مقدمة: أعظم قصة حب في الإسلام
في تاريخ البشرية قصص حب كثيرة تناقلها الرواة وخلّدها الشعراء، لكنّ قصة واحدة تبقى في مقام لا تبلغه قصة أخرى: قصة محمد بن عبد الله ﷺ وخديجة بنت خويلد رضي الله عنها. ليست عظمة هذه القصة في مأساتها — كما في قصص العشاق العذريين — بل في اكتمالها واستمرارها، في كونها حباً تحقّق وأثمر وبنى حضارة، حباً لم ينتهِ بالموت بل تجاوزه إلى وفاء لا مثيل له في تاريخ الأزواج.
هذه القصة ليست حكاية رومانسية فحسب، بل هي سيرة شراكة إنسانية بين رجل ورّثه الله رسالة عظمى وامرأة آمنت به قبل أن يؤمن به أحد من الخلق. هي قصة الزوجة التي احتضنت زوجها في أشد لحظات الخوف، وأنفقت مالها في سبيل رسالته، وصبرت معه على الحصار والجوع والإيذاء حتى لقيت ربها. وهي قصة الزوج الذي لم ينسَ حبيبته بعد رحيلها، وظلّ يذكرها بالخير ويبكي عند ذكرها ويُكرم صديقاتها وفاءً لعهدها حتى آخر أيام حياته الشريفة.
إنها قصة تُعلّمنا أن الحب الحقيقي ليس كلمات تُقال في لحظات الرخاء، بل هو موقف يُتّخذ في ساعات الشدّة. وأن أعظم ما يُقدّمه المحب لمحبوبه ليس المال ولا الجمال، بل الإيمان به حين يشكّ في نفسه، والوقوف بجانبه حين يتخلّى عنه العالم بأسره.
خديجة قبل النبوة: سيدة أعمال مكة
لم تكن خديجة بنت خويلد امرأة عادية في مجتمع مكة قبل الإسلام. كانت سيدة أعمال ناجحة من أثرى أثرياء قريش، تملك تجارة واسعة كانت تُرسل القوافل إلى الشام واليمن. عُرفت بلقب «الطاهرة» لعفّتها وشرفها في مجتمع جاهلي كان الفساد فيه منتشراً، وعُرفت كذلك بلقب «سيدة نساء قريش» لمكانتها الرفيعة بين أهل مكة.
كانت خديجة قد تزوّجت مرتين قبل النبي ﷺ — من أبي هالة بن زرارة التميمي ثم من عتيق بن عائذ المخزومي — وكلاهما تُوفّي عنها. وقد خطبها كبار رجال قريش بعد ترمّلها لمكانتها ونسبها وثروتها، فرفضتهم جميعاً. كانت امرأة ذات رأي مستقل وبصيرة نافذة، لا تقبل بزوج لمجرد نسبه أو ماله، بل تبحث عن الرجل الذي يستحق شراكتها في الحياة.
وقد استأجرت خديجة محمداً بن عبد الله — الشاب اليتيم من بني هاشم — ليخرج بتجارتها إلى الشام، وأرسلت معه غلامها ميسرة. عاد محمد ﷺ من تلك الرحلة بأرباح مضاعفة لم تعهدها خديجة من قبل، وعاد ميسرة يحدّثها عن أمانته وصدقه وكرم أخلاقه وما رأى من بركات صاحبته في تلك الرحلة. فأُعجبت خديجة بهذا الشاب الأمين إعجاباً عميقاً تجاوز الإعجاب بالربح التجاري إلى إعجاب بالإنسان نفسه.
الخِطبة: حين تختار المرأة مصيرها
في مشهد يتحدّى كل الأعراف السائدة في ذلك الزمان، كانت خديجة هي التي بادرت بطلب الزواج من محمد ﷺ. أرسلت صديقتها نفيسة بنت منية لتعرض عليه الأمر بلباقة. فسألته نفيسة: ما يمنعك أن تتزوج؟ فقال: ما بيديّ ما أتزوج به. فقالت: فإن كُفيتَ ذلك ودُعيتَ إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة، ألا تُجيب؟ فسأل: ومن هي؟ قالت: خديجة. فأجاب بالقبول.
