أحاديث عن اختيار الزوج والزوجة

معايير نبوية حكيمة لأهم قرار في حياة الإنسان — كيف ترشدنا السنة إلى اختيار شريك الحياة

~16 دقيقة قراءة

«تُنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك»

متفق عليه — صحيح

مقدمة: أهم قرار في حياتك

من بين جميع القرارات التي يتخذها الإنسان في حياته — اختيار الدراسة، اختيار العمل، اختيار السكن — يبقى اختيار شريك الحياة هو القرار الأكثر تأثيراً والأبعد أثراً. فهو القرار الذي يُحدد معالم يومك وليلتك، ويؤثر في صحتك النفسية والجسدية، ويرسم ملامح المستقبل لك ولأبنائك من بعدك. ولهذا لم يتركه الإسلام للعشوائية أو الهوى المجرد، بل وضع له معايير حكيمة تهدي المسلم إلى الاختيار الرشيد.

لقد جاءت الأحاديث النبوية لتُرشد المسلم والمسلمة إلى أسس الاختيار السليم، فلم يكتفِ النبي ﷺ بالتوجيه العام بل دخل في التفاصيل: ما المعايير التي يُنظر إليها؟ وأيّها يُقدَّم عند التعارض؟ وما الأخطاء التي يجب تجنبها؟ كل هذه الأسئلة أجاب عنها النبي ﷺ بأحاديث واضحة صريحة، لا تزال صالحة لكل زمان ومكان.

والعجيب أن كثيراً من الدراسات النفسية والاجتماعية المعاصرة توصّلت إلى نتائج تتوافق مع ما أرشد إليه النبي ﷺ قبل أربعة عشر قرناً. فالأبحاث الحديثة تُؤكد أن التوافق القيمي والأخلاقي هو أقوى مؤشر على نجاح العلاقة الزوجية واستمرارها، وهو ما عبّر عنه النبي ﷺ بتقديم الدين والخلق في معايير الاختيار.

في هذا المقال نتأمل في أصحّ الأحاديث النبوية عن اختيار الزوج والزوجة، ونستخلص منها منهجاً عملياً متكاملاً يُعين كل من يُقبل على الزواج أن يتخذ قراره بحكمة وبصيرة، مستنيراً بهدي خير الخلق ﷺ.

حديث «فاظفر بذات الدين» — التحليل الكامل

هذا الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ هو أشهر حديث نبوي في باب اختيار الزوجة على الإطلاق. رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما، مما يجعله من أعلى درجات الصحة. وقد اعتنى العلماء بشرحه عناية فائقة لما فيه من دلالات عميقة تتجاوز ظاهر الألفاظ.

«تُنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك»

(متفق عليه — صحيح)

المعايير الأربعة: المال والحسب والجمال والدين

بدأ النبي ﷺ بوصف الواقع كما هو: إن الناس يختارون الزوجة عادة لأربعة أسباب. المال — أي الغنى والثروة التي تُوفّر الأمان المادي. والحسب — أي النسب والمكانة الاجتماعية والأصل الكريم. والجمال — أي الجاذبية الجسدية والشكل الحسن. والدين — أي الالتزام بأوامر الله وحسن الخلق وصلاح النفس.

والمُلاحظ أن النبي ﷺ لم يُنكر هذه المعايير ولم يُحرّم النظر فيها، بل ذكرها باعتبارها دوافع مشروعة يتحرك بها الناس عند الاختيار. غير أنه أرشد إلى ترتيبها ترتيباً حكيماً يضمن استقرار العلاقة الزوجية ونجاحها على المدى الطويل.

لماذا «فاظفر بذات الدين»؟

كلمة «فاظفر» في العربية تعني اغنم واحرص وتمسّك، وهي كلمة تدل على شدة الحث والتأكيد. فلم يقل النبي ﷺ «اختر ذات الدين» بل قال «فاظفر» — وكأن صاحبة الدين كنز نفيس ينبغي أن تبذل الجهد للفوز به والتمسك به. ثم قال «تربت يداك» وهي عبارة عربية استُعملت هنا للحث والتحريض على العمل بهذه النصيحة، كما ذكر الإمام النووي في شرح صحيح مسلم.

