الحب في الله — أعلى مراتب الحب الإنساني

أن تحب أخاك لوجه الله — حب يتجاوز المصلحة ويبقى بعد زوال الدنيا

15 دقيقة قراءة

«سبعة يُظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه... ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه»

متفق عليه (البخاري ومسلم)

مقدمة: حب يتجاوز المصلحة

في عالم تتشابك فيه العلاقات بالمصالح وتُقاس فيه الصداقات بالمنافع، يأتي الإسلام بمفهوم فريد للمحبة يرتقي بالعلاقات الإنسانية إلى أعلى مراتبها: الحب في الله. هذا الحب الذي لا يطلب عوضاً دنيوياً ولا يرجو مقابلاً مادياً، بل يكون خالصاً لله وحده — باعثه رضا الله وغايته رضا الله. إنه حب يتجاوز حدود المصلحة الشخصية ليبلغ أفقاً لا تبلغه العلاقات البشرية العادية.

وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا النوع من الحب من أسباب نيل ظل الله يوم القيامة ومحبة الله تعالى والجلوس على منابر من نور. وهذه المكانة الرفيعة تدل على أن الحب في الله ليس مجرد شعور عاطفي جميل، بل هو مقام إيماني عظيم يسعى إليه المؤمن كما يسعى إلى الصلاة والصيام والزكاة. فهو عبادة قلبية من أجلّ العبادات وأحبها إلى الله تعالى.

وفي هذا المقال سنغوص في أعماق هذا المفهوم النبيل: نستعرض الأحاديث الصحيحة التي بيّنت فضل المتحابين في الله وجزاءهم، ونتأمل في شروح كبار العلماء كابن القيم والنووي وابن حجر والغزالي، ونحلل الفرق بين الحب في الله والحب البشري العادي، ونبيّن كيف يمتد هذا الحب ليشمل العلاقة الزوجية فيرتقي بها إلى أسمى درجاتها. فالحب في الله ليس حكراً على الصحبة بين الرجال بل يشمل كل علاقة إنسانية يكون الله فيها هو الباعث والغاية.

حديث السبعة: المتحابون في ظل الله

من أعظم الأحاديث التي بيّنت مكانة الحب في الله حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سبعة يُظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلّق بالمساجد، ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه».

تأمّل في وصف النبي صلى الله عليه وسلم للمتحابين في الله: “تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه”. أي أن حبهما كان لله من أوله إلى آخره — حين اجتمعا كان اجتماعهما بسبب الله، وحين تفرّقا بقي حبهما لله لم يتغير. فلم يجمعهما طمع في مال أو جاه أو منفعة دنيوية، ولم يفرّقهما اختلاف في مصلحة أو تنافس على حظ من حظوظ الدنيا. إنه حب خالص من كل شائبة بشرية.

وقد بيّن الإمام النووي رحمه الله في شرحه لهذا الحديث أن الظل هنا هو ظل عرش الرحمن أو ظل خاص يخلقه الله يوم القيامة حين تدنو الشمس من الرؤوس ويشتد الحر، وذلك اليوم الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين. وأن اختيار المتحابين في الله ضمن هذه السبعة يدل على أن هذا الحب من أعظم أعمال القلوب التي تُنجي صاحبها في ذلك اليوم العظيم. فمن حقق هذا الحب فقد حقق عملاً يضاهي إقامة العدل وعبادة الله في الشباب والتعلق بالمساجد.

وقال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري إن قوله “اجتمعا عليه وتفرّقا عليه” يعني أنهما داما على هذا الحب في الله ولم يقطعه بينهما شيء من أمور الدنيا، سواء اجتمعا في مكان واحد أو تفرّقا في أماكن شتى. فالعبرة ببقاء الحب في القلب لا بالقرب الجسدي. وهذا يعني أن المتحابين في الله قد يكونان في بلدين مختلفين لكن حبهما في الله لا يتغير ولا ينقص بطول المسافة أو بُعد الزمان.