هذا المشهد يكشف عن عدة حقائق مهمة. أولاً: أن خديجة كانت امرأة تعرف ما تريد ولا تنتظر أن يُقرّر الآخرون مصيرها. ثانياً: أنها اختارت محمداً ﷺ لأخلاقه وأمانته لا لماله — فهو لم يكن يملك شيئاً — وهذا يدل على نضج استثنائي في فهم ما يصنع الزواج الناجح. ثالثاً: أن الحب لم يكن مشاعر عابرة بل كان قراراً واعياً بنته خديجة على تقدير عميق للإنسان الذي اختارته شريكاً لحياتها.
تمّ الزواج المبارك، وكان المهر عشرين بَكرة من الإبل كما جاء في بعض الروايات. وحضر الزواج أعمام النبي ﷺ ووجهاء قريش. وبدأت رحلة خمس وعشرين سنة من الحب والشراكة والبناء، ستُغيّر مجرى التاريخ البشري كله.
خمس وعشرون سنة من الحب والشراكة
عاش محمد ﷺ مع خديجة خمساً وعشرين سنة لم يتزوج فيها عليها غيرها — وهو أمر لافت في مجتمع كان التعدّد فيه هو القاعدة لا الاستثناء. وهذا في حدّ ذاته يدل على اكتمال السعادة التي وجدها عندها. كانت خديجة تملأ حياته سكينة ومودة ورحمة، فلم يحتج إلى غيرها ولم يطلب سواها.
أنجبا معاً أبناءهما: القاسم وعبد الله من الذكور، وزينب ورقيّة وأم كلثوم وفاطمة من الإناث. وكان البيت النبوي بيت مودة واحترام متبادل: محمد ﷺ يُقدّر حكمة خديجة ورأيها، وخديجة تُقدّر صدق محمد وأمانته وكرم نفسه. لم تكن علاقتهما مبنية على سلطة أحد الطرفين بل على شراكة حقيقية يتكامل فيها الدوران.
وكان محمد ﷺ قبل النبوة يذهب إلى غار حراء في جبل النور يتعبّد ويتأمل أياماً وليالي، وكانت خديجة تُعدّ له الطعام والزاد دون أن تعترض أو تشكو من غيابه. كانت تفهم أن في نفس زوجها شيئاً يبحث عنه، فأعطته المساحة الكاملة لرحلته الروحية مع دعمها الكامل. وهذا الفهم العميق لاحتياجات الشريك هو من أرقى صور الحب الناضج.
ليلة الوحي: كلّا والله لا يُخزيك الله أبداً
في ليلة من ليالي رمضان، في غار حراء على ارتفاع جبل النور، نزل الوحي على محمد ﷺ لأول مرة. جاءه جبريل عليه السلام فقال له: اقرأ. فعاد إلى خديجة يرتجف، يقول: «زمّلوني زمّلوني». فزمّلته خديجة حتى ذهب عنه الروع، ثم أخبرها بما حدث وقال لها: «لقد خشيتُ على نفسي».
وهنا جاء الموقف الذي يختزل جوهر حب خديجة كله. لم تشكّ فيه ولم تخف منه ولم تتردد لحظة واحدة. بل نطقت بكلمات صارت من أعظم ما قالته امرأة لزوجها في تاريخ البشرية:
❝ كلّا والله لا يُخزيك الله أبداً، إنّك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتُكسب المعدوم، وتَقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق ❞
خديجة بنت خويلد رضي الله عنها — (رواه البخاري)
تأمّل في هذه الكلمات. لم تقل خديجة «لا تخف» مجردة، بل بنت تطمينها على أدلة منطقية من أخلاقه وأفعاله. أقسمت بالله أنه لن يُخزيه لأنه يصل الرحم — أي يحافظ على صلات القرابة — ويحمل الكَلّ — أي يتحمّل أعباء الضعفاء — ويُكسب المعدوم — أي يُعطي من لا يملك — ويَقري الضيف — أي يُكرم الغريب — ويُعين على نوائب الحق — أي يقف مع الحق في الأزمات. هذا ليس كلام زوجة مُجاملة، بل هو تقييم دقيق من امرأة عاشت معه خمسة عشر عاماً تعرف أدقّ تفاصيل شخصيته.