قال ابن حجر العسقلاني في “فتح الباري” إن تقديم الدين في هذا الحديث ليس لإلغاء المعايير الأخرى بل لتقديمه عند التعارض. فإن وجد المسلم امرأة تجمع بين الدين والجمال والمال والحسب فهو خير على خير. أما إن تعارضت المعايير — كأن يجد امرأة جميلة غنية لكنها ضعيفة الدين، وأخرى صاحبة دين لكنها أقل مالاً — فإن الحديث يُرشده إلى تقديم صاحبة الدين.

هل يعني ذلك تجاهل الجمال والمال؟

الجواب عند المحققين من العلماء: لا. فقد جاءت أحاديث أخرى تُشير إلى أهمية النظر في بقية المعايير أيضاً. فالنبي ﷺ أمر بالنظر إلى المخطوبة لتحقيق القبول والانجذاب، وأشار إلى فضل نكاح الولود الودود. قال الإمام الغزالي في “إحياء علوم الدين” إن المستحب أن يجمع المسلم بين الدين والجمال وحسن الخلق، فإن لم يجتمعا قدّم الدين والخلق على ما سواهما. فالرؤية الإسلامية رؤية متوازنة لا تُلغي الفطرة البشرية ولا تُطلقها بلا ضابط.

وذكر الإمام النووي أن الحكمة في تقديم الدين أن المال قد يزول والجمال قد يتغير والحسب قد لا ينفع، لكن الدين والخلق يبقيان ويثمران في كل أحوال الحياة — في السراء والضراء، في الشباب والكبر، في الغنى والفقر. فالزوجة صاحبة الدين تكون أمينة على المال إن وُجد، وشاكرة إن فُقد، وصابرة في الشدائد، ومُعينة على الطاعة.

إذا جاءكم من ترضون دينه فزوّجوه

«إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض»

(رواه الترمذي — حسن)

إذا كان الحديث السابق يُرشد الرجل إلى كيفية اختيار الزوجة، فإن هذا الحديث يُرشد الأولياء والأسر إلى معايير قبول الخاطب. وهو خطاب موجّه إلى من يملك قرار التزويج — الأب أو الولي — ليُنبّهه إلى المعيار الصحيح الذي ينبغي أن يحكم قراره.

الدين والخلق: معياران لا ينفصلان

جمع النبي ﷺ في هذا الحديث بين الدين والخلق معاً، ولم يكتفِ بذكر الدين وحده. وفي هذا الجمع حكمة بالغة: فالدين بلا حسن خلق قد يكون مظهراً دون جوهر — فقد يُصلي الرجل ويصوم لكنه سيئ المعاملة غليظ الطبع. والخلق بلا دين قد لا يصمد أمام التحديات لأنه يفتقر إلى الوازع الإيماني الذي يحفظه. فالمطلوب هو الجمع بينهما: رجل يتقي الله ويحسن معاملة الناس.

قال الإمام المناوي في شرح هذا الحديث إن معنى «ترضون دينه» أي تطمئنون إلى التزامه الحقيقي بدينه لا مجرد انتمائه الشكلي، ومعنى «ترضون خلقه» أي تعرفون عنه حسن المعاشرة وطيب المعاملة وسلامة النفس من الآفات. فليس المراد بالدين كثرة الصلاة والصيام فحسب، بل استقامة السلوك في كل جوانب الحياة.

التحذير من رفض صاحب الدين والخلق

والجزء الثاني من الحديث يحمل تحذيراً شديداً: «إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض». أي إذا رفضتم أصحاب الدين والخلق وجعلتم المال والنسب والمنصب هي المعايير الوحيدة، فإن النتيجة ستكون فتنة اجتماعية وفساد ينتشر. لأن كثيراً من الشباب والشابات سيُحرمون من الزواج بسبب شروط مادية واجتماعية مبالغ فيها، مما يؤدي إلى تأخر الزواج وانتشار العلاقات المحرمة وتفكك النسيج الاجتماعي.

