أحاديث عن الرحمة في البيت — الرفق والحنان في الحياة الأسرية

كيف جعل النبي ﷺ الرحمة أساساً لبناء البيت المسلم وتربية الأبناء وعلاقة الزوجين

~15 دقيقة قراءة

“مَن لا يَرحم لا يُرحم”

متفق عليه — صحيح

مقدمة: البيت المسلم مملكة الرحمة

حين تدخل بيتاً تسوده الرحمة تشعر بذلك من لحظة عبورك العتبة — في نبرة الأصوات وطريقة الحديث ودفء النظرات المتبادلة بين أهله. والرحمة ليست مجرد عاطفة عابرة تُحسّ في لحظات خاصة، بل هي منهج حياة كامل يُشكّل ملامح البيت المسلم ويحدد طبيعة العلاقات بين أفراده. إنها الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء — السكينة والمودة والتربية والتعامل اليومي.

وقد جعل الله عز وجل الرحمة صفة من صفاته العُليا، فسمّى نفسه الرحمن الرحيم، وافتتح بهما كل سورة من سور القرآن الكريم إلا واحدة. ثم أنزل هذه الرحمة في قلوب عباده ليتراحموا فيما بينهم، وجعل أولى الناس بهذه الرحمة أهل البيت الواحد — الزوج وزوجته، والوالدان وأبناؤهما. فالبيت المسلم ليس مجرد جدران وسقف بل هو محراب رحمة يتعلم فيه الإنسان أن يُحب ويُحَب، وأن يرحم ويُرحَم.

والسنة النبوية زاخرة بالأحاديث التي ترسم لنا صورة البيت الرحيم — بيت النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان مدرسة حيّة في الرفق والحنان. كان بيتاً يُقبَّل فيه الأطفال ويُلاعبون، وتُحترم فيه الزوجات ويُصبَر عليهن، ويسود فيه التسامح والعفو والكلمة الطيبة. في هذا المقال نسافر مع أحاديث الرحمة في البيت لنتعلم كيف نبني بيوتاً تشبه بيت النبوة في رحمتها وسكينتها.

من لا يَرحم لا يُرحم: الحديث المؤسس

هذا الحديث العظيم يُعدّ من أهم الأحاديث النبوية في باب الرحمة، وقد رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه. والقصة التي ورد فيها تكشف عن موقف تربوي نبوي بالغ الأهمية: فقد قبّل النبي صلى الله عليه وسلم حفيده الحسن بن علي رضي الله عنهما، فقال الأقرع بن حابس التميمي وكان جالساً عنده: إن لي عشرة من الولد ما قبّلت منهم أحداً. فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: “مَن لا يَرحم لا يُرحم”.

“مَن لا يَرحم لا يُرحم”

(متفق عليه — صحيح)

والأقرع بن حابس كان سيداً من سادات بني تميم، وكان قومه يُعرفون بالشدة والصرامة في التربية. فكان يرى أن تقبيل الأبناء ضعف لا يليق بالرجال. لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُوافقه على هذه النظرة بل صحّح له مفهوم الرجولة — فالرجولة الحقيقية ليست في القسوة والجفاء بل في الرحمة والحنان. والرجل الذي لا يُقبّل أبناءه ولا يُظهر لهم الحب ليس قوياً بل هو محروم من نعمة عظيمة نزعها الله من قلبه.

وفي رواية أخرى عند مسلم: “أَوَأملك أن نزع الله من قلبك الرحمة”. وهذه العبارة تكشف عن حقيقة عميقة: أن الإنسان الذي لا يرحم أهله وأبناءه إنما نُزعت الرحمة من قلبه، وهذا النزع ابتلاء عظيم يستحق الشفقة لا الاقتداء. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يُعاتب الأقرع بن حابس بقسوة بل أشفق عليه وبيّن له أن فقدان الرحمة مصيبة في حد ذاتها.

قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم: في هذا الحديث الحثّ على الرحمة والرفق بالأولاد وتقبيلهم وملاطفتهم. وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: قوله “من لا يَرحم لا يُرحم” يحتمل أن يكون المراد من لا يرحم الناس لا يرحمه الله، ويحتمل أن يكون المراد من لا يرحم لا يرحمه الناس. والأظهر أنه يشمل الأمرين معاً — فمن قسا قلبه على عباد الله حُرم رحمة الله ورحمة الناس.

الرفق في كل شيء

من أعظم الأحاديث التي تُؤصّل لمبدأ الرفق في الإسلام ما رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله رفيق يُحب الرفق في الأمر كله”. وهذا الحديث يُقرّر قاعدة شاملة: الرفق مطلوب في كل شيء — في التعامل مع الزوجة والأبناء، في التربية والتوجيه، في الأمر والنهي، في العتاب والمحاسبة، حتى في لحظات الغضب والخلاف.

“إنّ الله رفيق يُحب الرفق في الأمر كله”

(متفق عليه — صحيح)

وقد جاء في رواية الإمام مسلم حديث آخر يُعمّق هذا المعنى: “ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه”. وهذا الحديث يضع معادلة واضحة: الرفق يُجمّل كل شيء يدخل فيه — يُجمّل العلاقة الزوجية، ويُجمّل تربية الأبناء، ويُجمّل الحوار والنقاش، ويُجمّل حتى العتاب والمحاسبة. والعكس صحيح: القسوة والخشونة تُشوّه كل شيء تدخل فيه مهما كان في أصله حسناً.

“ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه”

(رواه مسلم — صحيح)

وسبب ورود حديث “إن الله رفيق يُحب الرفق” يكشف عن بُعد عملي مهم. فقد جاء حين دخل نفر من اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليكم (أي الموت عليكم). فسمعتهم عائشة رضي الله عنها فقالت: وعليكم السام واللعنة. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: “مهلاً يا عائشة، إن الله يُحب الرفق في الأمر كله”. فعلّمها أن الرفق مطلوب حتى مع من يُسيء إليك — فكيف بأهل بيتك الذين هم أقرب الناس إليك وأحقهم برفقك؟

قال الإمام الغزالي رحمه الله في إحياء علوم الدين: الرفق في البيت أساس كل خير فيه. فإذا رفق الرجل بأهله رفقوا به، وإذا قسا عليهم قسوا عليه. والبيت الذي يسوده الرفق تسوده البركة والسكينة، والبيت الذي يسوده العنف والقسوة تنزع منه البركة ويفرّ منه أهله. فالرفق مفتاح القلوب المغلقة وباب الرحمة الذي لا يُقفل.

وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الرفق له ثواب عظيم عند الله. ففي حديث عائشة رضي الله عنها: “إن الله يُعطي على الرفق ما لا يُعطي على العنف” (رواه مسلم). أي أن الإنسان ينال بالرفق ما لا يناله بالشدة — ينال طاعة أبنائه ومحبة زوجته وسكينة بيته ورضا ربه. أما العنف فلا يُنتج إلا الخوف والنفور والتفكك.

رحمة النبي ﷺ مع أهل بيته

لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالرحمة من بعيد بل كان هو نفسه أرحم الناس بأهل بيته. وقد وصفه الله تعالى بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (سورة الأنبياء: 107). فإذا كان رحمة للعالمين كلهم فكيف كانت رحمته بأقرب الناس إليه — أهل بيته وأبناؤه وأحفاده؟

رحمته بالحسن والحسين

كان النبي صلى الله عليه وسلم يُقبّل حفيديه الحسن والحسين رضي الله عنهما ويحملهما على كتفيه ويُلاعبهما. روى البخاري أنه صلى الله عليه وسلم كان يأخذ الحسن فيضعه على عاتقه ويقول: “اللهم إني أُحبه فأحبّه”. وروي أنه كان يمشي وعلى كتفه الحسن أو الحسين فيمرّ به الرجل فيقول: نعم المركب ركبت يا غلام، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: ونعم الراكب هو.