“إني أُحبك في الله” — حديث الإعلان عن الحب

لم يكتفِ الإسلام بالحث على الحب في الله بل أمر بالإعلان عنه وإخبار المحبوب به. فقد روى أبو داود بسند صحيح عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أحبّ أحدُكم أخاه فليُعلِمه أنه يُحبه». وفي رواية أخرى عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلاً كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فمرّ به رجل فقال: يا رسول الله إني لأُحب هذا. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “أأعلمته؟” قال: لا. قال: “أعلِمه”. فلحقه فقال: إني أُحبك في الله. فقال: أحبّك الذي أحببتني له (رواه أبو داود -- صحيح).

في هذا الحديث عدة لطائف بديعة. أولاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتفِ بإقرار الرجل على حبه بل أمره بالذهاب إلى أخيه وإعلامه — وهذا يدل على أن الإعلان عن الحب في الله سنة نبوية مؤكدة لا مجرد رخصة أو إباحة. ثانياً: أن الرجل قيّد حبه بقوله “في الله” — فلم يقل “أحبك” فقط بل قال “أحبك في الله”، مما يدل على أن الإخلاص في النية ركن أساسي في هذا الحب. ثالثاً: أن الرد الذي جاء من المحبوب — “أحبّك الذي أحببتني له” — يدل على أن هذا الحب حين يُعلَن عنه يُولّد حباً مقابلاً، فيصبح الحب متبادلاً ويتضاعف.

وقد بيّن العلماء أن الحكمة من الأمر بإعلان الحب في الله متعددة. فمنها أنه يُثبّت المحبة في القلوب ويُقوّيها، ومنها أنه يجلب محبة مقابلة فيتحقق التحابب بين المسلمين، ومنها أنه يُشيع جوّاً من المودة والأُلفة في المجتمع المسلم. قال الإمام الغزالي رحمه الله في إحياء علوم الدين إن إظهار المحبة في الله من أسباب تماسك المجتمع المسلم وقوّته، لأن المحبة المعلنة تصنع روابط لا تقطعها الفتن ولا تُضعفها المحن.

«إذا أحبّ أحدُكم أخاه فليُعلِمه أنه يُحبه»

(رواه أبو داود — صحيح)

المتحابون في الله على منابر من نور

ومن أعظم الأحاديث التي تبيّن مكانة المتحابين في الله ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله تعالى: المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء» (رواه مسلم). تأمّل في هذا الحديث: الله عز وجل هو الذي يتحدث عن المتحابين في جلاله — وهذا تشريف لا يدانيه تشريف. ثم يصف جزاءهم بأنه منابر من نور — لا مجرد مقاعد بل منابر عالية مضيئة تليق بمكانتهم.

والأعجب من ذلك أن الأنبياء والشهداء يغبطونهم على هذه المنزلة. والغبطة هي تمني الحصول على مثل ما عند الآخر دون تمني زواله عنه — وهي تختلف عن الحسد. فإذا كان الأنبياء والشهداء — وهم أعلى الخلق مرتبة — يغبطون المتحابين في الله، فماذا يدل هذا على عظمة هذا الحب؟ إنه يدل على أن الحب في الله يبلغ بصاحبه مقاماً قد لا تبلغه كثير من العبادات الأخرى.

وقد علّق الإمام النووي على هذا الحديث بقوله إن المنابر من النور تكون يوم القيامة يجلس عليها المتحابون في الله بين يدي الله تعالى وقد أُضيء لهم بنور خاص يُميّزهم عن سائر الخلق. وأن غبطة الأنبياء والشهداء لهم ليست لأنهم أعلى منهم درجة، بل لأن هذا الجزاء الخاص جاءهم من عمل قلبي قد يبدو يسيراً ظاهراً لكنه عظيم عند الله. وهذا يؤكد أن أعمال القلوب أعظم أثراً عند الله من كثير من أعمال الجوارح، وأن الحب في الله هو من أشرف أعمال القلوب وأجلّها.

وفي حديث قدسي آخر يبيّن مكانة المتحابين في الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيّ والمتجالسين فيّ والمتزاورين فيّ والمتباذلين فيّ» (رواه مالك في الموطأ بسند صحيح). فالله تعالى يُحب المتحابين فيه — وحين يُحب الله عبداً فقد فاز فوزاً عظيماً. وقد ذكر الحديث أربعة أفعال: التحابب والتجالس والتزاور والتباذل — مما يدل على أن الحب في الله ليس مجرد شعور ساكن في القلب بل يتجلى في أفعال عملية من المجالسة والزيارة والعطاء.

