🕊️

جميل وبثينة

رمز الحب العفيف — وفاء حتى الممات في غربة مصر

🕊️

مقدمة: أنقى العشّاق العذريين

في سماء الحب العذري الواسعة، تتلألأ نجوم كثيرة: قيس الذي جُنّ من العشق، وكُثيّر الذي ذاب في الحنين، وعروة الذي قضى نحبه من الشوق. لكنّ بين هؤلاء جميعاً يقف جميل بن معمر العُذري وحيداً في مكانة لا يُنازعه فيها أحد: مكانة الشاعر الذي جمع بين عُمق العاطفة وكمال العفّة، بين حرارة الشوق وكبرياء النفس، بين وفاء العاشق وكرامة الرجل.

لم يفقد جميل عقله كما فقده قيس بن الملوح، ولم يسقط في بئر اليأس والاستسلام. بل حمل حبّه في صدره كجمرة لا تنطفئ، وعاش حياته كلّها وفياً لامرأة واحدة هي بثينة بنت حبّاء، حتى حين زُوّجت من غيره وحين نُفي إلى أرض بعيدة وحين أدركه الموت غريباً وحيداً في مصر. قصته هي قصة الحب الذي يأبى أن يموت مهما قسا عليه الزمن والبشر.

وما يجعل جميلاً فريداً بين أقرانه أنّه ارتقى بالحب العذري من مجرد عاطفة مشتعلة إلى فلسفة أخلاقية متكاملة. فعبارته الشهيرة التي سنتوقف عندها لاحقاً ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي بيان واضح لمعنى العفّة الحقيقية: أن يكفّ الإنسان نفسه عن محبوبه لا خوفاً من الناس بل تقديساً للحب ذاته.

بنو عُذرة: القبيلة التي تموت من الحب

لا يمكن فهم قصة جميل وبثينة دون العودة إلى الأرض التي نبتت فيها هذه القصة: قبيلة بني عُذرة التي سكنت وادي القرى شمال الحجاز. هذه القبيلة اشتهرت في التراث العربي بأمر عجيب لم تُعرف به قبيلة غيرها: أبناؤها يموتون إذا عشقوا. ليس الأمر مبالغة شعرية بل هو ظاهرة اجتماعية وثقافية رصدها المؤرخون والرواة.

يروي الرواة أنّ رجلاً من بني عُذرة سُئل في مجلس بالشام: ممّن أنت؟ فأجاب: من قوم إذا عشقوا ماتوا. فقيل له: وما بال ذلك فيكم؟ فقال: في نسائنا حُسن لا يُوجد في غيرهن، وفي رجالنا عِفّة لا تُوجد في غيرهم. هذه العبارة تكشف عن جوهر الظاهرة العُذرية: الجمع بين جمال المحبوب وعفّة العاشق يخلق توتّراً نفسياً لا يُحتمل، فالعاشق يشتعل من الداخل لكنّه يأبى أن يمدّ يده، فيقتله الشوق ببطء.

في هذه البيئة القبلية الصارمة نشأ جميل بن معمر. تشرّب من قبيلته مفهوم الحب بوصفه قدراً لا اختياراً وعفّةً لا ضعفاً ووفاءً لا عبودية. كان محيطه يقول له إنّ الحب الحقيقي هو الذي لا يطلب مقابلاً، وأنّ العاشق الصادق هو من يحترق دون أن يشكو، ومن يموت دون أن يخون عهد قلبه. هذا الإرث القبلي هو الذي صاغ شخصية جميل وحدّد مسار قصته مع بثينة منذ البداية حتى النهاية.

بداية الحب: لقاء الطفولة وأشعار الصبا

بدأت قصة جميل وبثينة كما تبدأ أغلب قصص الحب العذري: في مراعي الطفولة حيث كان الصبيان والصبايا يسرحون بالإبل والغنم في وديان الحجاز. رأى جميل بثينة بنت حبّاء وهي فتاة من بطن آخر من بطون بني عُذرة، فتعلّق قلبه بها تعلّقاً لم يزده الزمن إلا رسوخاً. كانا يلتقيان في المراعي ويتبادلان الحديث، وبدأ جميل ينظم فيها أشعاراً رقيقة سرعان ما ذاعت بين الناس.