ثم أخذته إلى ابن عمها ورقة بن نوفل — وكان شيخاً مسيحياً يعرف الكتب السماوية — فأخبره ورقة أن ما جاءه هو الناموس الذي نزل على موسى عليه السلام. هذا التصرف يكشف عن حكمة خديجة: لم تكتفِ بالتطمين العاطفي بل بحثت عن تأكيد علمي ومعرفي يُزيل شكوك زوجها ويُثبّت قلبه.
أول مؤمنة: حين يسبق الحب العالَم كلّه
أجمع العلماء والمؤرخون على أن خديجة بنت خويلد كانت أول من آمن بمحمد ﷺ من البشر أجمعين. آمنت به قبل أبي بكر وقبل علي وقبل أي إنسان آخر على وجه الأرض. وهذا الإيمان المبكّر لم يكن مجرد تصديق عابر، بل كان إيماناً عميقاً جازماً لم يتزعزع لحظة واحدة رغم كل ما أصاب الدعوة من أذى ورفض.
وقد وردت بشارة عظيمة لخديجة من ربّ العزة عبر جبريل عليه السلام:
❝ أتى جبريلُ النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتتك معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربّها ومنّي، وبشّرها ببيتٍ في الجنة من قَصَبٍ لا صخب فيه ولا نَصَب ❞
(متفق عليه — رواه البخاري ومسلم)
الله عز وجل يُقرئ خديجة السلام عبر جبريل. تأمّل في عظمة هذا التكريم: سلام من ربّ العالمين على امرأة آمنت وصدّقت ووقفت مع الحق حين أعرض عنه الناس. وبشارة ببيت في الجنة «لا صخب فيه ولا نصب» — أي لا ضجيج ولا تعب — جزاءً على ما تحمّلته من مشقة ونصب في سبيل دعم زوجها ورسالته في هذه الدنيا.
سنوات الاضطهاد: المال في خدمة الرسالة
حين بدأ النبي ﷺ يدعو إلى الإسلام علناً، واجه عداءً شرساً من صناديد قريش الذين رأوا في دعوته تهديداً لسلطتهم ومصالحهم. وفي تلك السنوات العصيبة، كانت خديجة الحصن المنيع الذي يلوذ به النبي ﷺ بعد كل يوم من الأذى والرفض والسخرية.
لم يقتصر دعم خديجة على الكلمة الطيبة والاحتضان العاطفي — وإن كان ذلك عظيماً — بل أنفقت ثروتها الطائلة كلها في خدمة الدعوة الإسلامية. موّلت إيواء المسلمين الأوائل، وأعانت الضعفاء منهم، ووفّرت الحماية المالية للنبي ﷺ ليتفرّغ لرسالته. وقد ذكر المؤرخون أن خديجة كانت من أثرى نساء مكة، وأنها أنفقت كل ما تملك حتى لم يبقَ لديها شيء من تلك الثروة الكبيرة.
وهذا البذل لم يكن مجرد إنفاق مادي، بل كان تعبيراً عملياً عن إيمان مطلق بالرسالة والرسول. حين ينفق الإنسان كل ماله في سبيل قضية ما، فهو يقول بلسان الفعل: أنا مؤمن بهذه القضية أكثر من إيماني بأي شيء آخر في الدنيا. وهذا ما فعلته خديجة: اختارت الرسالة على الثروة، والإيمان على الرفاهية، والحب على كل ما يقدّمه العالم من إغراءات.
حصار شِعب أبي طالب: الحب في أقسى الظروف
في السنة السابعة من البعثة، فرضت قريش حصاراً اقتصادياً واجتماعياً شاملاً على بني هاشم وبني المطّلب — مسلمهم وكافرهم — في شِعب أبي طالب. كتبوا صحيفة علّقوها في جوف الكعبة تنصّ على أن لا يُبايعوهم ولا يُناكحوهم ولا يُجالسوهم حتى يُسلّموا لهم محمداً ﷺ. استمر هذا الحصار قرابة ثلاث سنوات عانى فيها المحاصرون من الجوع الشديد حتى أكلوا ورق الشجر.
