تهادوا تحابوا — الهدية كلغة حب نبوية

كيف جعل النبي ﷺ تبادل الهدايا طريقاً لزرع المحبة في القلوب وتوثيق العلاقات

~15 دقيقة قراءة

“تَهَادُوا تَحَابُّوا”

رواه البخاري في الأدب المفرد — حديث حسن

مقدمة: كلمتان تختصران فلسفة العطاء

في كلمتين اثنتين فقط — “تهادوا تحابوا” — اختصر النبي صلى الله عليه وسلم فلسفة كاملة في فن العلاقات الإنسانية وزراعة المحبة بين القلوب. لم يحتج الأمر إلى خطبة طويلة ولا إلى شرح مُسهب، بل جاء التوجيه النبوي موجزاً بليغاً كعادته صلى الله عليه وسلم الذي أُوتي جوامع الكلم. فعل أمر واحد — تهادوا — ونتيجة واحدة مضمونة — تحابوا.

قد يبدو الأمر بسيطاً للوهلة الأولى: أعطِ هدية تنل محبة. لكن حين نتأمل أعمق نكتشف أن هذا الحديث يحمل في طيّاته رؤية نبوية شاملة تتجاوز الفعل المادي إلى البُعد النفسي والاجتماعي والروحي. فالهدية ليست مجرد شيء يُنقل من يد إلى يد، بل هي رسالة صامتة تقول للطرف الآخر: أنت في بالي، أنت تستحق وقتي وجهدي وتفكيري، أنت مهم عندي.

وما يجعل هذا التوجيه النبوي فريداً أنه يسبق ما توصّل إليه علم النفس الحديث بأربعة عشر قرناً. فقد جاء الباحثون المعاصرون ليُثبتوا أن تبادل الهدايا من أقوى الأدوات في بناء العلاقات وتعميقها، وأن الهدية تُحفّز في الدماغ مراكز المكافأة والسعادة عند المُعطي والمُتلقي معاً. لكن النبي صلى الله عليه وسلم علّم أمته هذا قبل أن يولد علم النفس بقرون.

في هذا المقال نغوص في أعماق هذا الحديث العظيم: تخريجه ودرجته، ومعناه اللغوي والشرعي، ونماذج نبوية في فن الهدية، والحكمة النفسية وراء تأثير الهدية في القلوب، وآداب التهادي في الإسلام، مع دروس عملية يمكن تطبيقها في حياتنا الزوجية والاجتماعية.

تخريج الحديث ودرجته

حديث “تهادوا تحابوا” رواه الإمام البخاري في كتابه “الأدب المفرد” عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “تهادوا فإن الهدية تُذهب وَحَر الصدر”. وفي رواية أخرى: “تهادوا تحابوا”. وقد ورد الحديث أيضاً في مسند الإمام أحمد ومصنّف عبد الرزاق وغيرها من كتب الحديث.

“تهادوا فإنّ الهدية تُذهب وَحَر الصدر”

(رواه البخاري في الأدب المفرد والترمذي — حسن)

أما عن درجة الحديث فقد حسّنه عدد من أهل العلم. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني إن إسناده حسن. وصحّح بعض العلماء بعض طرقه وحسّنوا بعضها الآخر. والمعنى الذي يحمله الحديث مُتواتر من حيث المعنى، إذ جاءت أحاديث كثيرة تدعم مضمونه وتؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم حثّ على التهادي وأظهر أثره في تقوية أواصر المحبة.

ومن الأحاديث الداعمة لهذا المعنى ما رواه البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية ويُثيب عليها. أي أنه كان يُقابل الهدية بهدية مثلها أو أفضل منها. وفي هذا تطبيق عملي منه صلى الله عليه وسلم لسنة التهادي التي أمر بها. كما قال صلى الله عليه وسلم: “لو دُعيت إلى كُراعٍ لأجبت، ولو أُهدي إليّ ذراعٌ لقبلت” (رواه البخاري)، مما يدل على أنه كان لا يردّ هدية مهما كانت يسيرة.

قال الإمام المناوي في “فيض القدير” شارحاً هذا الحديث: إن الهدية تُذيب ما في الصدور من الحقد والغلّ والشحناء، وتُحلّ محلّه المحبة والمودة. فالأمر بالتهادي أمر ببناء جسور المحبة بين الناس وهدم جدران الجفاء بينهم.