وفي هذا التحذير النبوي نظر بعيد إلى ما يحدث في كثير من المجتمعات اليوم حين تُرفض الخطبة لأسباب مادية بحتة أو لاعتبارات قبلية وطبقية، بينما يكون الخاطب صاحب دين وخلق واستقامة. وقد نبّه كثير من العلماء المعاصرين إلى أن المغالاة في الشروط المادية للزواج من أعظم أسباب الفساد الاجتماعي، وأن الحل يبدأ بالعودة إلى المعيار النبوي.

النظر إلى المخطوبة: منهج نبوي في التعارف

لم يكتفِ النبي ﷺ بوضع المعايير النظرية لاختيار شريك الحياة، بل أرشد إلى خطوات عملية تضمن أن يكون الاختيار مبنياً على معرفة حقيقية وقبول متبادل. ومن أهم هذه الخطوات: النظر إلى المخطوبة، والاستخارة، والاستشارة.

«اذهب فانظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئاً»

(رواه مسلم — صحيح)

وفي حديث آخر أكثر وضوحاً قال النبي ﷺ: «إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل» (رواه أبو داود — حسن). هذان الحديثان يكشفان عن واقعية الإسلام في التعامل مع الفطرة البشرية: فالانجذاب الجسدي عنصر مهم في نجاح الزواج، والنبي ﷺ لم يتجاهله بل أمر بالنظر قبل الزواج لتحقيق هذا القبول. والعلماء متفقون على أن النظر إلى المخطوبة مستحب أو مندوب لما فيه من مصلحة ظاهرة.

الاستخارة: التوكل على الله في الاختيار

بعد البحث والنظر والتفكير يأتي دور الاستخارة — وهي أن يُصلي المسلم ركعتين ويدعو الله أن يختار له الأصلح. روى جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان يُعلّم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها كما يُعلّمهم السورة من القرآن (رواه البخاري — صحيح). والاستخارة ليست طلباً لرؤيا أو علامة خارقة، بل هي تسليم الأمر لله بعد بذل الأسباب البشرية، وثقة بأن الله سيُيسّر ما فيه الخير ويصرف ما فيه الشر.

الاستشارة: سؤال أهل الخبرة والثقة

إلى جانب الاستخارة يأتي دور الاستشارة — وهي أن يسأل المسلم من يعرف الشخص الآخر عن أخلاقه ودينه ومعاملته. وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يسألون عن بعضهم قبل الزواج، ويحرصون على التثبّت والتأكد من صدق ما يُقال. والاستشارة تُكمّل الاستخارة: فالاستخارة توكّل على الله، والاستشارة أخذ بالأسباب البشرية. والمسلم الحكيم يجمع بين الأمرين فلا يتوكل دون أخذ بالأسباب، ولا يأخذ بالأسباب دون توكل على الله.

ما وراء الحديث: معايير لم تُذكر صراحة

ذكر النبي ﷺ في أحاديثه المعايير الأساسية لاختيار شريك الحياة — الدين والخلق والقبول المتبادل — لكن هناك معايير أخرى لم تُذكر بالنص الصريح وإنما تندرج تحت مفهوم حسن الاختيار والتوافق الذي حثّ عليه الإسلام. وقد استنبطها العلماء من مجموع النصوص وأكدتها التجربة الإنسانية.

التوافق النفسي والعاطفي

يُقصد بالتوافق النفسي أن يشعر كل طرف بالراحة والاطمئنان مع الآخر، وأن تتقارب طباعهما بما يسمح بحياة مشتركة هانئة. فالإنسان الهادئ قد يُرهقه شريك شديد الانفعال، والشخص الاجتماعي قد يختنق مع شريك منطوٍ. وليس المطلوب التطابق التام بل التكامل والانسجام الذي يُحقق السكينة التي ذكرها القرآن في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾.

