الرمال ويتسابقان خلف الحِملان الصغيرة، ونما بينهما حب بريء صاف لا يعرف الحيلة ولا التكلّف.

تعلّقتُ ليلى وهي ذاتُ ذُؤابةٍ
ولم يبدُ للأترابِ من ثَديِها حَجمُ

صغيرَين نرعى البَهمَ يا ليتَ أنّنا
إلى اليومِ لم نكبَر ولم تكبَرِ البَهمُ

— يُنسب إلى قيس بن الملوح

هذان البيتان من أشهر ما يُنسب إلى قيس، وهما يختزلان مأساة الحب كلها في صورة بسيطة مؤلمة: طفلان يرعيان الغنم في البادية لا يعرفان من الدنيا إلا بعضهما. يتمنى الشاعر لو أنّ الزمن توقف عند تلك اللحظة — لو لم يكبرا ولم تكبر أغنامهما — لأنّ الكِبر جاء معه التفريق والحرمان والعادات القبلية التي حالت بينهما. في بساطة هذه الصورة يكمن عمقها: أنّ أصدق أنواع الحب هو ذلك الذي ينشأ قبل أن يعرف صاحبه معنى الحب.

حين كبر الطفلان فرّقت بينهما عادات القبيلة التي تحجب الفتيات عن الفتيان بعد البلوغ. لكنّ قيساً لم يستطع أن يكتم ما في صدره. أطلق لسانه بالشعر يتغنّى بليلى في كل محفل وسوق، وتناقل الناس أبياته حتى صار اسمها حديث الركبان من اليمن إلى الشام. كان الشعر في ذلك الزمان أقوى وسيلة إعلام عرفها العرب — القصيدة الواحدة تنتقل في أيام من قبيلة إلى قبيلة ومن بادية إلى حاضرة — وهكذا أصبحت ليلى العامرية أشهر فتاة في جزيرة العرب رغماً عن أهلها.

الرفض: حين يقتل الحب نفسه بإعلانه

حين تقدّم قيس لخطبة ليلى، رفض أبوها رفضاً باتّاً لا رجعة فيه. لم يكن الرفض بسبب نقص في نسب قيس أو فقره — فهو من قبيلته نفسها ومن بيت كريم — بل لسبب واحد فقط: أنّه شهّر بحبها أمام القبائل كلها. قالوا إنّ أباها قال: لو زوّجتها إياه لقالت العرب إنّه أخذها بشعره وغلبني على ابنتي. في منطق القبيلة كان تزويج ليلى لقيس اعترافاً بأنّ الشاعر فرض إرادته على شيخ القبيلة، وهذا ذلّ لا يحتمله أبٌ عربي.

هنا تكمن المفارقة المأساوية التي تقوم عليها القصة كلها: الأداة التي عبّر بها قيس عن حبه — الشعر — هي ذاتها التي حالت بينه وبين ليلى. لو سكت قيس لتزوّجها، ولو لم يحبّها لما نظم فيها شعراً. الحب أوجب الشعر، والشعر منع الزواج، والحرمان زاد الحب فزاد الشعر. حلقة مأساوية لا مخرج منها إلا الجنون أو الموت — وقد اختار قيس الاثنين معاً.

ثم جاء ما هو أقسى من الرفض: زوّج الأب ليلى من ورد بن محمد العُقيلي — وقيل من رجل من ثقيف — وهو رجل ثري من خارج القبيلة. ارتحلت ليلى مع زوجها إلى ديار بعيدة عن بني عامر، وأُغلقت في وجه قيس آخر نافذة كان يطلّ منها على أمل. يُروى أنّه حين سمع بالزواج صرخ صرخة سمعها أهل الحيّ كلهم ثم سقط مغشياً عليه، ولم يُفق إلا ليجد أنّ الدنيا التي عرفها لم تعد موجودة.