معنى التهادي في اللغة والشرع

كلمة “تهادوا” جاءت على وزن “تفاعلوا” وهو من أهم الأوزان في اللغة العربية لأنه يدل على المشاركة والتبادل بين طرفين أو أكثر. فالأمر ليس بإعطاء الهدية من طرف واحد فقط، بل بتبادلها — هذا يُهدي وذاك يُهدي. وهذا التبادل هو سرّ التأثير النفسي العميق للهدية، لأنه يخلق حركة مستمرة من العطاء المتبادل بين الناس تُغذّي المحبة وتُنمّيها.

والهدية في اللغة العربية مشتقة من الجذر (هـ-د-ي) وهو نفس الجذر الذي اشتُقت منه كلمة “الهداية”. وهذا الاشتراك في الجذر ليس مصادفة لغوية بل يحمل دلالة عميقة: فكما أن الهداية توصل الإنسان إلى الطريق الصحيح، فإن الهدية توصل القلوب إلى بعضها البعض. الهدية في جوهرها “هداية” للقلب نحو المحبة — تدلّه على طريق الودّ وتقوده إليه.

ومن لطائف المعنى اللغوي أيضاً أن كلمة “هدية” تحمل في طيّاتها معنى التوجّه والقصد. فيُقال “أهدى إليه” أي قصده بالعطية ووجّهها إليه خاصة. وهذا يعني أن الهدية الحقيقية ليست عطاء عشوائياً بل هي عطاء مقصود موجّه لشخص بعينه — فيه إرادة واختيار وتفكير. وهذا القصد والتوجّه هو ما يمنح الهدية قيمتها المعنوية التي تفوق قيمتها المادية.

أما في الشرع فقد فرّق العلماء بين الهدية والصدقة والهبة. قال الإمام النووي: الهدية ما يُبعث إلى الغير إكراماً وتودّداً، والصدقة ما يُعطى لوجه الله ابتغاء ثوابه، والهبة أعمّ من كليهما. فالهدية تتميز بأنها مدفوعة بالحب والتقدير لا بالشفقة أو ابتغاء الأجر فحسب. ولذلك كان أثرها في القلوب مختلفاً عن أثر الصدقة — فالصدقة تُثير الشكر، أما الهدية فتُثير المحبة.

النبي ﷺ وفن الهدية

لم يكتفِ النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر بالتهادي بل كان هو نفسه أعظم نموذج في فن الهدية. فقد ملأت الأحاديث الصحيحة كتب السنة بمواقف نبوية رائعة في هذا الباب، تكشف عن رقّة نفسه وعُمق اهتمامه بمن حوله وحرصه على إسعادهم.

قبول الهدية والإثابة عليها

“كان النبي ﷺ يقبل الهدية ويُثيب عليها”

(رواه البخاري — صحيح)

كان صلى الله عليه وسلم لا يردّ هدية أبداً مهما كانت بسيطة، وكان يُقابلها بهدية مثلها أو أفضل منها. وفي هذا السلوك النبوي درسان عظيمان: الأول أن قبول الهدية في حدّ ذاته تقدير للمُهدي وإسعاد لقلبه، فمن ردّ هدية فقد كسر قلب صاحبها. والثاني أن الإثابة على الهدية تُديم حركة العطاء المتبادل بين الناس وتمنع أن يكون أحد الطرفين دائماً في موقع المُعطي والآخر في موقع المُتلقي.

الوفاء لصديقات خديجة

من أجمل المواقف النبوية في فن الهدية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُرسل بالهدية لصديقات خديجة رضي الله عنها بعد وفاتها. روت عائشة رضي الله عنها أنه كان إذا ذبح شاة يقول: أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة. وهذا التصرف يكشف عن بُعد عميق في فهم الهدية — فهي لم تكن مجرد عطاء مادي بل كانت رسالة وفاء لزوجته الراحلة. كان يُهدي صديقاتها ليُبقي ذكراها حيّة وليقول لهنّ: أنا لم أنسَ خديجة ولم أنسَ من أحبّتهم.

