أحاديث عن الحب بين الزوجين

كيف عبّر النبي ﷺ عن حبه لزوجاته — نماذج حيّة في المودة الزوجية من أصحّ الأحاديث

~18 دقيقة قراءة

«خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»

رواه الترمذي — صحيح

مقدمة: النبي ﷺ أعظم زوج عرفته البشرية

حين نتحدث عن الحب بين الزوجين في الإسلام، فإن الحديث يبدأ وينتهي عند النبي محمد ﷺ — الرجل الذي جمع بين مقام النبوة وقيادة أمة بأسرها، وبين أن يكون أرقّ الأزواج وأكثرهم تعبيراً عن الحب والمودة لأهله. لم يكن النبي ﷺ يرى في التعبير عن الحب منقصة أو ضعفاً، بل كان يعتبره جزءاً أصيلاً من كمال الإنسان وكمال الإيمان.

إن السيرة النبوية تكشف لنا عن رجل كان يُسابق زوجته على الأقدام، ويشرب من موضع شفتيها، ويُصرّح بحبه أمام أصحابه دون حرج، ويبكي وفاءً لزوجته الأولى بعد سنوات من وفاتها. هذه الصورة المُشرقة للحب الزوجي النبوي تهدم كل الأعراف الاجتماعية المغلوطة التي تربط الرجولة بالجفاء والقسوة، وتُؤسس لمفهوم جديد يقوم على أن خير الرجال أرقّهم مع أهله.

وقد جاءت الأحاديث النبوية الشريفة لتُوثّق هذا الحب بأدق تفاصيله، فحفظت لنا كلمات النبي ﷺ في حب زوجاته، ومواقفه اليومية معهن، وتوجيهاته لأمته في التعامل مع شريكة الحياة. وفي هذا المقال نتأمل في أصحّ الأحاديث التي تكشف عن أعمق نموذج للحب الزوجي عرفه تاريخ البشرية.

والحديث الذي يلخّص هذا كلّه هو قوله ﷺ: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» (رواه الترمذي — صحيح). فقد جعل النبي ﷺ من حسن المعاملة الزوجية ميزاناً للخيرية، ثم قدّم نفسه كنموذج أعلى ليُثبت أن هذا المعيار ليس مجرد كلام نظري بل واقع يعيشه في بيته كل يوم.

حب النبي ﷺ لخديجة: وفاء لا ينتهي

خديجة بنت خويلد رضي الله عنها لم تكن مجرد زوجة في حياة النبي ﷺ — بل كانت السكن والأمان والحب الأول الذي لم يُنسَ أبداً. كانت أول من آمن به، وأول من احتضنه حين نزل عليه الوحي وهو يرتجف خائفاً، وأول من قال له: «كلا والله، لا يُخزيك الله أبداً». ظلّت خديجة في قلب النبي ﷺ حيّة نابضة حتى بعد وفاتها بسنوات طويلة، وهذا الوفاء النبوي هو من أروع صور الحب الزوجي في التاريخ الإنساني.

الحب كرزق من الله

من أعظم ما قاله النبي ﷺ في حب خديجة كلمته الخالدة:

«إني رُزقت حبّها»

(رواه مسلم — صحيح)

تأمّل في هذه الكلمة النبوية: «رُزقت». لم يقل «اخترت حبها» أو «أحببتها بإرادتي»، بل قال «رُزقت حبها» — أي أن حب خديجة كان رزقاً إلهياً ونعمة من الله أنعم بها عليه. وهذا يفتح باباً واسعاً في فهم طبيعة الحب الزوجي في الإسلام: إنه ليس مجرد عاطفة بشرية عابرة، بل هو هبة من الله يمنحها لمن يشاء من عباده. وكما يشكر الإنسان ربه على رزق المال والصحة، ينبغي أن يشكره على رزق الحب.

قال الإمام النووي في شرح هذا الحديث إن فيه دلالة على أن الحب بين الزوجين من أجلّ النعم الإلهية، وأن العبد ينبغي أن يحمد الله عليه ويسأله المزيد. وقال ابن حجر العسقلاني إن في قوله «رُزقت» إشارة إلى أن هذا الحب جاء دون تكلّف، بل كان فطرياً طبيعياً مباركاً من الله تعالى.