ومن أروع المواقف أنه صلى الله عليه وسلم أطال السجود في صلاة الجماعة مرة حتى ظنّ الصحابة أنه نزل عليه وحي أو حدث أمر. فلما سلّم سألوه فقال: “إن ابني هذا ارتحلني (ركب على ظهري) فكرهت أن أُعجّله حتى يقضي حاجته”. تأمّل هذا المشهد: قائد أمة في صلاته يسجد وحفيده يركب على ظهره، فلا يُزعجه ولا يُنزله بل يصبر حتى ينزل الطفل بنفسه. أيّ رحمة هذه وأيّ حنان!

حمل أمامة في الصلاة

ومن المواقف التي رواها البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحمل أمامة بنت زينب (حفيدته) وهو يُصلّي بالناس. فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها. وهذا الموقف يكسر تماماً الصورة النمطية عن الرجل العربي الذي لا يحمل الأطفال ولا يُظهر حنانه أمام الناس. فها هو قائد الأمة وإمام المسلمين يحمل حفيدته الصغيرة في أعظم عبادة وأمام أعين المصلّين — بلا حرج ولا تردد.

صبره ورفقه مع زوجاته

كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبر على زوجاته صبراً عجيباً. روت عائشة رضي الله عنها أنه ما ضرب امرأة قط ولا خادماً (رواه مسلم). وكان إذا غضبت إحدى زوجاته لاطفها وصبر عليها ولم يُقابل غضبها بغضب. وكان يستمع إلى شكوى زوجاته ولا يُسكتهن بالقوة. بل كان يسمح لعائشة أن تُراجعه في الكلام وتُناقشه، وكان يتحمل غيرتها الشديدة من ضرائرها بابتسامة وحلم.

ومن أجمل صور الرحمة النبوية مع الزوجات أنه صلى الله عليه وسلم كان يُعين أهله في خدمة البيت. سُئلت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مِهنة أهله (أي في خدمتهم) — يخصف نعله ويخيط ثوبه ويحلب شاته. فلم يكن يرى في خدمة البيت عيباً ولا نقصاً من رجولته، بل كان يراها جزءاً من رحمته بأهله وتخفيفاً عنهم.

الرحمة بين الزوجين

جعل الله تعالى الرحمة ركناً أساسياً في العلاقة الزوجية. قال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (سورة الروم: 21). فذكر المودة والرحمة معاً لأنهما جناحا الحياة الزوجية — بالمودة يتقاربان وبالرحمة يتحمّلان. والرحمة بين الزوجين تظهر في لحظات الضعف والمرض والخلاف أكثر مما تظهر في أوقات السعادة والرخاء.

“استوصوا بالنساء خيراً”

(متفق عليه — صحيح)

هذه الوصية النبوية العظيمة جاءت في حجة الوداع أمام أكثر من مئة ألف مسلم، مما يدل على أهميتها البالغة. والاستيصاء بالنساء خيراً يعني الإحسان إليهن والرفق بهن وحفظ حقوقهن. وقد قرن النبي صلى الله عليه وسلم هذه الوصية بوصف المرأة بالقوارير في حديث آخر، وأمر أنجشة حادي الإبل بالرفق في سوقها حين كان عليها النساء فقال: “رُويدك يا أنجشة، رفقاً بالقوارير” (رواه البخاري ومسلم).

ومن أعظم أحاديث الرحمة بين الزوجين قوله صلى الله عليه وسلم: “خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي” (رواه الترمذي وابن ماجه — صحيح). وهذا الحديث يجعل معيار الخيرية هو المعاملة مع الأهل لا مع الناس. فقد يكون الرجل ودوداً لطيفاً مع الغرباء لكنه قاسٍ جافٍ مع زوجته وأبنائه — وهذا في الميزان النبوي ليس من الخيّرين. الخيرية الحقيقية تبدأ من البيت — من طريقة كلامك مع زوجتك، ومن صبرك على أطفالك، ومن رفقك بمن يعيشون معك تحت سقف واحد.