ومع مرور السنوات تحوّل حبّ الطفولة إلى عشق عميق ملأ حياة جميل كلها. كان يتسلّل ليلاً للقاء بثينة في مواعيد سرية يتّفقان عليها، وكانت هي تبادله الشوق والحنين دون أن تتخطّى حدود العفّة التي تفرضها عليهما قيم قبيلتهما. وقد وصف جميل هذه اللقاءات السرية في أشعاره بصدق نادر، فرسم صورة لحبّ طاهر يقتات من النظرة والكلمة والشوق ولا يطلب أكثر من ذلك.

غير أنّ أشعار جميل في بثينة طارت في الآفاق كطير لا يعرف حدوداً. تناقلها الرواة وردّدها الناس في الأسواق والمجالس، وأصبح اسم بثينة على كل لسان. وهنا بدأت المشكلة التي ستقود القصة كلها إلى مأساتها: التشهير الشعري الذي كان العرب يأنفون منه أشدّ الأنفة. فكلما ازداد شعر جميل جمالاً وانتشاراً، ازداد غضب أهل بثينة واستياؤهم.

رفض الأهل: حين تقف القبيلة في وجه القلب

تقدّم جميل لخطبة بثينة، فرفض أهلها رفضاً قاطعاً. لم يكن الرفض بسبب نقص في نسب جميل أو مكانته، فهو من صلب بني عُذرة وله شرف وحسب. لكنّ السبب كان العُرف القبلي الصارم الذي يقضي بأنّ المرأة لا تُزوَّج لمن يشهّر بحبها في الأشعار. كان العرب يرون في تزويج الفتاة لمن يتغزّل بها علناً إقراراً بما يقوله الناس واعترافاً بالعار.

وهذا التعارض المأساوي بين حبّ الشاعر وعُرف القبيلة هو لبّ المأساة العذرية كلها. فالشاعر لا يستطيع أن يحبّ دون أن ينظم شعراً — لأنّ الشعر عنده تنفّس للروح وليس اختياراً واعياً — والقبيلة لا تستطيع أن تقبل التشهير دون أن تفقد هيبتها. كلا الطرفين مسجون في منظومته الخاصة: جميل مسجون في حبه والقبيلة مسجونة في عُرفها، ولا مخرج لأحد منهما إلا بتدمير الآخر.

تروي المصادر أنّ أهل بثينة هدّدوا جميلاً بالقتل إن لم يكفّ عن ذكر ابنتهم في أشعاره. لكنّ جميلاً لم يكن قادراً على الكفّ عن الشعر في بثينة كما لا يقدر القلب على الكفّ عن النبض. فازداد الصراع حدّة، وأصبحت اللقاءات السرية بينهما أكثر خطورة، وباتت حياة جميل نفسها في خطر حقيقي.

عبارة تختزل فلسفة كاملة

وسط هذا الصراع بين الحب والمجتمع، قال جميل عبارته التي أصبحت من أشهر ما قيل في العفّة العربية على الإطلاق:

لو أنّ بثينة أُعطيتُها في خلوة ... لما مددتُ يدي إليها

— جميل بن معمر العُذري

هذه العبارة ليست مجرد تعبير عن ضبط النفس، بل هي بيان فلسفي لمعنى الحب الحقيقي عند العذريين. جميل يقول إنّ عفّته عن بثينة ليست خوفاً من أهلها أو من المجتمع أو من العقاب، بل هي اختيار نابع من جوهر حبّه ذاته. فالحب العذري يرفع المحبوب إلى مرتبة القداسة، ويرى أنّ الاقتراب الجسدي قد يُنزل هذا الحب من سماء الروح إلى أرض الغريزة. جميل لا يمتنع لأنه لا يرغب، بل يمتنع لأنّه يحبّ بطريقة تتجاوز الرغبة.