الهدية لزوجاته وأصحابه

وكان صلى الله عليه وسلم يتهادى مع زوجاته ولا يستنكف من الهدية البسيطة. وقد وردت روايات عدة تدل على أنه كان يُهدي أمهات المؤمنين ويُحسن إليهن. وكذلك كان مع أصحابه — يقبل منهم هدية التمر والحليب واللحم ويفرح بها فرحاً ظاهراً. قال ابن القيم في “زاد المعاد”: كانت هديته صلى الله عليه وسلم لا تنقطع، وكان أجود الناس وأكرمهم يداً، ولا يدّخر شيئاً أُهدي إليه بل يُعطيه من حوله.

وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه يقبل الهدية من غير المسلمين أيضاً ويُثيب عليها. فقد قبل هدية المقوقس عظيم مصر، وقبل هدايا من ملوك وأمراء آخرين. وفي هذا توسيع لدائرة التهادي لتشمل كل البشر لا المسلمين فحسب — فالهدية جسر يصل بين القلوب مهما اختلفت الأديان والثقافات.

لماذا تُوجد الهدية المحبة؟

قد يتساءل المرء: ما السرّ وراء قدرة الهدية على زرع المحبة في القلوب؟ لماذا يُحب الإنسان من يُهديه حتى لو كانت الهدية بسيطة؟ التأمل في هذا السؤال يكشف عن حكمة نبوية عميقة تتوافق مع ما أثبته علم النفس الحديث.

الهدية تقول: كنت أفكر فيك

أعمق ما تحمله الهدية من رسائل هو أنها تقول للمُتلقي: كنت أفكر فيك وأنت لست معي. حين يذهب الزوج إلى السوق فيرى شيئاً يُسعد زوجته فيشتريه لها، فإنه يُخبرها بلا كلمات أنها كانت حاضرة في ذهنه حتى وهو بعيد عنها. وهذا الشعور بأنك حاضر في وعي شخص آخر ومحفوظ في ذاكرته هو من أعمق الاحتياجات النفسية البشرية.

الهدية تكسر الحاجز النفسي

بين كل إنسانين حاجز نفسي طبيعي — جدار من الحذر والتحفّظ يحمي كل منهما من الآخر. والهدية من أقوى الأدوات التي تكسر هذا الحاجز وتفتح باباً في الجدار. لأنها فعل عطاء بلا مقابل، وهذا العطاء المجاني يُرسل إشارة أمان للطرف الآخر تقول: أنا لا أُريد منك شيئاً، أنا أُعطيك لأنني أُقدّرك. وحين يشعر الإنسان بهذا الأمان ينفتح قلبه ويسقط الحاجز النفسي.

الهدية تُذيب الخلاف

وهذا هو المعنى الذي أشار إليه الحديث بقوله: “تُذهب وَحَر الصدر” — أي تُزيل ما في الصدر من غلّ وضغينة وحقد. فالهدية حين تُقدَّم في وقت الخلاف أو الجفاء تكون كالماء البارد على النار الحارقة — تُطفئ نار الغضب وتُذيب جليد القطيعة. ولهذا كان العرب يستخدمون الهدية كأداة مصالحة بين المتخاصمين، وجاء الإسلام ليُؤصّل هذا العرف ويجعله سنة نبوية.

الهدية ولغات الحب

من المثير أن الباحث الأمريكي غاري تشابمان حين صاغ نظريته الشهيرة عن “لغات الحب الخمس” جعل “تقديم الهدايا” واحدة من هذه اللغات الأساسية. واكتشف أن كثيراً من الناس يشعرون بالحب بشكل أعمق حين يتلقون هدية تدل على اهتمام الطرف الآخر. لكن ما فعله تشابمان في القرن العشرين كان قد فعله النبي صلى الله عليه وسلم قبله بأربعة عشر قرناً — حين ربط بين الهدية والمحبة ربطاً مباشراً وصريحاً. بل إن التوجيه النبوي أعمق لأنه لا يكتفي بتشخيص الظاهرة بل يأمر بتطبيقها: تهادوا — أمر فعل، لا مجرد توصية.