ما معنى “في الله”؟ — تحليل عميق

إن فهم معنى “في الله” هو المفتاح لفهم هذا المفهوم كله. فكلمة “في” هنا تدل على السببية والغائية معاً — أي أن الله هو سبب الحب وغايته في آن واحد. وقد فصّل العلماء هذا المعنى في عدة أبعاد متكاملة تكشف عن عمق هذا الحب وتميّزه.

الحب بلا مصلحة دنيوية

البُعد الأول لمعنى “في الله” هو أن يكون الحب خالياً من كل مصلحة دنيوية. فلا تحب أخاك لأنه غني فيعطيك، ولا لأنه ذو جاه فينفعك، ولا لأنه يمدحك ويُثني عليك. بل تحبه لله وحده حتى لو لم تنتفع منه بشيء من حظوظ الدنيا. وهذا أصعب اختبارات الحب في الله: هل تبقى محبتك لأخيك إذا زال عنه المال والجاه والمنصب؟ إذا كان الجواب نعم فحبك حب في الله، وإن كان الجواب لا فثمة شائبة دنيوية في هذا الحب ينبغي تنقيتها.

الحب بسبب صفات ترضي الله

البُعد الثاني هو أن يكون باعث الحب صفات ترضي الله في المحبوب. فأنت تحبه لتقواه أو لعلمه الشرعي أو لحسن خلقه أو لصدقه أو لإحسانه إلى الناس أو لزهده في الدنيا أو لإقباله على الله. وكل هذه صفات يحبها الله — فحين تحب من يتصف بها فإنك تحب ما يحبه الله، وهذا هو جوهر الحب في الله. قال ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين: “الحب في الله هو أن تحب العبد بقدر ما فيه من طاعة الله” — أي أن المحرّك الأساسي لهذا الحب هو قرب المحبوب من الله تعالى.

الحب الذي لا ينتهي بانتهاء المنفعة

البُعد الثالث هو ديمومة هذا الحب واستمراره حتى بعد انتهاء أي منفعة مشتركة. فالصداقات الدنيوية غالباً ما تنتهي بانتهاء المصلحة — ينتقل الزميل إلى عمل آخر فتضعف العلاقة، يتغير الجار فينقطع التواصل، تنتهي الشراكة فيتفرق الشريكان. أما الحب في الله فلا ينتهي لأن سببه لم ينتهِ — فطالما أن هذا الأخ متقٍّ لله صالح في دينه فإن سبب حبك له باقٍ ولو تفرقت بكما الأزمان والأماكن. وهذا هو معنى “تفرّقا عليه” في حديث السبعة — أي بقيا على حبهما في الله حتى حين تفرّقا.

تفسير ابن القيم في مدارج السالكين

وقد أفاض ابن القيم رحمه الله في كتابه “مدارج السالكين” في شرح مراتب المحبة وبيّن أن الحب في الله هو أعلى مراتب الحب الإنساني. فقال إن المحبة على ثلاث مراتب: محبة طبيعية كحب الطعام والشراب، ومحبة عقلية كحب العلم والحكمة، ومحبة إيمانية كالحب في الله — وهذه الأخيرة أشرفها وأعلاها لأنها تتعلق بأشرف الغايات وهي رضوان الله. كما بيّن أن الحب في الله لا يتعارض مع المحبة الطبيعية بل يرتقي بها — فقد يحب الإنسان أخاه محبة طبيعية ثم تنضاف إليها محبة في الله فتصبح المحبة أعمق وأبقى وأطهر.

الفرق بين الحب في الله والحب البشري العادي

لكي نفهم عظمة الحب في الله لا بد أن نقارنه بالحب البشري العادي — ذلك الحب المبني على المصلحة أو الإعجاب الشخصي أو المنفعة المتبادلة. وفيما يلي أبرز الفروق بين النوعين، وقد استقيناها من كلام العلماء الكلاسيكيين وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

البقاء مقابل الزوال

الحب في الله باقٍ لأن سببه — وهو رضا الله — لا يزول ولا يتغير. أما الحب البشري العادي فهو عرضة للزوال لأن أسبابه — كالجمال والمال والمنصب والمصلحة — كلها أمور زائلة بطبيعتها. كم من صداقة انتهت بتغير الأحوال المادية! وكم من حب ذهب بذهاب المصلحة المشتركة! أما الحب في الله فيبقى ما بقي الإيمان في القلب. وقد قال ابن تيمية رحمه الله: “كل محبة لغير الله فإنها تنقلب عداوة يوم القيامة إلا المحبة في الله”. واستدل بقوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ (سورة الزخرف: 67).