وقد جعلت هذه العبارة من جميل رمزاً أبدياً للعفّة الاختيارية في الثقافة العربية. فهو لا يمتنع بسبب عجز أو خوف أو ضعف، بل يمتنع وهو في كامل قوته واشتياقه لأنّه يؤمن بأنّ الحب الذي يحترم حدوده أسمى من الحب الذي يتخطّاها. هذا المفهوم سيؤثّر لاحقاً في التصوف الإسلامي وفي فلسفة الحب الفروسي في أوروبا.

زواج بثينة: الطعنة التي لم تقتل الوفاء

فعل أهل بثينة ما كان جميل يخشاه أكثر من الموت: زوّجوها من رجل آخر يُدعى نُبيه بن الأسود. كان الزواج بالنسبة لأهلها حلاً نهائياً يقطع الطريق أمام جميل ويُنهي الفضيحة الشعرية التي أرّقتهم. لكنّ ما لم يفهمه أهل بثينة أنّ الحب العذري لا يعرف كلمة النهاية، وأنّ تزويج المحبوبة من غير محبّها لا يُطفئ الشوق بل يُشعله.

لم يتحوّل جميل عن حبّه لبثينة بعد زواجها. بل على العكس، ازداد شعره حرارة وعمقاً، وازدادت لقاءاتهم السرية خطورة. كان يتسلّل إلى مكان إقامتها ويلقاها خفية عن زوجها وأهلها، وكانت هي تقبل لقاءه لأنّ قلبها ظلّ معلّقاً به رغم زواجها من غيره. هذه اللقاءات السرية بعد الزواج كانت أخطر مما قبله، لأنّها الآن لا تغضب الأب فحسب بل تغضب الزوج والقبيلة بأسرها.

يا بُثَيْنَ الزَمي لا، إنّ لا ... إنْ لَزِمتِيه كانَ مِنكِ لِقاءُ

إنّ لا بَعْدَ لا إذا جُدتِ بالـ ... ـلا أَمَلٌ في الحياةِ ورجاءُ

— جميل بن معمر

في هذين البيتين يطلب جميل من بثينة أن تلتزم بكلمة «لا» حين يطلب أهلها منها قطع علاقتها به، لأنّ هذه الـ«لا» هي التي تمنحه الأمل في اللقاء وتبقيه حياً. إنّه يعلّمها فنّ المقاومة الناعمة: أن ترفض الانصياع لقرار الفراق دون أن تُعلن تمرّداً صريحاً، وأن تحفظ في قلبها مساحة له رغم كل الضغوط.

الهرب إلى مصر: كبرياء المنفى

بلغ الصراع ذروته حين قرّر أهل بثينة وزوجها أنّ الحل الوحيد هو التخلّص من جميل نهائياً. هدّدوه بالقتل ورفعوا أمره إلى والي المدينة. أدرك جميل أنّ البقاء في ديار بني عُذرة يعني الموت حتماً، فاتّخذ القرار الأصعب في حياته: الرحيل عن أرض بثينة إلى مصر، بعيداً عن كل ما يحب وكل ما يعرف.

وهنا يظهر الفرق الجوهري بين جميل وقيس بن الملوح. فقيس حين مُنعت عنه ليلى فقد عقله وهام في البراري كالمجانين يحادث الوحوش والحجارة. أما جميل فقد اختار الكبرياء في المنفى بدلاً من الجنون في الوطن. لم يُرد أن يكون مجنوناً يرثي له الناس، بل عاشقاً كريماً يحمل حبّه في قلبه بعزّة وإباء. المنفى عنده كان شكلاً من أشكال الوفاء الأرقى: أن يبتعد عن بثينة جسداً ليظلّ قريباً منها روحاً.

وصل جميل إلى مصر حيث استقبله بعض أصدقائه ومعارفه. لكنّ الغربة كانت ثقيلة على روحه. كان يجلس في مجالس مصر وينشد أشعاره في بثينة، فيبكي المستمعون من رقّة كلماته وصدق عاطفته. عاش في مصر سنوات حاملاً في صدره جمرة لا تنطفئ، يكتب أشعاراً تفيض بالشوق والحنين إلى ديار بثينة وإلى صوتها وطيفها.