وفاء بعد الموت

من أبلغ مظاهر حب النبي ﷺ لخديجة أنه لم ينسها بعد وفاتها. بل كان يذبح الشاة ويقطعها ثم يُرسلها إلى صديقات خديجة، إكراماً لذكراها وحفظاً لودّها. وكان إذا جاءته هدية سأل: «أَرسِلوا بها إلى فلانة، فإنها كانت صديقة خديجة». هذا الوفاء المستمر بعد سنوات من الوفاة يكشف عن حب عميق لا يمحوه الزمن ولا يُنسيه كثرة الشواغل.

وقد روت عائشة رضي الله عنها هذا الوفاء بصراحة مؤثرة:

«ما غِرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غِرت على خديجة، وما رأيتها قط، ولكنه كان يُكثر ذكرها»

(متفق عليه — صحيح)

تأمّل: عائشة لم ترَ خديجة قط — فقد توفيت خديجة قبل زواج عائشة من النبي ﷺ — لكنها غارت منها أكثر من أي امرأة أخرى. والسبب أن النبي ﷺ كان يُكثر ذكرها ويُثني عليها ويتحدث عنها بحب وحنين. وهذا يُعلّمنا أن الحب الحقيقي بين الزوجين لا يموت بموت أحدهما، بل يظل حياً في القلب يتجلّى في الذكر والوفاء والدعاء.

صوت هالة وذكرى خديجة

ومن المواقف التي تكشف عمق هذا الحب أن هالة بنت خويلد — أخت خديجة — جاءت تستأذن على النبي ﷺ يوماً، فلما سمع صوتها ارتاح لذلك لأن صوتها كان يُشبه صوت خديجة. فقد كان أي شيء يُذكّره بخديجة يبعث في نفسه السرور والحنين. وهذا من أصدق علامات الحب الذي لا يُنسى.

حب النبي ﷺ لعائشة: الحب الصريح

إذا كان حب النبي ﷺ لخديجة يُمثّل الوفاء والحنين، فإن حبه لعائشة رضي الله عنها يُمثّل الحب الصريح الذي لا يخجل من التعبير عن نفسه. لقد كسر النبي ﷺ بحبه لعائشة كل الأعراف الاجتماعية التي كانت — وما زالت — تعتبر تصريح الرجل بحبه لزوجته ضعفاً أو عيباً.

التصريح بالحب أمام الناس

سُئل النبي ﷺ: أيّ الناس أحبّ إليك؟ قال: «عائشة»

(رواه البخاري — صحيح)

هذا الحديث رواه عمرو بن العاص رضي الله عنه، وهو من أصرح الأحاديث في باب الحب الزوجي. تخيّل المشهد: صحابي يسأل النبي ﷺ — قائد الأمة ورسول الله — أيّ الناس أحبّ إليك؟ فيجيب دون تردد ودون مواربة: «عائشة». لم يقل «الله ورسوله» تجنباً للإحراج، ولم يذكر اسم رجل من أصحابه حتى لا يُقال إنه يحب زوجته. بل صرّح بحبه لزوجته أمام الناس بكل وضوح، ليُعلّم أمته أن حب الزوجة ليس ضعفاً بل هو من كمال الإنسانية.

الشرب من موضع شفتيها

ومن أرقّ صور الحب النبوي ما روته عائشة رضي الله عنها أنها كانت تشرب من الإناء وهي حائض، فيأخذه النبي ﷺ ويضع فاه على موضع فيها ويشرب (رواه مسلم — صحيح). هذا الفعل البسيط يحمل دلالات عميقة: إنه تعبير عن القرب والألفة والحب الذي لا يتأثر بالظروف. كما أنه يهدم فكرة “النجاسة” التي كانت بعض الثقافات تُلصقها بالمرأة الحائض، ويُثبت أن الحب لا يعرف هذه الحواجز.

السباق بين الزوجين

«سابقني النبي ﷺ فسبقتُه، ثم سابقني بعد أن حملتُ اللحم فسبقني، فقال: هذه بتلك»

(رواه أبو داود — صحيح)

هذا الحديث يكشف عن جانب مهم من الحياة الزوجية النبوية: المرح والملاعبة والمشاركة في أنشطة ممتعة. النبي ﷺ — رغم مشاغله العظيمة في قيادة أمة وتبليغ رسالة — كان يجد الوقت ليُسابق زوجته ويمرح معها. والأجمل أنه لم يغضب حين سبقته في المرة الأولى، بل انتظر حتى سبقها في المرة الثانية وقال بمرح: «هذه بتلك» — كأنه يُسوّي الحساب بروح الدعابة والحب.