الإخلاص مقابل المصلحة

الحب في الله مبني على الإخلاص — أي أنك تحب أخاك لأن الله يحب ما فيه من صفات لا لأنك تنتظر منه شيئاً. أما الحب البشري العادي فغالباً ما يكون مبنياً على المصلحة المتبادلة — أحبك لأنك تنفعني وتحبني لأنني أنفعك. وهذا لا يعني أن كل حب بشري عادي مذموم — فالحب الطبيعي بين الأقارب والأصدقاء والأزواج أمر فطري لا بأس به — لكن الحب في الله يرتقي بهذه العلاقات إلى مستوى أعلى من الإخلاص والطهارة.

العمق مقابل السطحية

الحب في الله حب عميق يتغلغل في أعماق القلب ويتصل بأعمق ما في الإنسان — إيمانه وعلاقته بربه. أما الحب البشري العادي فقد يكون سطحياً يقوم على المظاهر أو المجاملات أو التسلية المشتركة. ولذلك تجد أن المتحابين في الله يتناصحون بصدق ويتواصون بالحق ويتواصون بالصبر، بينما الأصدقاء العاديون قد يكتفون بالمجاملة وتجنب المواجهة. والعمق في الحب في الله يأتي من أنه متصل بالبُعد الأبدي في حياة الإنسان — فهو حب يمتد إلى ما بعد الموت ويثمر يوم القيامة.

رؤية ابن تيمية

وقد لخّص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الفرق الجوهري بين النوعين بقوله إن كل محبة لا تكون لله فهي باطلة — ليس بمعنى أنها محرّمة بل بمعنى أنها لا تنفع صاحبها يوم القيامة. فالحب الدنيوي ينتهي أثره بانتهاء الدنيا، أما الحب في الله فيبقى أثره في الآخرة. وقال ابن تيمية أيضاً إن أصل كل خير في الدنيا والآخرة هو محبة الله ومحبة ما يحبه الله، وأن الحب في الله فرع من هذا الأصل العظيم. فمن أحب الله حقاً أحب كل من يُحبه الله وأحب كل ما يُحبه الله.

الحب في الله بين الزوجين

يظن كثير من الناس أن الحب في الله يقتصر على العلاقة بين الأصدقاء أو بين طالب العلم وشيخه. لكن الحقيقة أن أولى الناس بالحب في الله هو الزوج أو الزوجة. فالعلاقة الزوجية هي أقرب العلاقات الإنسانية وأكثرها حميمية، وحين يُضاف إليها بُعد الحب في الله فإنها تبلغ ذروة ما يمكن أن تصل إليه العلاقة الإنسانية من العمق والجمال والديمومة.

حين يُحب الزوج زوجته في الله

الزوج الذي يحب زوجته في الله هو الذي يحبها لأنها تُعينه على طاعة الله وتُذكّره بالله وتربّي أبناءه على الإيمان. إنه يحبها لجمالها ولطفها ورعايتها — وهذا حب طبيعي مشروع — لكنه يحبها أيضاً لأنها ترفع إيمانه وتُقرّبه من ربه. وهذا النوع من الحب يجعل الزوج ينظر إلى زوجته نظرة أعمق من النظرة السطحية — فلا يراها مجرد شريكة في الحياة المادية بل يراها شريكة في الطريق إلى الله.

الحب المزدوج: حب طبيعي وحب في الله

من أجمل ما في الحب بين الزوجين أنه يمكن أن يجمع بين نوعين من الحب في آن واحد: حب طبيعي فطري قائم على الميل الغريزي والأنس والألفة والجمال، وحب في الله قائم على التقوى والصلاح والأخلاق الإيمانية. وهذا الجمع بين النوعين لا يتعارض بل يتكامل — فالحب الطبيعي يمنح العلاقة دفئها الإنساني، والحب في الله يمنحها عمقها الروحي وديمومتها. وقد أشار ابن القيم رحمه الله إلى أن الحب الزوجي حين يكون في الله يجمع بين لذة الحب الطبيعي وثواب الحب الإيماني — فيكون الزوجان في نعيم في الدنيا وأجر في الآخرة.