خليليّ هل في نظرةٍ بعدَ توبةٍ ... أُداوي بها قلبي عليّ عَتابُ

إذا قلتُ ما بي يا بُثينةُ قاتلي ... مِنَ الحُبِّ قالتْ ثابتٌ ولَعَلَّ ما

— جميل بن معمر في غربته

الموت في مصر: وحيداً وفياً لعهد القلب

في أرض الغربة، بعيداً عن وادي القرى وعن بثينة وعن كل ما كان يعرفه، أدرك الموتُ جميلَ بن معمر حوالي سنة 82 هجرية (701 ميلادية). تروي المصادر أنّه مرض مرضاً شديداً ولم يكن حوله من أهله أحد يُسليه أو يأخذ بيده. مات غريباً كما عاش عاشقاً: بصدق وكبرياء وصمت.

يروي الرواة أنّ جميلاً قبل وفاته أوصى بأن تُبلَّغ بثينة خبر موته، وأنّ آخر ما نطق به شفتاه كان اسمها. مات وهو يعلم أنّه لن يراها مرة أخرى في هذه الدنيا، لكنّه مات مطمئنّاً إلى أنّه لم يخن عهد قلبه يوماً واحداً. لم يتزوّج غيرها ولم يتغزّل بسواها ولم يحوّل قلبه عنها لحظة واحدة رغم عقود الفراق والحرمان والغربة.

وحين بلغ خبر وفاته بثينة، تروي الأخبار أنّها حزنت حزناً عميقاً وبكته بكاءً مريراً. كانت هي أيضاً وفيّة لحبّه في قلبها رغم زواجها من غيره. موت جميل في مصر أصبح رمزاً خالداً في الأدب العربي للوفاء الذي لا يعرف حدود المكان والزمان: عاشق يموت في أرض غريبة لكنّ قلبه يظلّ في وطن المحبوبة.

من روائع شعر جميل في بثينة

ترك جميل بن معمر ديواناً شعرياً يُعدّ من أجمل ما أنتجه الشعر العربي في الغزل العفيف. أشعاره تمتاز بالرقّة والعمق والصدق، وتخلو من الصنعة والتكلّف. كلّ بيت فيها صرخة من القلب لا عمل من العقل. ومن أشهر أبياته التي خلّدها الزمن:

رُمِيَتْ فؤادي في الهوى فأصابَتِ ... ذاتَ الخِمارِ فلم تكُنْ تُخطيني

أُحبُّكِ حُبّاً لو تحبِّينَ مثلَهُ ... أضرَّ بكِ الإعراضُ والإشفاقُ

ألا ليتَ شِعري هل أَبيتَنَّ ليلةً ... بوادي القُرى إنّي إذاً لسعيدُ

— من ديوان جميل بن معمر

في البيت الأول يصف جميل لحظة الوقوع في الحب بصورة مستعارة من الرمي والإصابة: كأنّ الحب سهم أطلقته بثينة فأصاب فؤاده مباشرة دون أن يُخطئه. وفي البيت الثاني يصف عمق حبّه لها بطريقة تكشف عن وعيه بأنّ هذا الحب لو كان متبادلاً بنفس القوة لأضرّ بها من شدّته. أما البيت الثالث فهو صرخة الغريب الذي يتمنّى ليلة واحدة في وادي القرى — وطن بثينة — ويعتبرها كافية لسعادته كلها.

ومن أعذب ما قاله جميل أيضاً في وصف ثبات حبّه رغم مرور الزمن وتبدّل الأحوال:

وأوّلُ ما قادَ المودّةَ بيننا ... بوادي بغيضٍ يا بُثينُ سِبابُ

وقلنا لها قولاً فجاءت بمثلِهِ ... لكلِّ كلامٍ يا بُثينُ جوابُ

— جميل بن معمر يستذكر بدايات الحب

في هذين البيتين يستذكر جميل كيف بدأت قصة حبّه مع بثينة: بمشاكسة طفولية في وادي بغيض تحوّلت إلى مودة عميقة. هذا التدرّج الطبيعي من اللعب إلى الحب هو ما يمنح قصتهما صدقاً إنسانياً لا تملكه القصص المصطنعة.