التوافق الفكري والثقافي

يشمل التوافق الفكري القدرة على الحوار والنقاش والتفاهم في القضايا المهمة: تربية الأبناء، إدارة المال، أولويات الحياة، النظرة إلى المستقبل. فالزوجان اللذان يختلفان اختلافاً جذرياً في هذه المسائل سيواجهان صراعات متكررة قد تُهدد استقرار الأسرة. والعلماء أشاروا إلى أن من حكمة مشروعية فترة الخطبة أن يتعرّف الطرفان على أفكار بعضهما ومواقفهما من قضايا الحياة الأساسية.

القدرة على التواصل الفعّال

التواصل هو شريان الحياة في أي علاقة زوجية. والقدرة على التواصل تعني أن يستطيع كل طرف التعبير عن مشاعره واحتياجاته بوضوح، وأن يستمع للآخر بإنصات واحترام، وأن يُحسن إدارة الخلافات دون أن تتحول إلى حروب مدمرة. والنبي ﷺ كان يستمع لزوجاته ويُصغي إليهن ويتحاور معهن، وهذا النموذج النبوي يُؤكد أن التواصل الجيد أساس البيت السعيد.

الاستقرار العاطفي والنضج

الاستقرار العاطفي يعني أن يكون الشخص ناضجاً في التعامل مع مشاعره: لا يتقلّب بين الحب المفرط والكراهية الشديدة، ولا ينهار عند أول خلاف، ولا يُبالغ في ردود أفعاله. وهذا النضج يرتبط ارتباطاً وثيقاً بما ذكره النبي ﷺ من حسن الخلق، فإن حسن الخلق في جوهره هو ضبط النفس وحسن التعامل مع الآخرين في مختلف الظروف.

أخطاء شائعة في اختيار شريك الحياة

من خلال الأحاديث النبوية والتجربة الإنسانية يمكن رصد أخطاء شائعة يقع فيها كثير من الناس عند اختيار شريك الحياة. وهذه الأخطاء تتعارض مع المنهج النبوي في الاختيار وتؤدي في كثير من الأحيان إلى علاقات زوجية مضطربة.

التركيز على المظهر فقط

الجمال معيار مشروع كما أسلفنا، لكن المشكلة تكمن في جعله المعيار الوحيد أو الأول دون النظر في الدين والخلق. والنبي ﷺ حين ذكر الجمال ضمن المعايير الأربعة لم يُنكره لكنه وضعه في مرتبة بعد الدين. والواقع يُؤكد أن الجمال الظاهري يتغير مع الزمن، لكن جمال الروح والأخلاق يزداد ويتألق مع مرور السنين.

إهمال الأخلاق والطباع

بعض الناس يسأل عن كل شيء — المال والعمل والمنصب والشكل — إلا أخلاق الشخص وطباعه. وهذا خطأ فادح، لأنك ستعيش مع أخلاق هذا الإنسان يومياً: كيف يتعامل حين يغضب؟ كيف يُعامل والديه والضعفاء؟ هل يصدق في كلامه؟ هل يحفظ الأمانة؟ هذه الأسئلة أهم بكثير من السؤال عن راتبه أو سيارته، لأن المال يُكتسب ويزول لكن الأخلاق تبقى.

ضغط الأهل والمجتمع

من الأخطاء الشائعة أن يختار الإنسان شريك حياته بناء على رغبة أهله أو ضغط مجتمعه دون أن يكون هو مقتنعاً ومرتاحاً. ورأي الأهل مهم ومُقدَّر — فهم أصحاب خبرة ويُريدون الخير لأبنائهم — لكنه لا ينبغي أن يكون بديلاً عن قناعة الشخص نفسه وارتياحه. والنبي ﷺ أثبت للمرأة حق رفض من لا ترضاه حين جاءته امرأة تشكو أن أباها زوّجها دون رضاها.