حبّك كالعقدة في الحبل

ومن اللطائف التي تكشف عمق المودة بين النبي ﷺ وعائشة، أنها كانت تسأله أحياناً عن حبه لها، فكان يقول لها ما معناه أن حبها في قلبه كالعقدة في الحبل — أي ثابت راسخ لا يتزحزح. وكانت عائشة تسأله من حين لآخر: «كيف حبك لي؟» فيقول: «كعقدة الحبل»، فتقول: «كيف العقدة؟» فيجيب بما يُطمئنها أن هذا الحب ثابت لم يتغيّر. وهذا الحوار العاطفي بين الزوجين يُعلّمنا أن تجديد التأكيد على الحب ليس أمراً تافهاً، بل هو حاجة إنسانية طبيعية يستحقها كل شريك حياة.

لم يُرَ للمتحابّين مثل النكاح

«لم يُرَ للمتحابّين مثل النكاح»

(رواه ابن ماجه — حسن)

هذا الحديث النبوي الشريف يضع الزواج في مكانته الحقيقية: إنه أفضل وعاء للحب وأنسب إطار لتحقيقه. فالنبي ﷺ لم يقل: «لم يُرَ للمتحابّين مثل الشعر» أو «مثل الهجران»، بل قال «مثل النكاح». وهذا يعني أن الحب في التصور الإسلامي لا يكتمل ويُثمر إلا حين يجد له إطاراً شرعياً مباركاً يحميه ويُنضجه.

قال الإمام ابن القيم في تعليقه على هذا الحديث إن الزواج يجمع بين أنواع المحبة كلها: محبة القرب والأنس، ومحبة الإحسان والعطاء، ومحبة الألفة والمشاركة، ومحبة الجمال الظاهري والباطني. وما من علاقة إنسانية أخرى تجمع هذه الأنواع كلها كما يجمعها الزواج. ولذلك قال النبي ﷺ إنه لم يُرَ للمتحابين ما يُعالج حبهم ويُشبعه ويُبارك فيه مثل عقد النكاح.

وهذا الحديث يُقدّم رؤية واقعية ناضجة للحب: فالحب وحده لا يكفي ما لم يجد إطاراً يحتضنه ويحميه. والزواج هو ذلك الإطار الذي يُحوّل العاطفة العابرة إلى مودة دائمة ورحمة مستمرة وسكينة تملأ البيت. فمن أحبّ فليتزوج، ومن تزوج فليُحسن، ومن أحسن فقد حقّق مراد الله من الزواج.

الملاعبة والمداعبة بين الزوجين

من أجمل ما في السنة النبوية أنها لم تجعل الحياة الزوجية مجرد واجبات ومسؤوليات جافة، بل ملأتها بـالمرح والملاطفة والمداعبة. لقد كان النبي ﷺ يعيش مع أهله حياة مليئة بالبسمة والضحكة والمزاح اللطيف، وهذا ما يجعل البيت النبوي نموذجاً حياً لكل أسرة مسلمة.

إطعام اللقمة صدقة

من أرقّ الأحاديث في هذا الباب ما رواه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:

«إنك لن تُنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجرت عليها، حتى ما تجعله في فِيّ امرأتك»

(متفق عليه — صحيح)

تأمّل كيف حوّل النبي ﷺ فعلاً بسيطاً — كأن يضع الزوج اللقمة في فم زوجته — إلى صدقة يُؤجر عليها عند الله. هذا الحديث يرفع كل لحظات الحنان والعطف بين الزوجين من مجرد أفعال دنيوية إلى مرتبة العبادة. فكل كلمة حب، وكل لمسة حنان، وكل لقمة يُطعمها الزوج لزوجته بنية الإحسان، هي عبادة مأجورة ومثابة عند الله.

المزاح مع الزوجات

كان النبي ﷺ يمزح مع زوجاته مزاحاً لطيفاً يُضفي على البيت جواً من البهجة والسعادة. وكان يجلس مع عائشة يتحدثان ويضحكان، وكان يحكي لها ويحكي لهن. قال الإمام الغزالي في “إحياء علوم الدين” إن الملاعبة والمداعبة بين الزوجين من آداب الزواج التي حثّ عليها الإسلام، لأنها تُقوّي الرابطة العاطفية وتُجدد الحب وتمنع الملل والجفاء من التسلل إلى العلاقة.