جميل وقيس: الكرامة في المنفى أم الجنون في الصحراء

يقع جميل بن معمر وقيس بن الملوح على طرفي نقيض من الحب العذري، رغم أنّهما ينتميان إلى المدرسة ذاتها وعاشا في العصر نفسه. الفرق بينهما ليس في عمق الحب ولا في صدق العاطفة، بل في طريقة التعامل مع الحرمان.

قيس حين مُنع من ليلى انهار تماماً: فقد عقله وتخلّى عن كل ما يربطه بالمجتمع البشري — الملابس والطعام والكلام المفهوم — وأصبح مخلوقاً بريّاً يعيش مع الوحوش ويحادث الحجارة. استسلم للجنون كأنه الاستجابة الوحيدة الممكنة لفقدان المحبوب. أما جميل فقد اختار طريقاً مختلفاً تماماً: المنفى الإرادي مع الاحتفاظ بالعقل والكرامة.

جميل لم يفقد عقله ولم يهم في البراري. بل ارتحل إلى مصر واندمج في المجتمع وجالس الناس وأنشد أشعاره في مجالس الأدب. ظلّ إنساناً فاعلاً رغم ألمه، وشاعراً واعياً رغم شوقه. كان يعاني لكنّه يعاني بكبرياء وصمت، لا بصراخ وجنون. وهذا الاختلاف يجعل من قصة جميل نموذجاً مختلفاً للحب: نموذجاً يقول إنّ المرء يستطيع أن يحبّ بكل جوارحه وأن يتألّم بكل عمقه دون أن يفقد نفسه أو يتخلّى عن إنسانيته.

ولعلّ هذا هو السبب في أنّ بعض النقاد القدامى اعتبروا جميلاً أشعر من قيس وأصدق منه حباً. لأنّ الجنون قد يكون هروباً من الألم لا مواجهة له، بينما البقاء عاقلاً مع كل هذا العذاب يتطلّب قوة أكبر وصبراً أعمق. جميل عاش ألمه بوعي كامل ولم يلجأ إلى غياب العقل كمهرب من الواقع.

إرث جميل وبثينة في تراث الحب العربي

تركت قصة جميل وبثينة أثراً عميقاً في الأدب العربي والإسلامي يتجاوز بكثير حدود قصة حب فردية. أصبحت هذه القصة نموذجاً مرجعياً للحب العفيف يُحتذى به في كل عصر. وأصبح اسم جميل مرادفاً للوفاء والعفّة، كما أصبح اسم بثينة رمزاً للمحبوبة التي يظلّ حبها حياً في قلب عاشقها رغم البُعد والزمن.

تناول كثير من أدباء العرب ومؤرخيهم قصة جميل وبثينة بالتحليل والدراسة. ذكرها أبو الفرج الأصفهاني في كتابه الأغاني، وتناولها ابن قتيبة في الشعر والشعراء، وأشار إليها ابن حزم الأندلسي في طوق الحمامة. كلّ هؤلاء رأوا في جميل نموذجاً فريداً يجمع بين قوة العاطفة ونبل السلوك، بين شدة الحب وعمق العفّة.

وقد أثّرت عبارة جميل الشهيرة عن العفّة في المتصوفة المسلمين الذين رأوا فيها تجسيداً بشرياً لمعنى الحب الإلهي: أن تحبّ الله حباً يتجاوز كل رغبة في المقابل، وأن تكتفي من الحب بالحب ذاته. وهكذا عبرت فلسفة جميل من دائرة الحب البشري إلى دائرة الحب الإلهي، ومن شعر الغزل إلى شعر التصوف.

واليوم، بعد أكثر من ثلاثة عشر قرناً على وفاة جميل في غربة مصر، لا تزال قصته تنبض بالحياة. لا لأنها قصة حبّ تراثية نقرأها للتسلية، بل لأنها تطرح سؤالاً لا يشيخ أبداً: هل يستطيع الإنسان أن يحبّ حباً صادقاً عفيفاً وأن يظلّ وفياً له رغم كل شيء؟ جميل بن معمر أجاب عن هذا السؤال بحياته كلها — وبموته — بنعم مدوّية. وتلك هي رسالته الخالدة لكل عاشق في كل زمان.