وخديجة — المرأة التي اعتادت حياة الثراء والرفاهية — صبرت في هذا الحصار صبراً عجيباً. كانت قد تجاوزت الستين من عمرها، ومع ذلك تحمّلت الجوع والحرمان والبرد دون أن تتأفف أو تتراجع عن إيمانها. بل كانت تُعين زوجها وتُصبّره وتُؤازره في أحلك الظروف. وقد أثّر هذا الحصار في صحتها تأثيراً بالغاً كان من أسباب مرضها الذي تُوفّيت بسببه لاحقاً.
إنّ الحب الذي يصمد في شِعب أبي طالب — في الجوع والحصار والخوف — هو حب من نوع لا يعرفه إلا العظماء من البشر. ليس حباً تغذّيه المتعة والرفاهية، بل حباً تغذّيه القناعة المشتركة والإيمان الواحد والمصير الواحد. وهذا ما جعل قصة محمد وخديجة تتجاوز كل قصص الحب الرومانسية لتصل إلى مرتبة الحب الذي يصنع التاريخ.
عام الحزن: رحيل الحبيبة
في السنة العاشرة من البعثة النبوية — قبل الهجرة إلى المدينة بثلاث سنوات — تُوفّيت خديجة بنت خويلد رضي الله عنها. وقد تُوفّي في نفس العام تقريباً عمّ النبي أبو طالب الذي كان يحميه من أذى قريش. فجاء الموتان متتابعين ليُفقدا النبي ﷺ أعزّ شخصين على قلبه: الزوجة التي كانت سكنه وأمانه، والعم الذي كان حصنه ودرعه.
سمّى النبي ﷺ هذا العام «عام الحزن». وهذه التسمية وحدها تكشف عن عمق الجرح الذي تركه رحيل خديجة في قلبه. فالنبي ﷺ الذي تحمّل سخرية قريش واتهاماتهم وأذاهم الجسدي والنفسي لسنوات — هذا النبي القوي الصابر اعترف بأن فقد خديجة أغرقه في حزن سمّى به عاماً كاملاً.
وقد اشتدّ الأذى على النبي ﷺ بعد وفاة خديجة وأبي طالب اشتداداً بالغاً، حتى خرج إلى الطائف يلتمس النصرة فردّوه وأغروا به السفهاء والصبيان حتى أدموا قدميه الشريفتين. وفي تلك اللحظة القاسية كان يفتقد خديجة أشدّ ما يكون الافتقاد — تلك المرأة التي كانت تمسح دموعه وتُضمّد جراحه وتقول له: كلّا والله لا يُخزيك الله أبداً.
وفاء يتجاوز الموت: إني قد رُزقت حبّها
الذي يجعل هذه القصة فريدة حقاً ليس فقط ما حدث في حياة خديجة، بل ما حدث بعد وفاتها بسنوات طويلة. فقد ظلّ النبي ﷺ يذكرها بالخير والثناء والبكاء حتى آخر حياته، في وفاء لم يعرف التاريخ له نظيراً.
❝ إني قد رُزقتُ حُبَّها ❞
النبي محمد ﷺ عن خديجة — (رواه مسلم)
كلمة «رُزقت» في هذا الحديث تحمل بُعداً إيمانياً عميقاً. فالنبي ﷺ لم يقل «أحببتها» كفعل اختياري بشري، بل قال «رُزقت حبها» أي أن هذا الحب كان رزقاً من الله ونعمة إلهية. وكما يشكر الإنسان ربه على رزق المال والصحة والذرية، فإن النبي ﷺ يشكره على رزق الحب. وهذا يفتح باباً واسعاً في فهم طبيعة الحب في الإسلام: إنه هبة ربانية ونعمة تستحق الشكر والحفظ.
وقد روت عائشة رضي الله عنها مظاهر هذا الوفاء النبوي بصراحة مؤثرة:
❝ ما غِرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غِرت على خديجة، وما رأيتها قطّ، ولكنّه كان يُكثر ذكرها ❞
عائشة رضي الله عنها — (متفق عليه)
عائشة لم ترَ خديجة قطّ — فقد توفيت خديجة قبل زواج النبي ﷺ من عائشة — لكنها غارت منها أكثر من أي امرأة حيّة. والسبب أن النبي ﷺ كان يُكثر ذكرها ويُثني عليها ويتحدث عنها بحنين واضح لا يخفى على أحد. كان إذا ذبح الشاة يقطعها ويُرسلها إلى صديقات خديجة إكراماً لذكراها، وكان إذا سمع صوت أخت خديجة — هالة بنت خويلد — ارتاح وفرح لأن صوتها يُشبه صوت خديجة.