الرفق في المعاملة

وقد جعل النبي ﷺ الرفق أساساً في التعامل بين الزوجين، فقال:

«إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه»

(رواه مسلم — صحيح)

وهذا الحديث عام في كل شيء، لكنه في العلاقة الزوجية أشد وضوحاً: فالرفق في الكلام، والرفق في الطلب، والرفق في العتاب، والرفق في حل الخلافات — كلها تُزيّن العلاقة وتُجمّلها. أما الغلظة والقسوة فإنها تُشوّه أجمل العلاقات وتُحيلها إلى جحيم. والنبي ﷺ كان أرفق الناس بأهله، لا يرفع صوته عليهن ولا يُقبّح لهن قولاً.

التعبير عن الحب: سنة نبوية

من أهم الدروس التي نستخلصها من الأحاديث النبوية عن الحب الزوجي أن التعبير عن الحب ليس ترفاً بل ضرورة. فالحب المكتوم في الصدر — وإن كان موجوداً — لا يُحقق ثمرته الكاملة حتى يُعبَّر عنه بالكلمة واللمسة والفعل.

«إذا أحبّ أحدكم أخاه فليُعلمه أنه يحبه»

(رواه أبو داود — صحيح)

هذا الحديث وإن كان عاماً في حب الأخوّة، فإنه في العلاقة الزوجية أَوْلى وأشد أهمية. فإذا كان النبي ﷺ يأمر بإعلام الأخ بحبك له، فكيف بإعلام شريك حياتك الذي هو أقرب الناس إليك؟ إن كثيراً من المشكلات الزوجية تنشأ لا من غياب الحب بل من غياب التعبير عنه. فالزوج قد يحمل في قلبه بحراً من الحب لكنه لا يُعبّر عنه، فتشعر زوجته بالجفاء والإهمال رغم وجود الحب.

والنبي ﷺ لم يكتفِ بتوجيه أمته إلى التعبير عن الحب، بل كان هو نفسه أعظم من عبّر عن حبه. صرّح بحبه لعائشة أمام أصحابه، وأعلن حبه لخديجة بعد وفاتها، ولم يستحِ من أن يقول للناس إنه يُحب زوجته. وهذه الصراحة النبوية في التعبير عن الحب الزوجي تهدم كل الحواجز الوهمية التي يبنيها بعض الرجال بين أنفسهم وبين التعبير عن مشاعرهم.

وقد نقل الإمام ابن القيم عن بعض السلف أن التودد إلى الزوجة بالكلمة الحسنة والثناء عليها والتعبير عن الحب لها هو من أعظم أسباب استقرار البيت المسلم ودوام المودة فيه. فالقلب البشري يحتاج إلى أن يسمع كلمات الحب ويرى أفعاله، ولا يكفي أن يُحس بوجوده الصامت.

أحاديث عن حقوق الزوجة العاطفية

لم يترك النبي ﷺ حقوق الزوجة العاطفية للاجتهاد الشخصي أو للأعراف الاجتماعية المتغيرة، بل جعلها جزءاً من الدين وربطها بالإيمان والخيرية. وقد جاءت أحاديث كثيرة تُرسّخ هذه الحقوق وتُؤكد عليها.

«استوصوا بالنساء خيراً»

(متفق عليه — صحيح)

هذا الحديث من خطبة الوداع — آخر خطبة خطبها النبي ﷺ أمام أكبر تجمّع في حياته. ومعنى ذلك أن الوصية بالنساء كانت من آخر ما أوصى به النبي ﷺ أمته، مما يدل على عظم مكانة هذه الوصية وأهميتها. كلمة «استوصوا» تعني اقبلوا الوصية وتقبّلوها والتزموا بها، وكلمة «خيراً» تشمل كل أنواع الخير: الخير المادي والعاطفي والمعنوي.

«أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم»

(رواه الترمذي — حسن صحيح)

في هذا الحديث العظيم يربط النبي ﷺ ثلاثة أمور ببعضها ربطاً محكماً: كمال الإيمان، وحسن الخلق، وحسن معاملة النساء. فأكمل الناس إيماناً ليس أكثرهم صلاة وصياماً فحسب — وإن كانت هذه عبادات عظيمة — بل هو أحسنهم خلقاً مع الناس عامة ومع زوجته خاصة. وهذا يعني أن الرجل الذي يُحسن معاملة زوجته ويُعاملها بالحب والاحترام هو أكمل إيماناً من الذي يُصلي النوافل ويصوم التطوع لكنه يُسيء إلى أهله.