الهيام في الصحراء: ولادة المجنون

بعد زواج ليلى انكسر في داخل قيس شيء لم يُجبر أبداً. بدأ يتغيّر ببطء: هجر مجالس القوم، وترك طعامه، وأهمل ثيابه، ثم خلع نعليه ومضى حافياً إلى الصحراء. تركّت حياته تتساقط عنه قطعة قطعة حتى لم يبق منه إلا قلب ينبض باسم ليلى وحسب. هام في البراري والجبال وحيداً بين الوحوش والطير، لا يأكل إلا ما يرميه له الرعاة أو ما ينبت من أعشاب الأرض، ولا يستره من الشمس والبرد إلا خِرق بالية.

يُروى أنّ الظباء والغزلان ألِفته وأصبحت تمشي بجانبه كأنها تحرسه. كان يتحدث إليها ويسمّيها بأسماء ليلى ويُنشدها أشعاره. وكان إذا رأى طيراً يطير نحو ديار ليلى بكى وسأله أن يحمل سلامه إليها. هذه الصورة — رجل تائه بين الحيوانات يخاطبها كأنها بشر — أصبحت واحدة من أكثر الصور الأدبية تأثيراً في التراث العربي والفارسي والتركي، واستلهمها الرسامون في المنمنمات الإسلامية على مدى قرون.

وقالوا لو تشاءُ سلوتَ عنها
فقلتُ لهم فإنّي لا أشاءُ

وكيف وحبُّها عَلِقٌ بقلبي
كما عَلِقَ الأَديمُ به الدِّباءُ

— يُنسب إلى قيس بن الملوح

حاول أهله إنقاذه مراراً. أخذه أبوه إلى الحج في مكة راجياً أن يتضرّع إلى الله ليشفيه من علّته. تروي المصادر أنّ قيساً وقف عند الكعبة المشرّفة ورفع يديه إلى السماء ثم صاح: “اللهم زدني لليلى حباً!” فسقط أبوه مغشياً عليه من الحسرة واليأس. هذه الرواية تكشف جوهر المأساة القيسية كلها: قيس لا يريد الشفاء من حبّه لأنّ حبّه هو كل ما تبقّى له من هويّة. نزعُ الحب منه يعني نزع ذاته — والمجنون يُفضّل أن يبقى مجنوناً على أن يفقد الشيء الوحيد الذي يعطي وجوده معنى.

أحضروا له فقهاء ورقاة وأطباء العرب، لكنّ أحداً لم يستطع شيئاً. وكان بعض الناس يذهبون إليه في البرية ويذكرون اسم ليلى أمامه ليستمعوا إلى شعره، فكان ينتفض ويُنشد أبياتاً مذهلة ثم يسقط مغشياً عليه. هكذا صار الجنون منبعاً للإبداع: كل نوبة هيام تُنتج قصيدة، وكل قصيدة تزيد في شهرة القصة وتُبعد ليلى أكثر عن قيس. الحلقة المأساوية لا تزال تدور.

أشعاره: صوت العاشق من أعماق الصحراء

ما يُنسب إلى قيس من الشعر كثير جداً جمعه الرواة على مدى قرون. يُرجّح أنّ كثيراً منه ليس من نظمه بل نُسب إليه لأنّه صار رمزاً يُعلَّق عليه كل شعر في العشق المستحيل. لكنّ هذا لا يُنقص من قيمة الأشعار، فهي تمثّل ذروة الشعر العذري وأصدق تعبير عن عذاب المحبّ الممنوع بصرف النظر عن قائلها.

أَراني إذا صلّيتُ يمّمتُ نحوها
بوجهي وإن كان المُصلّى ورائيا

وما بيَ إشراكٌ ولكنّ حُبَّها
وعُظمَ الجوى أعيا الطبيبَ المُداويا

— يُنسب إلى قيس بن الملوح

هذا البيت من أخطر ما قيل في الشعر العربي وأجرئه. يعترف الشاعر بأنّه حين يصلّي يتوجّه بوجهه نحو ديار ليلى لا نحو القبلة، ثم يستدرك بأنّ هذا ليس شركاً بالله بل هو عجز عن السيطرة على قلب تملّكه الحب بالكامل. هذا التوتر بين العشق البشري والإيمان شغل العلماء والنقّاد قروناً: هل هذا كفر أم هو أعمق تعبير عن حقيقة النفس البشرية حين يتجاوز الحب كل حدود الإرادة؟ الصوفيون لاحقاً حلّوا هذا الإشكال بتأويل المحبوبة رمزاً للذات الإلهية.