كيف يُعمّق الحب في الله العلاقة الزوجية

حين يحب الزوجان بعضهما في الله تتحول العلاقة الزوجية من عقد دنيوي إلى رحلة مشتركة نحو الله. يصلّيان معاً ويصومان معاً ويتدارسان القرآن معاً ويتنافسان في الخيرات. وحين يمرّ أحدهما بفتور إيماني يُشجعه الآخر ويأخذ بيده. وحين يختلفان يرجعان إلى الله لا إلى أهوائهما. هذا البُعد الإيماني في العلاقة يجعلها أقوى أمام تقلبات الحياة لأن الأساس الذي تقوم عليه — وهو رضا الله — لا يتغير ولا يزول. ولذلك كانت أنجح العلاقات الزوجية تاريخياً هي تلك التي جمعت بين الحب الطبيعي والحب في الله.

«رحم الله رجلاً قام من الليل فصلّى وأيقظ امرأته فصلّت، فإن أبت نضح في وجهها الماء»

(رواه أبو داود — صحيح)

علامات الحب في الله

كيف يعرف الإنسان أن حبه لأخيه أو زوجه حب في الله حقيقي وليس مجرد حب دنيوي يتلبّس بلباس ديني؟ ذكر العلماء عدة علامات تدل على صدق هذا الحب وإخلاصه، وعلى رأسهم الإمام الغزالي رحمه الله في كتابه “إحياء علوم الدين” وابن القيم في “مدارج السالكين”. وقد جمعنا أبرز هذه العلامات فيما يلي.

أن تحب له الخير كما تحبه لنفسك

العلامة الأولى والأوضح هي أن تحب لأخيك الخير كله — الديني والدنيوي — كما تحبه لنفسك بلا حسد ولا غيرة. فلا يضيق صدرك إذا نال نعمة لم تنلها، ولا تتمنى زوال ما عنده من خير. بل تفرح لفرحه كما تفرح لفرحك، وتحزن لحزنه كما تحزن لحزنك. وقد قال الإمام الغزالي رحمه الله: “من علامات الحب في الله أن تفرح بنجاح أخيك كفرحك بنجاحك”. فإذا وجدت في قلبك أي ضيق من نجاح أخيك فاعلم أن في حبك شائبة ينبغي تنقيتها.

أن تنصحه بصدق وإن كرِه

من علامات الحب في الله أنك لا تُداهنه ولا تُجامله على حساب الحق. فإذا رأيته يخطئ نصحته بلطف وحكمة، وإذا رأيته يبتعد عن الله ذكّرته برفق ورحمة. والصديق العادي قد يسكت عن خطأ صديقه خوفاً من أن يخسره، لكن المحب في الله يعلم أن السكوت عن الحق خيانة للمحبة لا حفاظاً عليها. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة» (رواه مسلم). والنصيحة في الحب في الله تكون بالحكمة والموعظة الحسنة لا بالتعنيف والتقريع.

أن تدعو له في غيبته

من أصدق علامات الحب في الله أن تدعو لأخيك بظهر الغيب — أي في سرّك وبينك وبين الله دون أن يعلم هو. فهذا الدعاء خالص من كل رياء وبعيد عن كل مجاملة — لأنك تدعو له وهو لا يسمعك ولا يراك. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكّل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكّل به: آمين ولك بمثله» (رواه مسلم). فالدعاء لأخيك في غيبته دليل على أن حبك له حب صادق خالص لا يطلب إلا وجه الله.

أن لا يتغير حبك بتغير أحواله

وآخر العلامات وأعمقها هي أن يبقى حبك ثابتاً لا يتغير بتغير أحوال المحبوب الدنيوية. فلا يزيد حبك له إذا اغتنى ولا ينقص إذا افتقر. ولا يقوى إذا صار ذا منصب ولا يضعف إذا عُزل. ولا يتأثر بما تمر به العلاقة من ظروف صعبة أو خلافات عارضة. فإذا وجدت حبك يتقلب مع تقلب أحواله الدنيوية فاعلم أن في هذا الحب نصيباً من الدنيا يحتاج إلى تطهير. قال الإمام الغزالي: “الحب في الله لا يزيد بالإقبال ولا ينقص بالإدبار” — أي أنه حب ثابت كثبات سببه وهو الإيمان بالله.