وقد نهى النبي ﷺ عن كل ما يُؤذي الزوجة نفسياً وعاطفياً. فنهى عن ضرب الوجه وعن التقبيح — أي أن يقول لها: «قبّحك الله» — وعن الهجر خارج البيت. كل هذه النواهي تُرسّخ مبدأ أن الكرامة العاطفية للزوجة خط أحمر لا يجوز تجاوزه، وأن الحفاظ على مشاعرها واحترام كرامتها جزء لا يتجزأ من الدين.

دروس عملية من الحب النبوي

من خلال تأمّلنا في الأحاديث النبوية عن الحب بين الزوجين، يمكننا استخلاص دروس عملية تُصلح حياتنا الزوجية وتُقرّبنا من النموذج النبوي. وقد جمع العلماء الكلاسيكيون — كالغزالي في “إحياء علوم الدين” وابن القيم في “زاد المعاد” — خلاصات بالغة النفع من هذه الأحاديث، نُلخّص أهمها فيما يلي:

أولاً: لا تخجل من قول “أحبك”. النبي ﷺ صرّح بحبه لعائشة أمام أصحابه وصرّح بحبه لخديجة بعد وفاتها. فالتعبير عن الحب بالكلمة المباشرة سنة نبوية وحاجة إنسانية. قل لشريك حياتك أنك تحبه، وكرّر ذلك دائماً، فالقلوب تحتاج إلى سقاية دائمة بماء الكلمة الطيبة.

ثانياً: شارك شريك حياتك في لحظات المرح. سابق النبي ﷺ عائشة على الأقدام، وأكل معها من إناء واحد، وتحدث معها في شؤون الحياة. فلا تجعل علاقتك الزوجية مجرد واجبات ومسؤوليات، بل أضف إليها لحظات من المرح واللعب والمشاركة في أنشطة ممتعة.

ثالثاً: كن وفياً لذكرى الحب. وفاء النبي ﷺ لخديجة بعد وفاتها يُعلّمنا أن الحب الحقيقي لا ينتهي ولا يُنسى. وفي سياق الحياة الزوجية، يعني هذا أن تتذكر اللحظات الجميلة مع شريك حياتك وتُعيد ذكرها وتبني عليها، ولا تدع الروتين يمحو ذاكرة الحب.

رابعاً: اعتبر الحب رزقاً من الله واشكره عليه. قول النبي ﷺ «إني رُزقت حبها» يُعلّمنا أن الحب نعمة إلهية تستحق الشكر والحفظ. فلا تأخذ حب شريك حياتك كأمر مسلّم به، بل اشكر الله عليه واسأله أن يُبارك فيه ويُديمه.

خامساً: استخدم الرفق في كل شيء. حديث «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه» هو قاعدة ذهبية في الحياة الزوجية. فالرفق في الحوار، والرفق في النقد، والرفق في العتاب، والرفق حتى في لحظات الخلاف — كلها تحفظ الحب وتصونه من التآكل.

سادساً: اجعل من خدمة أهلك عبادة. كان النبي ﷺ يخدم أهله في بيته، يخصف نعله ويخيط ثوبه ويُساعد في أمور البيت. ولم يكن يرى في ذلك نقصاً من مقامه. فحين تُساعد زوجتك في المنزل أو تُساعد زوجك في أموره، فأنت تقتدي بخير البشر وتكسب الأجر من الله.

خاتمة: الحب الزوجي عبادة

في ختام هذا التأمل في الأحاديث النبوية عن الحب بين الزوجين، نصل إلى حقيقة جوهرية: الحب الزوجي في الإسلام ليس مجرد عاطفة بشرية بل هو عبادة يتقرب بها المسلم إلى الله. فكل كلمة حب تقولها لشريك حياتك هي سنة نبوية. وكل فعل رفق ومودة تُقدّمه هو اقتداء بخير الأزواج ﷺ. وكل لقمة تُطعمها لأهلك هي صدقة عند الله.

لقد رسم النبي ﷺ بحياته الزوجية صورة متكاملة للحب: حب يبدأ بالاختيار الحكيم، ويُعبَّر عنه بالكلمة الصريحة والفعل الصادق، ويُصان بالرفق والإحسان، ويدوم بالوفاء حتى بعد الموت. إنه حب لا يتعارض مع الدين بل هو جزء من الدين وثمرة من ثمراته.

وما أحوجنا اليوم — في عصر تتآكل فيه العلاقات الزوجية وتنهار فيه الأسر — إلى العودة لهذا النموذج النبوي المُشرق. عودة لا تقوم على الحنين إلى الماضي بل على تطبيق عملي لما علّمنا إياه النبي ﷺ: أن نُحب أهلنا ونُعبّر عن حبنا لهم، وأن نرفق بهم ونُحسن إليهم، وأن نجعل من بيوتنا واحات سكينة ومودة ورحمة.