أتاني هواها قبلَ أن أعرفَ الهوى
فصادفَ قلباً خالياً فتمكّنا

— يُنسب إلى قيس بن الملوح

وهذا بيت آخر من عيون الشعر العربي يختزل فلسفة الحب القيسي: الهوى جاء إلى قلبه قبل أن يعرف ما الهوى — أي أنّ حبّه ليلى ليس اختياراً واعياً بل هو قدر محتوم سبق كل معرفة وكل إرادة. هذا يعني أنّ قيساً لا يستطيع أن يُشفى من حبّه لأنّه لم يختره أصلاً حتى يتراجع عنه. الحب هنا كالقدر: لا يُرَدّ ولا يُستبدل.

أُحِبُّها وتُحِبُّني
ويُحِبُّ ناقتَها بَعيري

— يُنسب إلى قيس بن الملوح

ومن أطرف أبيات الغزل العذري هذا البيت الذي يمتد فيه الحب من الإنسان إلى الحيوان — فحتى ناقتاهما تحابّتا كما تحابّ صاحباهما. بساطة اللغة وعمق المعنى سمة بارزة في شعر قيس: فهو لا يتكلّف الزخرف البلاغي ولا يلجأ إلى محسّنات بديعية معقدة، بل يتحدث بلغة مباشرة كأنها صرخة تخرج من أعماق القلب دون مرور على العقل. هذه البساطة سرّ خلود أشعاره وانتشارها في كل الثقافات.

ليلى: المعاناة التي لم يسمعها أحد

في معظم الروايات يُسلَّط الضوء على قيس وجنونه بينما تبقى ليلى صامتة في الظلّ. لكنّ التأمل في القصة يكشف أنّ مأساة ليلى لا تقلّ قسوة عن مأساة قيس بل لعلّها أشدّ. فقد أحبّت كما أحبّ لكنّها لم تملك أن تعلن حبّها أو ترفض إرادة أبيها أو تهرب من واقعها. كانت أسيرة مجتمع لا يسمح للمرأة إلا بالصمت والطاعة.

زُوّجت من رجل لم تختره ولم تحبّه، وانتقلت إلى دياره بعيداً عن كل ما عرفته. يُروى أنّها كانت وفيّة لزوجها في الظاهر فلم تخن عهد الزوجية، لكنّها حملت في قلبها حباً لقيس لم يمت يوماً. يُحكى أنّ زوجها كان يعاملها بلطف ويعرف أنّ قلبها في مكان آخر فيتحمّل ذلك بصبر مرير. معاناة ليلى الصامتة أشدّ مأساوية من جنون قيس المُعلن — لأنّها عاشت عذابها في الكتمان بلا شعر ولا بكاء على الملأ ولا حتى حرية الجنون.

تذكر بعض الروايات أنّ ليلى وقيساً التقيا مرة بعد زواجها، فبكيا معاً طويلاً دون أن يمسّ أحدهما الآخر. وقيل إنّ ليلى قالت له: “لقد أضعتني وأضعت نفسك!” — تقصد أنّه لو كتم حبّه لما حال الناس بينهما. هذه العبارة تكشف أنّ ليلى كانت تفهم ما لم يفهمه قيس: أنّ في هذا العالم أحياناً يجب أن تُخفي أغلى ما تملك لتحميه. قيس كان شاعراً والشاعر لا يعرف الكتمان — وهذا بالذات ما قتلهما.

النهاية: قبران يرويان قصة واحدة

تختلف الروايات في تفاصيل النهاية لكنّها تتفق في جوهرها: كلاهما مات من ألم الحب. أكثر الروايات تذكر أنّ ليلى ماتت أولاً حزناً وكمداً في بيت زوجها. بعد سنوات من الزواج بدأت تذبل ببطء — الجسد في بيت الزوجية والروح هائمة في صحراء نجد مع ذلك المجنون الذي يتحدث إلى الغزلان. اعتلّت صحتها واشتدّ عليها المرض حتى فاضت روحها.