هذا الوفاء المستمر بعد سنوات من الوفاة يكشف عن حب عميق لا يمحوه الزمن ولا يُنسيه كثرة الشواغل ولا تُضعفه مرافقة زوجات أخريات. إنه حب أصبح جزءاً من هوية النبي ﷺ نفسها، لا يمكن فصله عنه كما لا يمكن فصل الروح عن الجسد.
دروس خالدة من قصة محمد وخديجة
من خلال تأمّلنا في قصة محمد ﷺ وخديجة رضي الله عنها، نستخلص دروساً عميقة في الحب والزواج والحياة، دروساً تتجاوز حدود الزمان والمكان لتخاطب كل إنسان يبحث عن الحب الحقيقي:
الدرس الأول: الحب شراكة لا تبعية. لم تكن خديجة تابعة لمحمد ﷺ ولم يكن هو تابعاً لها. كانت علاقتهما قائمة على شراكة حقيقية يُكمل كل طرف فيها الآخر. هي أعطته المال والدعم والإيمان، وهو أعطاها الحب والوفاء والرسالة التي آمنت بها. هذا النموذج يُعلّمنا أن الزواج الناجح ليس علاقة سيطرة بل علاقة تكامل.
الدرس الثاني: الإيمان بالشريك أعظم هدية. أعظم ما قدّمته خديجة لمحمد ﷺ لم يكن مالها بل إيمانها به. حين شكّ في نفسه قالت له: كلّا والله لا يُخزيك الله أبداً. هذا الإيمان بالإنسان في لحظة ضعفه هو أثمن ما يمكن أن يُقدّمه المحب لمحبوبه. كلنا نحتاج إلى شخص يقول لنا حين نشكّ في أنفسنا: أنا أؤمن بك.
الدرس الثالث: الوفاء لا ينتهي بالموت. وفاء النبي ﷺ لخديجة بعد رحيلها يُعلّمنا أن الحب الصادق لا يُمحى بالغياب. وفي السياق الزوجي المعاصر، يعني هذا أن نحفظ ذكرى اللحظات الجميلة ونبنيها، وأن لا ندع الروتين أو الخلافات اليومية تمحو تاريخ الحب المشترك.
الدرس الرابع: الدعم في الشدة أبلغ من الحب في الرخاء. خديجة أنفقت مالها وتحمّلت الحصار وصبرت على الأذى. هذا الحب الذي يُثبت نفسه في ساعات الشدة هو الحب الذي يستحق اسمه. فالحب السهل في أوقات الرفاهية يعرفه كل أحد، أما الحب الذي يصمد في الحصار والجوع والخوف فذلك هو الحب النادر.
الدرس الخامس: المرأة القوية شريكة الرجل العظيم. خديجة لم تكن ضعيفة ولا محتاجة. كانت امرأة مستقلة مالياً، صاحبة رأي وحكمة، رفضت كبار رجال قريش واختارت من اختارته بإرادتها الحرة. وقصتها تُثبت أن المرأة القوية المستقلة ليست تهديداً للرجل بل هي أعظم سند له. وقد كان محمد ﷺ يعتزّ بقوة خديجة واستقلالها ولم يرَ فيهما نقصاً بل رأى فيهما كمالاً. وهذا النموذج يحتاج إليه عالمنا المعاصر أشدّ الحاجة، حين يظن بعض الناس أن الحب يتطلب إضعاف أحد الطرفين لصالح الآخر.
إنّ قصة محمد ﷺ وخديجة ليست قصة ماضٍ نتأملها بإعجاب ثم ننساها، بل هي منهج حياة يصلح لكل زمان ومكان. تُعلّمنا أن الحب الحقيقي يقوم على الاحترام والشراكة والإيمان المتبادل، وأن أعظم هدية يمكن أن يُقدّمها الإنسان لشريكه هي الإيمان به في لحظات الشك والوقوف بجانبه في ساعات الشدة. نسأل الله أن يرزقنا حباً كحب محمد لخديجة — حباً يبنيه الإيمان وتصونه الشراكة ويُخلّده الوفاء.