التسرّع في القرار

الزواج قرار مصيري لا يحتمل التسرع. وبعض الناس يتخذ هذا القرار في أيام أو أسابيع قليلة دون أن يُعطي نفسه وقتاً كافياً للتعرف والتأمل. والإسلام شرع فترة الخطبة ليتعرف الطرفان على بعضهما — ضمن الضوابط الشرعية — قبل أن يرتبطا بعقد الزواج. والاستعجال قد يُؤدي إلى اكتشاف مفاجآت بعد الزواج كان يمكن تجنبها لو أُخذ الوقت الكافي.

المقارنة بالآخرين

من الأخطاء التي تُفسد الاختيار أن يُقارن الشخص المتقدم للزواج بشريك حياة صديقه أو قريبه: «أريد مثل زوجة فلان» أو «أريد زوجاً كزوج فلانة». هذه المقارنات تخلق توقعات غير واقعية وتُغفل حقيقة أن كل إنسان فريد بصفاته ومميزاته. والحكمة أن تبحث عمّن يُناسبك أنت ويُكمّلك أنت، لا عمّن يُشبه ما رأيته عند غيرك.

الكفاءة في الزواج: رؤية متوازنة

مفهوم الكفاءة في الزواج من المسائل الفقهية التي اختلف فيها العلماء اختلافاً واسعاً. والكفاءة تعني التكافؤ والتوازن بين الزوجين في صفات معينة. وقد تباينت آراء المذاهب الفقهية في تحديد هذه الصفات.

تنوّع آراء الفقهاء

ذهب الإمام مالك إلى أن الكفاءة المعتبرة هي في الدين فقط، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وبأن النبي ﷺ زوّج زينب بنت جحش — القرشية الشريفة — من زيد بن حارثة — الموْلى المُعتَق. وذهب الحنفية والشافعية إلى أن الكفاءة تشمل أموراً أخرى كالنسب والحرية والمال والحرفة، مع اعتبار أن الدين أهمها. ورأى الحنابلة أن الكفاءة في الدين والنسب والحرية والحرفة واليسار.

والذي يظهر من مجموع الأحاديث النبوية أن الدين والخلق هما الأساس في الكفاءة، وأن بقية الاعتبارات — كالنسب والمال والمكانة — قد يُنظر فيها لتحقيق الانسجام الاجتماعي بين الأسرتين ومنع الخلافات المستقبلية، لكنها لا ترقى إلى مرتبة الشرط اللازم. وكل حالة تُقدَّر بحسب ظروفها ومجتمعها، والعبرة بتحقيق المودة والسكينة بين الزوجين.

الكفاءة في ضوء المقاصد الشرعية

والنظر الأعمق في مسألة الكفاءة يقتضي ربطها بمقاصد الزواج في الإسلام: تحقيق السكينة والمودة والرحمة. فكل ما يُحقق هذه المقاصد مطلوب، وكل ما يُعيقها مرفوض. فإن كان التفاوت في المال أو النسب لا يُؤثر في مودة الزوجين وسكينتهما فلا معنى لاشتراطه. وإن كان التفاوت الكبير في بيئة ما يُؤدي إلى مشكلات حقيقية تُهدد استقرار الأسرة فقد يكون النظر فيه من الحكمة. والمهم ألا تتحول مسألة الكفاءة إلى أداة تمييز طبقي تُعطّل سنة الزواج وتُحرم الناس من حقهم في بناء أسر مسلمة سعيدة.

دروس عملية لاختيار شريك الحياة

من خلال تأمّلنا في الأحاديث النبوية واستنباطات العلماء الكلاسيكيين — كابن حجر في “فتح الباري” والنووي في “شرح صحيح مسلم” والغزالي في “إحياء علوم الدين” — يمكن استخلاص سبع نصائح عملية لمن يُقبل على اختيار شريك الحياة:

أولاً: ابدأ بالدين والخلق ولا تنتهِ عندهما. الدين والخلق هما الأساس كما أرشد النبي ﷺ، لكن لا تُلغِ بقية المعايير. ابحث عمّن يجمع بين الدين والصفات الأخرى التي تُناسبك. فالمعايير النبوية ليست قائمة حصرية بل هي ترتيب أولويات يُرشدك عند التعارض.