حين بلغ خبر موتها قيساً — أو حين عثر على قبرها كما في بعض الروايات — ألقى نفسه على القبر يبكي ويُنشد آخر أبياته حتى فارق الحياة عند رأسها. وفي رواية أخرى وُجد قيس ميتاً قرب صخرة في البرية وقد نقش عليها أبياتاً أخيرة. كان جسمه قد نحل حتى لم يبق منه إلا عظام وجلد، ووُجدت حوله حيوانات برية ساكنة كأنها كانت تحرسه في ساعته الأخيرة.

سأبكي على نفسي بعينٍ غزيرةٍ
بكاءَ حزينٍ مُفرَدٍ قلّ ناصرُه

قتيلُ هوى ليلى أُصيبَ فلم يَجد
طبيباً يُداويه ولم تُحْسِ عاثرُه

— يُنسب إلى قيس بن الملوح

موت قيس وليلى ليس مجرد خاتمة لقصة حب بل هو حكم أدبي على مجتمع بأكمله. القصة تقول ضمنياً إنّ المجتمع الذي يُفرّق بين المحبّين بسبب العادات والتقاليد يتحمّل مسؤولية مقتلهما. الموت هنا ليس قضاءً إلهياً مجرداً بل نتيجة مباشرة لقسوة اجتماعية عمياء لم ترَ في حبّهما إلا فضيحة. وهذا ما جعل القصة تتجاوز حدود الحكاية الفردية لتصبح نقداً رمزياً لكل مجتمع يُخضع القلب لحسابات العُرف.

بين التاريخ والأسطورة: هل وُجد المجنون حقاً؟

سؤال الحقيقة التاريخية من أقدم المسائل في النقد العربي. ابن النديم في “الفهرست” شكّك في وجود قيس ورأى أنّه شخصية مختلقة جمع عليها الرواة أشعاراً متفرقة لشعراء مجهولين. وتبنّى هذا الموقف في العصر الحديث الأديب طه حسين الذي أنكر وجوده وعدّه من اختراعات الأدب لا من حقائق التاريخ. حُجتهم أنّ الديوان المنسوب إليه يضمّ أشعاراً متناقضة في الأسلوب والمستوى لا يمكن أن يكون نظمها شاعر واحد.

في المقابل، أثبت مؤرخون آخرون وجوده واستدلّوا بروايات معاصريه وبوجود قبره في نجد. أبو الفرج الأصفهاني يروي أخباره في “الأغاني” بأسانيد متعددة كما يفعل مع سائر الشخصيات التاريخية. والمستشرق الأيرلندي نيكلسون درس القصة دراسة معمّقة ورأى أنّ لها أساساً تاريخياً حقيقياً وإن بالغ الرواة في تفاصيلها.

والراجح أنّ الحقيقة بين الطرفين: فلعلّ شاعراً عاشقاً من بني عامر وُجد فعلاً وأحبّ فتاة وفُرّق بينهما، لكنّ القصة تضخمت عبر القرون. أضاف الرواة أشعاراً ومواقف وتفاصيل درامية، ونسب شعراء لاحقون إليه أبياتهم لأنّ اسمه صار مرادفاً لكل عشق مأساوي. وسواء أكان قيس حقيقياً أم أسطورياً فإنّ الحقيقة العاطفية للقصة لا جدال فيها: إنّها تجربة إنسانية صادقة يعرفها كل من أحبّ وحيل بينه وبين من يحبّ.

من نظامي إلى شكسبير: رحلة القصة عبر العالم

لم تبقَ قصة قيس وليلى حبيسة الأدب العربي بل انطلقت منه لتصبح واحدة من أكثر قصص الحب انتشاراً في العالم. أول من أعاد صياغتها بعبقرية هو الشاعر الفارسي نظامي الكنجوي (1141–1209م) في منظومته “ليلى والمجنون” التي ألّفها سنة 1188م ضمن خمسته الشهيرة. أضاف نظامي إلى القصة بُعداً صوفياً فلسفياً عميقاً وجعل جنون قيس رمزاً للفناء في المحبوب الإلهي، محوّلاً الحكاية البدوية إلى ملحمة روحية كونية.