الهدية بين الزوجين

إذا كانت الهدية تزرع المحبة بين الناس عموماً، فإن أثرها بين الزوجين أعمق وأبلغ. لأن العلاقة الزوجية هي أقرب العلاقات الإنسانية وأكثرها حاجة إلى تغذية المودة وتجديدها. والهدية بين الزوجين ليست ترفاً بل هي استثمار في ديمومة الحب واستمرار الدفء بينهما.

“لا تحقرنّ جارة لجارتها ولو فِرسِنَ شاة”

(متفق عليه — صحيح)

هذا الحديث يُقرّر قاعدة ذهبية في فلسفة الهدية: قيمة الهدية لا تُقاس بثمنها بل بمعناها. فِرسِن الشاة هو عظم قليل اللحم لا يكاد يُساوي شيئاً من الناحية المادية، لكن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن احتقاره كهدية. لأن الرسالة التي يحملها هذا العظم البسيط — “أنا أفكر فيك وأُريد أن أُشاركك ما عندي” — هي رسالة لا تُقدّر بثمن.

وفي الحياة الزوجية ينطبق هذا المبدأ بقوة أكبر. فالزوجة التي يُهديها زوجها وردة من الطريق أو يُحضر لها حلوى بسيطة مفاجئة تشعر بسعادة قد تفوق سعادتها بهدية ثمينة تُقدَّم في مناسبة متوقعة. لأن المفاجأة والعفوية هما ما يمنحان الهدية سحرها الخاص. والزوج الذي تُقدّم له زوجته طعاماً خاصاً أعدّته بيديها أو تُرتّب له مكانه بعناية يشعر أنها تُقدّره وتحتفي بوجوده.

قال ابن القيم رحمه الله: من أعظم أسباب المحبة بين الزوجين أن يتبادلا الهدايا والألطاف، فإن القلوب جُبلت على حب من أحسن إليها. وأضاف أن الهدية بين الزوجين تتجاوز أثرها المادي لتصل إلى تجديد العهد والميثاق بينهما — فكأن كل هدية تقول: ما زلت أحبك وما زلت أختارك.

الهدية في المجتمع: تقوية الروابط

لا يقتصر أثر التهادي على العلاقة الزوجية بل يمتد ليشمل كل العلاقات الاجتماعية. فالحديث جاء بصيغة العموم — “تهادوا” — دون تخصيص فئة معينة. وقد فهم المسلمون الأوائل هذا العموم فجعلوا التهادي عادة اجتماعية تربط بين أفراد المجتمع وتُقوّي نسيجه.

هدايا الجيران

حثّ الإسلام على الإحسان إلى الجيران حثّاً بالغاً حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ما زال جبريل يُوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيُورّثه” (متفق عليه — صحيح). والهدية من أجمل صور الإحسان إلى الجار — صحن طعام يُرسل في مناسبة، أو ثمار موسمية تُشارك معه، أو حلوى في العيد. هذه الهدايا البسيطة تنسج شبكة من المودة بين الجيران تجعل الحي كله كالأسرة الواحدة.

هدايا المصالحة

من أنبل استخدامات الهدية في المجتمع المسلم استخدامها كأداة مصالحة بين المتخاصمين. فالكلمات وحدها قد لا تكفي لردم الهوّة بين قلبين متباعدين، لكن الهدية تنجح حيث تعجز الكلمات. لأنها فعل ملموس يُثبت صدق النية في الإصلاح، وهي تُذهب وَحَر الصدر كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. ولذلك كان من عادات المسلمين إرسال الهدايا إلى من بينهم وبينه خصومة كخطوة أولى نحو الصلح.

الطعام كهدية

من أجمل أنواع الهدايا في التراث الإسلامي إهداء الطعام. فالطعام هدية جامعة — يُشارَك فيها الأهل والأبناء، وتُؤكل فيُستفاد منها فعلاً، وتحمل رائحة البيت ودفء المطبخ. وقد كان الصحابة يتهادون الطعام فيما بينهم حتى روي أن الأنصار كانوا يُرسلون بالطعام إلى النبي صلى الله عليه وسلم وزوجاته. وإهداء الطعام يجمع بين سنة التهادي وسنة إطعام الطعام، فيحصل المُهدي على أجرين بفعل واحد.