والرحمة بين الزوجين تتجلى بشكل خاص في أوقات الخلاف. فالخلاف أمر طبيعي في كل بيت ولا يخلو منه حتى بيت النبوة. لكن الفارق هو كيف يتعامل الزوجان مع الخلاف: هل بالصراخ والعنف والتجريح أم بالحوار والصبر والتنازل؟ الرحمة في الخلاف تعني أن تُقدّم العلاقة على الانتصار لنفسك، وأن تتذكر أن هذا الشخص الذي تُخاصمه هو شريك حياتك ورفيق دربك وأقرب الناس إلى قلبك.

رحمة الوالدين بالأبناء

الأبناء أمانة في أعناق الوالدين، ورحمتهم بهم ليست فضلاً بل هي واجب شرعي وفطري. والنبي صلى الله عليه وسلم أولى هذا الجانب عناية خاصة فتكررت أحاديثه عن رحمة الأبناء وتقبيلهم وملاطفتهم واللعب معهم. وقد أنكر بشدة على من يرى القسوة مع الأبناء قوة والحنان ضعفاً.

تقبيل الأبناء وملاعبتهم

مرّ معنا حديث الأقرع بن حابس الذي أنكر تقبيل الأبناء. وقد جاء في حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قبّل الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبّلت منهم أحداً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “مَن لا يَرحم لا يُرحم”. وفي هذا تأكيد على أن تقبيل الأبناء ومعانقتهم وإظهار الحب لهم من أعظم صور الرحمة.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُلاعب الأطفال ويُمازحهم. فقد كان يقول لأخي أنس الصغير: “يا أبا عُمير ما فعل النُّغير” (متفق عليه) — وهو طائر صغير كان يلعب به الصبي فمات. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عنه من باب المداعبة والملاطفة والتلطف مع الطفل في حزنه. وهذا الموقف يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يهتم بمشاعر الأطفال ويُقدّر أحزانهم الصغيرة التي قد يستخفّ بها الكبار.

حمل الأطفال والصبر عليهم

كان النبي صلى الله عليه وسلم يحمل الأطفال بين يديه ولا يتأفف من ذلك. ومن أروع المواقف ما رواه أبو قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُصلّي وهو حامل أمامة بنت زينب فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها. كما روي أنه كان يُطيل السجود ليترك حفيده يلعب على ظهره دون أن يُزعجه. وهذا الصبر على الأطفال ومراعاة طبيعتهم من أعظم صور الرحمة الأبوية.

وقد جاء في الحديث الذي رواه أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن ابنة النبي صلى الله عليه وسلم أرسلت إليه أن ابناً لها في الموت فأتاها. فوُضع الصبي في حِجره ونفسه تتقعقع، ففاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال سعد بن عبادة: ما هذا يا رسول الله؟ قال: “هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء” (متفق عليه). فالبكاء على الأبناء والأحفاد ليس ضعفاً بل هو رحمة يضعها الله في قلوب من يشاء من عباده.

رحمة الأبناء بالوالدين

الرحمة في البيت ليست باتجاه واحد من الأعلى إلى الأسفل فحسب، بل هي دورة متبادلة يرحم فيها كل فرد الآخر. ومن أعظم صور الرحمة المطلوبة من الأبناء رحمتهم بوالديهم — خاصة حين يكبران ويضعفان ويحتاجان إلى من يرعاهما كما رعياه في صغره.

قال الله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ۝ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ (سورة الإسراء: 23-24). تأمّل قوله تعالى: “جناح الذلّ من الرحمة” — فالتواضع للوالدين والرفق بهما يجب أن ينبع من الرحمة الحقيقية لا من مجرد الواجب. إنها رحمة القلب لا طاعة الجوارح فحسب.

وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم بر الوالدين من أعظم القربات إلى الله. سُئل صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها. قال: ثم أي؟ قال: بر الوالدين (متفق عليه). فقدّم بر الوالدين على الجهاد في سبيل الله، مما يدل على عِظم حقهما ووجوب الرحمة بهما.