من نظامي انتشرت القصة في الأدب التركي العثماني عبر فضولي البغدادي (1494–1556م) الذي كتب نسخة تركية تُعدّ من روائع الأدب التركي الكلاسيكي. وفي شبه القارة الهندية أصبحت القصة جزءاً محورياً من التراث الشعبي والأدب الرفيع معاً، وأُلّفت فيها منظومات عديدة بالأوردية والبنجابية والسندية. وفي أذربيجان ألّف الموسيقي قارا قاراييف باليه “ليلى والمجنون” الذي صار من كلاسيكيات الفن السوفييتي.

أمّا في الأدب الأوروبي فيرى باحثون أنّ قصة روميو وجولييت لشكسبير (1597م) تأثرت بقصة قيس وليلى عبر سلسلة من الوسطاء الأدبيين الإيطاليين الذين تعرّفوا على الأدب العربي والفارسي من خلال صقلية والأندلس. كلتا القصتين تتشاركان البنية الأساسية: حب بين شابين يحول المجتمع دون اتحادهما فيموتان. لكنّ إثبات التأثير المباشر لا يزال موضع نقاش أكاديمي، فقد يكون التشابه ناتجاً عن كون المأساة العاطفية بنية إنسانية عابرة للثقافات.

خاتمة: لماذا لن تموت هذه القصة أبداً؟

بعد أكثر من ثلاثة عشر قرناً لا تزال قصة قيس وليلى حيّة تنبض في الوجدان العربي والإنساني. سرّ خلودها أنّها تتحدث عن تجربة لا تتغيّر بتغيّر الأزمنة: تجربة الحب المستحيل. في كل عصر ومكان يوجد عاشقان يحول بينهما شيء ما — عادات أو طبقات أو حروب أو مسافات — فيجدان في قيس وليلى مرآة لعذابهما.

وتطرح القصة سؤالاً فلسفياً لم تجب عنه البشرية بعد: هل الحب نعمة أم نقمة؟ قيس أحبّ فجُنّ وليلى أحبّت فماتت كمداً. لكنّ أياً منهما لم يندم على الحب ولم يتمنّ لو لم يحبّ. بل إنّ قيساً حين وقف عند الكعبة طلب المزيد من الحب لا الخلاص منه. هذا التناقض — أنّ الحب يُعذّب صاحبه ويبقى أعزّ ما لديه — يلمس شيئاً عميقاً في كل نفس بشرية عرفت العشق.

وتبقى القصة خالدة لأنّها ربطت الحب بالشعر ربطاً لا ينفصم. لولا أشعار قيس ما بقيت قصته، ولولا قصته ما خلدت أشعاره. الشعر هنا ليس زينة بل جزء من بنية المأساة: قيس أحبّ فنظم الشعر، والشعر حال بينه وبين ليلى، فنظم مزيداً من الشعر. هذه الحلقة المأساوية بين الحب والإبداع والألم هي جوهر التجربة الفنية الإنسانية. كل فنان وأديب يرى فيها انعكاساً لتجربته: المبدع يُعذَّب بما يُبدع، ويُبدع بما يُعذَّب، والألم والجمال وجهان لعملة واحدة.

قيس بن الملوح لم يمت حقاً. إنّه يُولد من جديد في كل عاشق مكسور القلب يقف أمام جدار لا يستطيع تجاوزه ويقول: أنا أيضاً أحببتُ فجُننت، وجُننتُ فأبدعت، وأبدعتُ فخلدت. لقراءة المزيد عن التقليد الذي أنجب هذه القصة، يمكنك الاطلاع على مقالنا عن الحب العذري. ولمعرفة كيف عاش جميل وبثينة تجربة مشابهة بروح مختلفة، اقرأ قصتهما في القسم ذاته.