آداب الهدية في الإسلام

لم يترك الإسلام التهادي بلا ضوابط بل وضع له آداباً تضمن أن تُحقق الهدية غايتها النبيلة ولا تتحول إلى أداة إفساد أو إحراج. وهذه الآداب تكشف عن عمق الرؤية الإسلامية في التعامل مع النفس البشرية وفهم دوافعها.

قبول الهدية سنة

من آداب الهدية أن قبولها سنة مؤكدة. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ولا يردّها، بل نهى عن ردّها. قال الإمام النووي: يُستحب قبول الهدية ويُكره ردّها بلا عذر، لأن ردّها يكسر قلب المُهدي ويُحبط جهده ويُقطع سبب المودة الذي أراد بناءه. فحين يُقدّم لك أحدٌ هدية فاقبلها بفرح وشكر حتى لو لم تكن بحاجة إليها — لأن القيمة الحقيقية في المشاعر التي تحملها لا في المادة التي تتشكّل منها.

لا تحتقر أي هدية

مرّ معنا حديث: “لا تحقرنّ جارة لجارتها ولو فرسن شاة”. وهذا الأدب يسري على كل هدية — لا تحتقر ما أُهدي إليك مهما بدا بسيطاً في عينيك. فقد يكون هذا الشيء البسيط كل ما يملكه المُهدي، أو قد يكون اختاره بعناية فائقة رغم بساطته. واحتقار الهدية هو في حقيقته احتقار للمُهدي وإيذاء لمشاعره، وهو سلوك يتعارض مع مقصد التهادي الذي هو بناء المحبة لا هدمها.

الإثابة على الهدية

من السنة أن يُكافئ المرء من أهداه بهدية مقابلة. قال ابن حجر العسقلاني في “فتح الباري”: الإثابة على الهدية مستحبة اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يُثيب على الهدية. وهذه المكافأة تُحقق مبدأ التبادل الذي دلّ عليه وزن “تفاعل” في كلمة “تهادوا”. فالهدف ليس أن يكون طرف واحد دائماً هو المُعطي بل أن تدور حركة العطاء بين الناس في كل الاتجاهات.

الهدية بلا مَنّ

من أخطر ما يُفسد الهدية أن يَمُنّ المُهدي بها على من أُهدي إليه. والمَنّ هو أن يُذكّره بها ويفخر بأنه أعطاه ويُشعره بالدونية لأنه تلقّى منه. قال الله تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ﴾ (سورة البقرة: 264). فإذا كان المنّ يُبطل ثواب الصدقة فإنه أشد إبطالاً لأثر الهدية في القلوب. فالهدية التي يُمنّ بها صاحبها تتحول من أداة بناء للمحبة إلى أداة هدم لها.

هدية المسؤول والرشوة — الفرق الدقيق

من الآداب المهمة التي حرص عليها الإسلام التفريق بين الهدية المشروعة والرشوة المُحرّمة. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في شأن ابن اللتبية الذي كان عاملاً على الصدقات وقال هذا لكم وهذا أُهدي إليّ: “هلّا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر أيُهدى إليه أم لا” (متفق عليه — صحيح). فالهدية التي تُقدَّم للمسؤول بسبب منصبه هي في حقيقتها رشوة مُقنّعة، لأنها لم تُقدَّم لشخصه بل لسلطته. والمعيار الذي وضعه النبي صلى الله عليه وسلم واضح: لو لم يكن هذا الشخص في منصبه هل كنت ستُهديه؟ فإن كان الجواب لا فهي رشوة وليست هدية.

دروس عملية: كيف تُهدي بحب

استلهاماً من الهدي النبوي وأقوال العلماء، إليك سبع أفكار عملية لتطبيق سنة التهادي في حياتك اليومية بطريقة تزرع المحبة وتُعمّق الروابط:

أولاً: أهدِ بلا مناسبة. أجمل الهدايا تلك التي تأتي بلا سبب ظاهر — لا عيد ولا ذكرى ولا اعتذار. فالهدية العفوية تقول: لست بحاجة إلى مناسبة لأفكر فيك، أنت في بالي دائماً. والمفاجأة تمنح الهدية ضعف تأثيرها لأنها غير متوقعة.