ومن صور رحمة الأبناء بوالديهم: خفض الصوت عندهما وعدم التأفف من طلباتهما، والصبر على تكرار كلامهما حين يكبران، وتلبية حاجاتهما بنفس راضية، وزيارتهما والسؤال عنهما، والدعاء لهما في حياتهما وبعد مماتهما. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “رغم أنفه ثم رغم أنفه ثم رغم أنفه. قيل: مَن يا رسول الله؟ قال: مَن أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة” (رواه مسلم). أي أن خدمة الوالدين المسنّين فرصة عظيمة لدخول الجنة، فمن ضيّعها فقد خسر خسراناً مبيناً.

أعداء الرحمة في البيت

كما أن هناك أسباباً تجلب الرحمة إلى البيت، فإن هناك أعداءً يطردونها ويُبعدونها. ومعرفة هذه الأعداء ضرورية لكل من يُريد أن يبني بيتاً رحيماً. فلا يكفي أن نعرف ما يجب فعله بل يجب أن نعرف ما يجب تجنّبه.

الغضب المتكرر

الغضب من أخطر أعداء الرحمة في البيت. والإنسان حين يغضب تغيب عنه الرحمة ويتصرف بما لا يليق — يرفع صوته ويُجرّح بكلامه وقد يضرب بيده. ولهذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الذي استنصحه بقوله: “لا تغضب” فردّدها مراراً (رواه البخاري). وقال صلى الله عليه وسلم: “ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب” (متفق عليه). فالقوة الحقيقية ليست في الانفجار بل في ضبط النفس.

الصراخ والصوت المرتفع

البيت الذي يعلو فيه الصراخ تغيب عنه السكينة. والصوت المرتفع في التعامل اليومي يخلق بيئة من التوتر والخوف والقلق عند الأطفال والزوجة. وقد ذمّ الله تعالى الصوت المرتفع فقال على لسان لقمان: ﴿وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (سورة لقمان: 19). فالإنسان الذي يصرخ في وجوه أهله يُشبّه نفسه بأبشع الأصوات ويطرد الرحمة من بيته.

العنف بأشكاله

العنف هو النقيض المباشر للرحمة. وهو لا يقتصر على الضرب الجسدي بل يشمل العنف اللفظي (السبّ والشتم والتحقير) والعنف المعنوي (التجاهل المتعمد والازدراء والمقارنة المؤلمة). وكلها تُدمّر الرحمة وتُحطّم النفوس. والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ضرب الوجه ونهى عن السباب وقال: “ليس المؤمن بالطعّان ولا اللعّان ولا الفاحش ولا البذيء” (رواه الترمذي — حسن).

القسوة والإهمال العاطفي

من أخطر أعداء الرحمة ما لا يُرى بالعين — الإهمال العاطفي. وهو أن يكون الأب أو الأم موجوداً جسدياً لكنه غائب عاطفياً — لا يسأل عن مشاعر أبنائه، ولا يُظهر حنانه لزوجته، ولا يُشارك أهله أفراحهم وأحزانهم. هذا الغياب العاطفي يُشعر أفراد الأسرة بالوحدة وهم في بيتهم، ويُفقد البيت معناه كمكان للسكينة والأمان. فالبيت بلا رحمة ليس بيتاً بل هو مجرد مبنى تتقاسمه أجساد لا تتشارك مشاعر.

دروس عملية: كيف نبني بيتاً رحيماً

استلهاماً من الهدي النبوي وأحاديث الرحمة، إليك سبع خطوات عملية لبناء بيت تسوده الرحمة والسكينة:

أولاً: ابدأ بنفسك واملأ قلبك رحمة. الرحمة تبدأ من الداخل. لا يمكنك أن تكون رحيماً مع أهلك إذا كان قلبك قاسياً. تأمّل في أسماء الله الرحمن الرحيم، واقرأ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مع أهله، وادعُ الله أن يملأ قلبك رحمة. فالتغيير الحقيقي يبدأ من القلب قبل السلوك.