أسئلة شائعة عن جميل وبثينة

من هو جميل بن معمر ولماذا يُلقّب بجميل بثينة؟
جميل بن معمر بن عبد الله العُذري هو شاعر عربي عاش في العصر الأموي (توفي حوالي 82 هجري / 701 ميلادي)، وينتسب إلى قبيلة بني عُذرة الشهيرة بالحب العفيف. لُقّب بجميل بثينة لأنّه ارتبط اسمه ارتباطاً وثيقاً ببثينة بنت حبّاء التي أحبّها منذ صباه وظلّ وفياً لها حتى وفاته في مصر. وهو من أبرز شعراء المدرسة العذرية التي أنتجت أنقى صور الحب العفيف في التراث العربي، إلى جانب قيس بن الملوح وكُثيّر عزّة وعروة بن حزام.
ما الفرق بين جميل بثينة وقيس مجنون ليلى؟
رغم أنّ كليهما من شعراء الحب العذري في العصر الأموي وتتشابه قصتاهما في المنع والحرمان، إلا أنّ هناك فرقاً جوهرياً بينهما. قيس بن الملوح فقد عقله من شدة الحب وهام في البراري يحادث الوحوش والطير حتى عُرف بالمجنون ومات في الصحراء. أما جميل بن معمر فقد احتفظ بعقله وكرامته رغم شدة حبه، واختار المنفى الإرادي في مصر بدلاً من الجنون. جميل اختار الكبرياء في الغربة بينما اختار قيس الانصهار في الجنون. ولذلك يُعدّ جميل نموذجاً للعاشق الذي يحفظ كرامته مع حبه.
لماذا رفض أهل بثينة تزويجها من جميل؟
رفض أهل بثينة تزويجها من جميل لعدة أسباب تتصل بالأعراف القبلية العربية في ذلك العصر. السبب الأول هو عادة الإباء من التشهير، إذ كان العرب يأنفون من تزويج بناتهم لمن يتغزّل بهن علناً في أشعاره أمام الناس، لأنّ ذلك يُعدّ خدشاً لشرف الأسرة والقبيلة. والسبب الثاني هو الخلافات القبلية بين بطون بني عُذرة نفسها. وقد زوّجها أهلها من رجل آخر يُدعى نُبيه بن الأسود بعد رفضهم لجميل، فاضطر جميل للهرب من ديار قبيلته بعد تهديدهم له.
ما معنى عبارة جميل الشهيرة عن العفة؟
قال جميل بن معمر عبارته الخالدة: لو أنّ بثينة أُعطيتها في خلوة لما مددتُ يدي إليها. هذه العبارة تختزل فلسفة الحب العذري كلها في جملة واحدة. معناها أنّ جميلاً حتى لو أُتيحت له الفرصة للخلوة بمحبوبته دون رقيب ولا حسيب، فإنّه لن يقترب منها بما يخدش العفة والطهارة. وهذا يعني أنّ عفته ليست خوفاً من المجتمع أو القبيلة، بل هي اختيار واعٍ نابع من تقديسه للحب ذاته. الحب عنده ارتقاء بالروح وليس إشباعاً للغريزة.
كيف مات جميل بن معمر وأين دُفن؟
مات جميل بن معمر غريباً وحيداً في مصر حوالي سنة 82 هجرية (701 ميلادية). كان قد فرّ إلى مصر بعد أن هدّده أهل بثينة وضيّقوا عليه في ديار بني عُذرة. عاش في مصر سنوات يحمل حبّ بثينة في قلبه وينشد فيها أشعاره بعيداً عنها. تروي المصادر أنّه مرض في مصر ولم يكن حوله من أهله أحد، فمات من الحب والغربة معاً. ويُروى أنّ بثينة حين بلغها خبر وفاته حزنت حزناً شديداً. أصبح موته في الغربة وفياً لحبه رمزاً خالداً للوفاء الذي يتجاوز المسافات والزمن.