ثانياً: اختر ما يُسعد المُتلقي لا ما يُعجبك أنت. كثير من الناس يُهدون بناءً على ذوقهم الشخصي لا ذوق من يُهدونه. لكن الهدية الحقيقية هي التي تدل على أنك تعرف الطرف الآخر جيداً — تعرف ما يُحب وما يحتاج وما يتمنى. وهذا يتطلب أن تُنصت وتُراقب وتحفظ تفاصيل حياته.

ثالثاً: لا تستصغر الهدية البسيطة. كوب شاي تُقدمه لزوجتك وهي متعبة، رسالة قصيرة تكتبها على ورقة وتضعها في حقيبة زوجك، وردة تقطفها من حديقة الحي — كل هذه هدايا عظيمة في ميزان القلوب. تذكّر: “لا تحقرنّ من المعروف شيئاً” (رواه مسلم — صحيح).

رابعاً: قدّم الهدية بنفسك كلما أمكن. الهدية التي تُقدَّم يداً بيد لها أثر أعمق من التي تُرسل عبر وسيط. لأن لحظة التقديم نفسها — بالنظرة والابتسامة والكلمة — هي جزء لا يتجزأ من الهدية. والتواصل البصري والجسدي عند تقديم الهدية يُضاعف أثرها.

خامساً: أهدِ الطعام فإنه من أفضل الهدايا. اقتداءً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، اجعل الطعام من هداياك المعتادة. صحن من الحلوى لجارك، وجبة طبختها بيديك لصديقك، فاكهة موسمية لوالديك. الطعام هدية جامعة لا يختلف فيها الناس ولا يحتار فيها المُهدي.

سادساً: اجعل الهدية شخصية. كلما كانت الهدية خاصة بالشخص المُهدى إليه كان أثرها أقوى. كتاب يتحدث عن موضوع يهتم به، أداة تخص هوايته، شيء يرتبط بذكرى جمعتكما — هذه الهدايا تقول: أنا أعرفك جيداً وأهتم بعالمك الخاص.

سابعاً: لا تنتظر المقابل. أهدِ لوجه الله ولإسعاد من تُحب، لا لانتظار ردّ أو مكافأة. فالهدية التي تُقدَّم بنية صافية تُبارَك وتُؤتي ثمارها ولو بعد حين. وتذكّر أن أعظم مكافأة هي الأثر الذي تتركه في قلب من أهديته — تلك الابتسامة التي ترتسم على وجهه هي أغلى ثمن.

خاتمة: الهدية رسالة حب صامتة

في نهاية هذه الرحلة مع حديث “تهادوا تحابوا” ندرك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتحدث عن مجرد عادة اجتماعية بل كان يضع أساساً لمجتمع تسوده المحبة. فالتهادي ليس ترفاً يُمارسه الأغنياء بل هو سلوك يومي يستطيع كل إنسان أن يُمارسه بإمكاناته المتاحة — وردة من الحديقة، كلمة طيبة مكتوبة على ورقة، صحن طعام من المطبخ، ابتسامة صادقة هي في ذاتها هدية.

الهدية في جوهرها رسالة حب صامتة — لا تحتاج إلى كلمات لتوصل معناها. حين يرى الإنسان هدية في يده يعلم فوراً أن أحداً فكّر فيه وبذل جهداً لأجله واختار شيئاً يُسعده. وهذا العلم وحده كافٍ لزرع بذرة محبة في القلب — بذرة تنمو وتكبر مع كل هدية جديدة حتى تصبح شجرة مودة وارفة الظلال.

ولعل الحكمة الأبلغ في هذا الحديث الشريف أنه يُعلّمنا أن الحب يُصنع ولا يُنتظر. فالأمر “تهادوا” يقول لنا: لا تجلسوا في انتظار أن تنزل المحبة من السماء بل اصنعوها بأيديكم. ابدأوا أنتم، قدّموا أنتم، أعطوا أنتم — والمحبة ستأتي كنتيجة حتمية. هذه الفلسفة النبوية في صناعة المحبة من خلال الفعل لا الانتظار هي من أعمق ما يمكن أن يتعلمه الإنسان في فن العلاقات.