ثانياً: اخفض صوتك في البيت. اجعل البيت مكاناً للهدوء والسكينة. تعوّد أن تتكلم بنبرة هادئة حتى في لحظات الخلاف. فخفض الصوت ليس ضعفاً بل هو قوة وسيطرة على النفس. والبيت الهادئ بيئة خصبة لنمو الرحمة والمحبة.

ثالثاً: قبّل أبناءك وعانقهم كل يوم. اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يُقبّل أحفاده ويحملهم. لا تخجل من إظهار الحنان لأبنائك مهما كبروا. فالأبناء يحتاجون إلى اللمسة الحانية والعناق الدافئ في كل مراحل حياتهم — ليس في الطفولة فقط.

رابعاً: اعتذر حين تُخطئ. الرحمة تقتضي الاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه. لا تظن أن اعتذارك لزوجتك أو لابنك يُنقص من هيبتك — بل هو يزيد من احترامهم لك. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يُراضي زوجاته حين يجد في نفوسهن شيئاً ولا يستكبر عن ذلك.

خامساً: شارك أهلك في أعمال البيت. اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان في مِهنة أهله. ساعد زوجتك في ترتيب البيت أو إعداد الطعام أو تنظيم أغراض الأطفال. هذه المشاركة البسيطة تُشعرها بأنك شريك حقيقي لا مجرد ساكن في البيت، وهي من أجمل صور الرحمة العملية.

سادساً: خصّص وقتاً يومياً للجلوس مع أسرتك. الإهمال العاطفي يقتل الرحمة في البيت. خصّص وقتاً كل يوم — ولو نصف ساعة — للجلوس مع أسرتك بلا هاتف ولا شاشات. اسأل أبناءك عن يومهم، واستمع لزوجتك، وشاركهم أخبارك. هذا الوقت البسيط هو استثمار عظيم في بناء بيت رحيم.

سابعاً: ادعُ الله أن يملأ بيتك رحمة. لا تنسَ أن الرحمة نعمة من الله يضعها في قلوب من يشاء. فادعُه دائماً: “ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرّة أعين”. واجعل بيتك مكاناً يُذكر فيه الله ويُقرأ فيه القرآن — فإن البيت الذي يُذكر فيه الله تنزل عليه السكينة وتحفّه الملائكة ويكون نوراً لأهله.

خاتمة: البيت الرحيم هو الجنة الصغيرة

في نهاية هذه الرحلة مع أحاديث الرحمة في البيت ندرك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتحدث عن مُثُل نظرية بل كان يعيش ما يقول ويُطبّق ما يأمر. كان بيته نموذجاً حياً للرحمة — بيتاً يُقبَّل فيه الأطفال ويُلاعبون، وتُحترم فيه الزوجات ويُصبَر عليهن، ويسود فيه الرفق حتى مع الخدم والحيوانات.

والبيت الرحيم هو الجنة الصغيرة على الأرض — المكان الذي يعود إليه الإنسان من عناء الدنيا فيجد فيه السكينة والأمان والحب. المكان الذي يشعر فيه الطفل أنه محبوب ومحمي، وتشعر فيه الزوجة أنها مُقدّرة ومحترمة، ويشعر فيه الزوج أنه مقبول بعيوبه قبل محاسنه. هذا البيت لا يحتاج إلى قصور وثروات بل يحتاج إلى قلوب مملوءة بالرحمة.

وحديث “من لا يَرحم لا يُرحم” يُذكّرنا بأن الرحمة ليست اختياراً بل هي ضرورة. فمن أراد أن يُرحم — من الله ومن الناس — فعليه أن يكون رحيماً. ومن أراد أن يجد الرحمة حين يحتاجها فعليه أن يزرعها حين يستطيع. والبيت هو أول مكان تُزرع فيه بذور الرحمة وأولى الأراضي التي تستحق أن تُسقى بماء الحنان والرفق.