قال الإمام ابن القيم: إن محبة الأزواج وحسن العشرة بينهم من أعظم القربات إلى الله، لأن الله جعل بينهم مودة ورحمة وجعل الزوج سكناً لزوجته والزوجة سكناً لزوجها، فمن حفظ هذه الأمانة فقد حفظ عهداً عظيماً مع الله.

فلنجعل من هذه الأحاديث النبوية منهاجاً لحياتنا الزوجية، ولنتذكر أن خيرنا خيرنا لأهله، وأن الحب رزق من الله نشكره عليه ونسأله المزيد، وأن كل فعل مودة بين الزوجين هو عبادة يرضى عنها الله ويُثيب عليها. نسأل الله أن يجعل بيوتنا عامرة بالمودة والسكينة والرحمة، وأن يرزقنا حباً صادقاً مباركاً يكون لنا ذخراً في الدنيا والآخرة.

أسئلة شائعة

ما أشهر حديث نبوي عن الحب بين الزوجين؟
أشهر حديث في هذا الباب هو قوله ﷺ: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» (رواه الترمذي — صحيح). هذا الحديث يجعل من حسن معاملة الأهل والزوجة معياراً للخيرية، ويُقدّم النبي ﷺ نفسه كأعلى نموذج في ذلك. كما يُعدّ حديث «لم يُرَ للمتحابّين مثل النكاح» (رواه ابن ماجه — حسن) من أشهر الأحاديث التي تربط الحب بالزواج.
كيف كان النبي ﷺ يُعبّر عن حبه لزوجاته؟
كان النبي ﷺ يُعبّر عن حبه بطرق متعددة: التصريح المباشر بالحب حين سُئل «أيّ الناس أحب إليك؟» فقال: «عائشة» (رواه البخاري)، والشرب من موضع شفتي عائشة في الإناء (رواه مسلم)، والمسابقة معها على الأقدام (رواه أبو داود)، وذكر خديجة بالخير بعد وفاتها بسنوات. كما كان يُمازح زوجاته ويُلاطفهن ويخدمهن في البيت.
ما معنى قول النبي ﷺ «إني رُزقت حبها» عن خديجة؟
هذا الحديث (رواه مسلم) يحمل معنى عميقاً: أن حب خديجة رضي الله عنها كان رزقاً من الله ونعمة إلهية، وليس مجرد اختيار بشري. فكما يرزق الله العبد المال والصحة، يرزقه كذلك الحب الصادق. وهذا المفهوم يُعلّمنا أن نشكر الله على نعمة الحب وأن ندعوه أن يرزقنا حباً صادقاً مباركاً.
هل كان النبي ﷺ يُسابق زوجته عائشة؟
نعم، روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ سابقها على الأقدام فسبقته، ثم سابقها بعد فترة فسبقها، فقال: «هذه بتلك» (رواه أبو داود — صحيح). هذا الحديث يكشف جانباً مهماً من الحياة الزوجية النبوية: المرح والملاعبة والمشاركة في أنشطة ممتعة. كما يُظهر أن النبي ﷺ لم يكن يرى في اللعب مع زوجته أمراً يتنافى مع مقام النبوة.
ما هي حقوق الزوجة العاطفية في الحديث النبوي؟
حدّد النبي ﷺ حقوقاً عاطفية واضحة للزوجة، منها: حسن المعاملة في قوله «استوصوا بالنساء خيراً» (متفق عليه)، والرفق بها في قوله «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه» (رواه مسلم)، وعدم إهانتها أو تقبيح وجهها. كما جعل خير المسلمين خيرهم لنسائهم في قوله «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وخياركم خياركم لنسائهم» (رواه الترمذي — حسن صحيح).
هل الحب الزوجي يُعدّ عبادة في الإسلام؟
نعم، الحب الزوجي عبادة يتقرب بها المسلم إلى الله. فقد جعل النبي ﷺ إطعام الزوج لزوجته لقمة صدقة يُؤجر عليها (متفق عليه)، وجعل المعاشرة بين الزوجين صدقة أيضاً. كما أن حسن المعاملة الزوجية هو معيار الخيرية في الحديث «خيركم خيركم لأهله». فكل فعل حب وودّ بين الزوجين — من الكلمة الطيبة إلى المساعدة في أمور البيت — هو عبادة يُثاب عليها المسلم.