ثانياً: انظر إلى السلوك لا الكلام. كثير من الناس يُحسنون الكلام في فترة الخطبة لكن سلوكهم الحقيقي يظهر في تعاملاتهم اليومية. لاحظ كيف يتعامل مع والديه، كيف يتحدث عن الآخرين، كيف يتصرف تحت الضغط. هذه المؤشرات السلوكية أصدق من أي كلام مُنمّق.

ثالثاً: استشر أهل الثقة والخبرة. لا تعتمد على رأيك وحدك. اسأل من يعرف الشخص الآخر — أقاربه، زملاء عمله، جيرانه — لتحصل على صورة أكمل. وتذكر أن الاستشارة في الإسلام أمانة: فمن استُشير فليُخلص النصيحة ولا يكتم عيباً يعلمه.

رابعاً: صلِّ الاستخارة بعد بذل الأسباب. الاستخارة ليست بديلاً عن البحث والسؤال والتفكير، بل هي خطوة تأتي بعدها. ابحث واسأل وتأمل، ثم صلِّ الاستخارة واطلب من الله أن يُيسّر لك الأصلح. وامضِ في قرارك واثقاً بأن الله لن يخذلك.

خامساً: لا تُبالغ في الشروط ولا تتنازل عن الأساسيات. التوازن مطلوب: فمن يضع شروطاً مثالية لا وجود لها في الواقع سيظل ينتظر طويلاً، ومن يتنازل عن الأساسيات — كالدين والخلق — سيندم لاحقاً. ضع شروطاً معقولة واقعية، وميّز بين ما لا يمكن التنازل عنه وما يمكن التغاضي عنه.

سادساً: تحدّث بصراحة عن التوقعات. قبل الارتباط، تحدث مع شريكك المحتمل عن توقعاتك ورؤيتك للحياة الزوجية: مكان السكن، العمل، تربية الأبناء، العلاقة بالأهل، الأمور المالية. هذه المحادثات الصريحة — ضمن الأدب والاحترام — تمنع كثيراً من المفاجآت بعد الزواج وتكشف مدى التوافق بينكما.

سابعاً: ثق بفطرتك واستمع لقلبك. بعد كل الأسباب العقلية والشرعية، هناك إحساس داخلي بالارتياح أو عدمه لا ينبغي تجاهله. فالنبي ﷺ قال: «استفتِ قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك» (رواه أحمد — حسن). وهذا لا يعني الانسياق وراء الهوى المجرد، بل يعني أن تأخذ شعورك الداخلي بعين الاعتبار جنباً إلى جنب مع المعايير الموضوعية.

خاتمة: الاختيار الصحيح بداية الحب الحقيقي

في ختام هذا التأمل في الأحاديث النبوية عن اختيار شريك الحياة، نصل إلى حقيقة جوهرية: الاختيار الحكيم هو الخطوة الأولى نحو زواج سعيد ومودة دائمة. فالحب الزوجي لا يبدأ من فراغ بل يبدأ من اختيار سليم مبني على معايير صحيحة. والنبي ﷺ حين أرشدنا إلى تقديم الدين والخلق لم يكن يُلغي المشاعر بل كان يُؤسس لها على قاعدة صلبة تضمن استمرارها.

إن كثيراً من المشكلات الزوجية التي نراها اليوم يمكن إرجاعها إلى خلل في مرحلة الاختيار: اختيار مبني على المظهر وحده، أو على المال وحده، أو على ضغط اجتماعي دون قناعة حقيقية. ولو عاد الناس إلى المنهج النبوي في الاختيار — بتقديم الدين والخلق، والنظر المتوازن في بقية المعايير، والاستعانة بالله من خلال الاستخارة — لقلّت المشكلات الزوجية وازدادت البيوت سعادة واستقراراً.

قال الإمام ابن القيم في “زاد المعاد” إن من أعظم أسباب التوفيق في الزواج أن يبدأ الإنسان بالاستعانة بالله ثم بحسن الاختيار، فإن من اختار على أساس الدين والخلق فقد وضع أساساً متيناً يبني عليه حياة كاملة من المودة والرحمة والسكينة.