أسئلة شائعة عن قيس وليلى

من هو قيس بن الملوح وهل هو شخصية حقيقية؟
قيس بن الملوح بن مزاحم العامري شاعر عربي من بادية نجد عاش في النصف الثاني من القرن الأول الهجري في عهد الدولة الأموية. اختلف العلماء في حقيقة وجوده اختلافاً كبيراً: فأبو الفرج الأصفهاني وابن قتيبة يرويان أخباره بأسانيد كأنه شخصية تاريخية، بينما شكّك ابن النديم وطه حسين في وجوده ورأيا أنّه اختراع أدبي جمع عليه الرواة أشعاراً لشعراء مجهولين. والراجح أنّ الحقيقة بين الموقفين: فلعلّ شاعراً عاشقاً وُجد فعلاً لكنّ القصة نمت وتضخمت عبر القرون حتى صارت أسطورة.
لماذا لُقّب قيس بالمجنون وما معنى جنونه؟
لقب «المجنون» لم يكن يعني عند العرب فقدان العقل بالمعنى الطبي المعاصر، بل كان يعني أنّ صاحبه تجاوز حدود المعقول والمألوف في عشقه. تروي المصادر أنّ قيساً بعد زواج ليلى من غيره هجر المجالس وخلع ثيابه وخرج إلى البراري يهيم مع الوحوش، يتحدث إلى الغزلان كأنها ليلى ويبكي على الصخور وينقش أشعاره على الحجارة. كان يحفظ كل شيء عن ليلى ولا يعرف اسم نفسه. هذا الجنون عند الشعراء العذريين كان علامة على صدق الحب لا على مرض العقل.
ما سبب رفض أبي ليلى تزويجها من قيس؟
في المجتمع القبلي العربي كان إعلان الرجل حبّه لامرأة بالاسم في أشعاره يُعدّ تشهيراً بها وبقبيلتها. وكان من العار عند العرب أن تُزوَّج فتاة لمن تغزّل بها علناً في الأسواق والمحافل. فحين نظم قيس أشعاره في ليلى وشاع اسمها على كل لسان، أصبح زواجها منه مستحيلاً من منظور الشرف القبلي. يُروى أنّ أباها قال: لو زوّجتها إياه لقالت العرب إنّه غلبني على ابنتي بشعره. هذا التناقض — أنّ الحب الذي أعلنه قيس هو ذاته الذي حال دون وصاله — هو جوهر المأساة.
كيف أثّرت قصة قيس وليلى في الأدب العالمي؟
انتقلت قصة قيس وليلى من الأدب العربي إلى آداب العالم عبر الشاعر الفارسي نظامي الكنجوي الذي صاغها في منظومته «ليلى والمجنون» سنة 1188م وأضاف إليها عمقاً صوفياً فلسفياً. ومن نظامي انتشرت في الأدب التركي عبر فضولي البغدادي، وفي الأدب الأوردي والبنجابي والملايوي. ويرى بعض الباحثين أنّ قصة روميو وجولييت لشكسبير تأثرت بها عبر وسطاء أدبيين إيطاليين تعرّفوا على الأدب العربي والفارسي. كما ألهمت أعمالاً أوبرالية وسينمائية ومسرحية في القرنين العشرين والحادي والعشرين.
ما هي أشهر الأبيات المنسوبة إلى مجنون ليلى؟
من أشهر ما يُنسب إلى قيس: «تعلّقتُ ليلى وهي ذاتُ ذؤابةٍ ولم يبدُ للأترابِ من ثديها حجمُ» في وصف حب الطفولة، و«أُحبّها وتُحبّني ويُحبّ ناقتَها بعيري» وهو من أطرف أبيات الغزل العذري، و«أراني إذا صلّيتُ يمّمتُ نحوها بوجهي وإن كان المصلّى ورائيا» في شدة التعلق، و«وقالوا لو تشاءُ سلوتَ عنها فقلتُ لهم فإنّي لا أشاءُ» في رفض النسيان. قد يكون بعض هذه الأبيات منحولاً عليه لكنّها صارت جزءاً لا يتجزأ من أسطورته.