فلنعد إلى بيوتنا الليلة ولنُعاهد أنفسنا أن نكون أكثر رحمة — نُقبّل أبناءنا ونحتضنهم، ونقول لأزواجنا كلمة طيبة، ونخفض أصواتنا، ونبتسم في وجوه أهلنا، ونصبر على ما يُزعجنا. فإن فعلنا ذلك فقد بدأنا في بناء بيت تسوده رحمة الله التي وسعت كل شيء.

اللهم اجعل بيوتنا بيوت رحمة وسكينة ومودة. اللهم ارزقنا الرفق في أمورنا كلها واجعلنا من الرحماء الذين يرحمهم الرحمن. اللهم ألّف بين قلوبنا وقلوب أزواجنا وأبنائنا واجعل ذرياتنا قرّة أعين لنا. إنك سميع مجيب.

أسئلة شائعة

ما صحة حديث من لا يَرحم لا يُرحم؟
حديث «من لا يَرحم لا يُرحم» حديث صحيح متفق عليه، رواه الإمام البخاري في صحيحه (كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته) ورواه الإمام مسلم في صحيحه (كتاب الفضائل). والحديث من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، وله شواهد كثيرة تؤكد معناه منها حديث «لا يرحم الله من لا يرحم الناس» وحديث «الراحمون يرحمهم الرحمن».
ما معنى الرحمة في البيت المسلم؟
الرحمة في البيت المسلم تعني الرفق واللين في التعامل بين أفراد الأسرة، والحنان والعطف والتسامح والصبر على بعضهم البعض. وتشمل رحمة الزوج بزوجته والعكس، ورحمة الوالدين بالأبناء ورحمة الأبناء بالوالدين. والرحمة ليست مجرد عاطفة بل هي سلوك يومي يظهر في الكلام الطيب والمعاملة الحسنة وتجنب القسوة والعنف والصراخ.
كيف كان النبي ﷺ رحيماً مع أهل بيته؟
كان النبي صلى الله عليه وسلم أرحم الناس بأهل بيته. فكان يُقبّل أحفاده الحسن والحسين ويحملهما على كتفيه، وكان يحمل حفيدته أمامة في الصلاة. وكان يُعين زوجاته في أعمال المنزل ويخصف نعله ويخيط ثوبه. وكان يصبر على زوجاته ولا يضرب أحداً منهن قط، وكان يمزح معهن ويسابق عائشة رضي الله عنها في الجري.
هل الرفق واجب في الإسلام أم مستحب؟
الرفق مأمور به في الإسلام وهو من أعظم الأخلاق المطلوبة. قال النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله» وهو حديث متفق عليه. وقال أيضاً «ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نُزع من شيء إلا شانه» رواه مسلم. فالرفق واجب في المعاملة مع الأهل والأبناء، ومستحب في سائر الأمور. وترك الرفق والتحلي بالقسوة والعنف محرم خاصة مع الأسرة.
ما هي أسباب فقدان الرحمة في البيت؟
من أبرز أسباب فقدان الرحمة في البيت: الغضب المتكرر وعدم السيطرة على الانفعالات، والصراخ والصوت المرتفع في التعامل اليومي، والعنف بأشكاله الجسدي واللفظي والمعنوي، والإهمال العاطفي وعدم إظهار المشاعر، والانشغال الزائد عن الأسرة، والمقارنة بين الأبناء أو بين الزوجين وغيرهم. وعلاج ذلك يكون بالتحلي بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء بهديه في الرفق والرحمة.
ما أثر الرحمة على تربية الأبناء؟
للرحمة أثر عظيم في تربية الأبناء. فالأبناء الذين يُربّون في بيئة رحيمة ينشأون أسوياء نفسياً وعاطفياً، ويتعلمون الرحمة من والديهم فيكونون رحماء مع غيرهم. والنبي صلى الله عليه وسلم أنكر على الأقرع بن حابس حين قال إن له عشرة من الولد ما قبّل منهم أحداً، فقال له النبي «أَوَأملك أن نزع الله من قلبك الرحمة». والتربية بالرحمة لا تعني التدليل المفرط بل تعني الحزم مع اللطف والتوجيه مع الحنان.