والرسالة النهائية التي نستخلصها من هذه الأحاديث هي أن الزواج ليس صفقة تجارية تُقاس بالأرقام والمظاهر، بل هو شراكة روحية ونفسية وحياتية تقوم على الدين والخلق والتوافق والاحترام المتبادل. ومن وفّقه الله لاختيار شريك صالح فقد رُزق كنزاً لا يُقدَّر بثمن — كنزاً يُعينه على دنياه وآخرته، ويملأ بيته بالسكينة والمودة والرحمة.

نسأل الله أن يُوفّق كل من يبحث عن شريك حياته إلى الاختيار الصحيح، وأن يبارك في كل بيت مسلم بُني على أساس من الدين والتقوى والمودة، وأن يجعل بيوتنا واحات سكينة ومنابع رحمة يتخرّج منها جيل صالح يحمل أمانة الإسلام ويُعمّر الأرض بالخير والعدل.

أسئلة شائعة

ما أهم حديث نبوي عن اختيار الزوجة؟
أشهر حديث في هذا الباب هو قوله ﷺ: «تُنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» (متفق عليه). هذا الحديث يذكر أربعة معايير يختار الناس على أساسها، لكنه يُوصي بتقديم معيار الدين على ما سواه، لأن الدين هو الأساس الذي يضمن استمرار المودة والاحترام بين الزوجين.
هل يعني حديث «فاظفر بذات الدين» تجاهل الجمال والمال؟
لا، لم يُحرّم النبي ﷺ النظر في المعايير الأخرى كالجمال والحسب والمال، بل ذكرها ضمن المعايير المشروعة. لكنه أرشد إلى أن الدين ينبغي أن يكون المعيار الأول والأهم. قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري إن المراد أن تكون صاحبة الدين هي المقدَّمة عند التعارض، لا أن يُلغي الرجل بقية المعايير. فالمسلم يسعى للجمع بين الدين والمعايير الأخرى ما أمكن.
ما الحديث الذي يحدد معايير اختيار الزوج؟
من أبرز الأحاديث في اختيار الزوج قوله ﷺ: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض» (رواه الترمذي — حسن). هذا الحديث يجعل الدين والخلق معياريْن أساسييْن لقبول الخاطب، ويُحذّر من رفض أصحاب الدين والخلق بحجج أخرى كالنسب أو المال وحدهما.
هل يجوز النظر إلى المخطوبة قبل الزواج؟
نعم، أمر النبي ﷺ بالنظر إلى المخطوبة قبل الزواج. فقد قال لرجل خطب امرأة: «اذهب فانظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئاً» (رواه مسلم — صحيح). وقال أيضاً: «إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل» (رواه أبو داود — حسن). والغاية من ذلك تحقيق التوافق والقبول بين الطرفين قبل الارتباط.
ما مفهوم الكفاءة في الزواج عند الفقهاء؟
الكفاءة في الزواج مفهوم فقهي يتعلق بالتوافق بين الزوجين. اختلف الفقهاء في تفاصيلها: فمنهم من اعتبرها في الدين والخلق فقط كالإمام مالك، ومنهم من أضاف النسب والحرية والمال كالحنفية والشافعية. والرأي الأقرب إلى روح الأحاديث النبوية أن الكفاءة الحقيقية تكون أولاً في الدين والخلق، ثم في التوافق الذي يُحقق السكينة والمودة بين الزوجين.
ما دور الاستخارة والاستشارة في اختيار شريك الحياة؟
الاستخارة والاستشارة ركيزتان في منهج الاختيار الإسلامي. الاستخارة هي صلاة ودعاء يطلب فيها المسلم من الله أن يختار له الأصلح، وقد علّمها النبي ﷺ أصحابه في كل أمورهم (رواه البخاري). والاستشارة هي سؤال أهل الخبرة والثقة عن الشخص المُراد الارتباط به. والجمع بينهما يُحقق التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب البشرية.