فلنجعل التهادي عادة يومية في حياتنا — مع أزواجنا وأبنائنا ووالدينا وجيراننا وأصدقائنا. لنُحيي هذه السنة النبوية العظيمة التي تبني جسور المحبة وتهدم جدران الجفاء. ولنتذكر دائماً أن كل هدية نُقدّمها — مهما صغرت — هي خطوة على طريق المحبة الذي رسمه لنا النبي صلى الله عليه وسلم بكلمتين خالدتين: تهادوا تحابوا.

اللهم اجعلنا ممن يُحيون سنن نبيّك صلى الله عليه وسلم في حياتهم، واجعل قلوبنا مفتوحة للعطاء والمحبة والمودة. واملأ بيوتنا بالسكينة والرحمة والهدايا التي تزرع الحب ولا تُفسده. إنك سميع مجيب.

أسئلة شائعة

ما صحة حديث تهادوا تحابوا؟
حديث «تهادوا تحابوا» رواه الإمام البخاري في كتابه الأدب المفرد عن أبي هريرة رضي الله عنه، وجاء أيضاً في مسند الإمام أحمد وغيره. حسّنه عدد من العلماء منهم الحافظ ابن حجر والألباني. وقد وردت أحاديث أخرى تدعم معناه منها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية ويُثيب عليها، مما يُعزز ثبوت أصل التهادي كسنة نبوية.
هل الهدية واجبة في الإسلام أم مستحبة؟
الهدية مستحبة وليست واجبة في الأصل. لكنها تكون مؤكدة الاستحباب بين الزوجين والأقارب والجيران لأن النبي صلى الله عليه وسلم حثّ عليها وأظهر أثرها في تقوية المحبة بين الناس. كما أن قبول الهدية سنة مؤكدة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ولا يردّها. أما ردّ الهدية فقد عدّه العلماء مكروهاً إلا لسبب شرعي.
ما الفرق بين الهدية والرشوة في الإسلام؟
الفرق بين الهدية والرشوة يكمن في النية والسياق. الهدية تُقدَّم بدافع المحبة والمودة دون انتظار مقابل مادي أو مصلحة خاصة. أما الرشوة فتُقدَّم لتحصيل حق ليس لصاحبه أو لإبطال حق لغيره. وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من هدايا العمال (المسؤولين) لأنها قد تكون رشوة مُقنّعة. فالمعيار هو: هل الهدية تُقدَّم لوجه الله وبدافع الحب، أم لتحقيق مصلحة دنيوية على حساب الحق؟
هل يجب أن تكون الهدية غالية الثمن لتؤثر في القلب؟
لا يُشترط ذلك إطلاقاً. قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما معناه ألا تحقر جارة لجارتها ولو فرسن شاة (وهو عظم قليل اللحم). والعبرة بالنية والمعنى لا بالثمن والشكل. فكوب من الشاي تُقدمه لزوجتك مع ابتسامة قد يكون أبلغ أثراً من هدية غالية تُقدَّم بلا مشاعر. المهم أن تُشعر الطرف الآخر أنك فكّرت فيه واخترت ما يُسعده.
كيف كان النبي ﷺ يتعامل مع الهدايا؟
كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية مهما كانت بسيطة ولا يردّها، وكان يُثيب عليها أي يُقدّم هدية مقابلها. وكان يُرسل بالهدايا لصديقات زوجته خديجة رضي الله عنها بعد وفاتها وفاءً لها. كما كان يتهادى مع أصحابه وزوجاته ولا يستنكف من قبول هدية بسيطة كإناء لبن أو طعام. وكان يأمر أصحابه بقبول الهدايا وعدم ردّها.
ما أفضل الهدايا بين الزوجين في ضوء السنة النبوية؟
لم تحدد السنة النبوية نوعاً معيناً من الهدايا بل تركت الباب مفتوحاً لما يُناسب كل زوجين. لكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم يمكن استخلاص أن أفضل الهدايا ما كانت تحمل معنى شخصياً يدل على الاهتمام بالطرف الآخر. والطعام من أفضل الهدايا لأنه يُشارَك ويجمع الناس. والهدية المفاجئة بلا مناسبة أبلغ أثراً لأنها تقول: كنت أفكر فيك دون سبب إلا الحب.