دروس عملية: كيف تحقق الحب في الله

بعد هذه الرحلة في فهم الحب في الله ومكانته وعلاماته، يبقى السؤال العملي: كيف يمكن للمسلم أن يُحقق هذا الحب في حياته اليومية؟ فيما يلي ست خطوات عملية مستلهمة من الأحاديث النبوية وشروح العلماء.

1. اختر أصحابك على أساس التقوى

الخطوة الأولى لتحقيق الحب في الله هي أن تختار من تصاحبهم على أساس تقواهم وصلاحهم لا على أساس ثرائهم أو مناصبهم أو شهرتهم. ابحث عن الذين يُذكّرونك بالله إذا رأيتهم ويزيد إيمانك إذا جالستهم. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يُخالل» (رواه أبو داود — حسن). والصحبة الصالحة هي البيئة التي ينمو فيها الحب في الله ويزدهر.

2. أعلن حبك لمن تحب في الله

لا تكتم حبك بل أخبر من تحبه في الله بمحبتك اتباعاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم. قل له: “إني أحبك في الله” — فهذه الكلمات البسيطة لها أثر عظيم في تقوية الرابطة بينكما وإشاعة المودة في قلبيكما. ولا تستحِ من هذا الإعلان فهو سنة نبوية مؤكدة وليس ضعفاً أو مبالغة.

3. تفقّد إخوانك وزُرهم

الحب في الله ليس مجرد شعور ساكن بل يتجلى في أفعال عملية كالتفقد والزيارة والسؤال عن الأحوال. زُر أخاك في الله واسأل عنه إذا غاب وعُده إذا مرض وواسِه إذا حزن. فقد جاء في الحديث القدسي أن الله تعالى يقول يوم القيامة: «يا ابن آدم مرضت فلم تعُدني... أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعُده، أما علمت أنك لو عُدته لوجدتني عنده» (رواه مسلم). فالتفقد والزيارة من أعظم مظاهر الحب في الله.

4. ادعُ لهم بظهر الغيب

اجعل لإخوانك ولزوجك نصيباً من دعائك في كل صلاة. ادعُ لهم بالهداية والتوفيق والصحة والبركة. فهذا الدعاء من أصدق علامات الحب في الله — لأنك تدعو لهم وهم لا يرونك ولا يسمعونك فلا مجال للرياء والمجاملة. والدعاء لأخيك بظهر الغيب يعود عليك بالخير أيضاً لأن الملك يقول: “آمين ولك بمثله” كما في الحديث.

5. نقِّ قلبك من الحسد والبغضاء

لا يجتمع الحب في الله مع الحسد والبغضاء في قلب واحد. فاعمل على تطهير قلبك من كل غل وحقد تجاه المسلمين. وكلما شعرت بالحسد تجاه أحد فادعُ له بالبركة واستعذ بالله من الشيطان وذكّر نفسك بأن فضل الله واسع لا يُنقصه أن يُعطي هذا وذاك. وقد وصف الله عباده المؤمنين بأنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (سورة الحشر: 10).

6. اجعل حبك لزوجك حباً في الله

ارتقِ بحبك لشريك حياتك من مستوى الحب الطبيعي فقط إلى مستوى الحب في الله أيضاً. كيف؟ بأن تحب فيه تقواه وصلاحه وأخلاقه الإيمانية. بأن تشجعه على الطاعة وتُعينه على العبادة. بأن تجعل رضا الله هو الغاية المشتركة لعلاقتكما. بأن تصلّيا معاً وتتدارسا معاً وتتنافسا في الخيرات. حين يُضاف بُعد الحب في الله إلى الحب الطبيعي بين الزوجين يتحول الزواج من عقد دنيوي إلى شراكة في الطريق إلى الجنة.

خاتمة: الحب في الله أبدي

في ختام هذه الرحلة مع الحب في الله نصل إلى حقيقة عظيمة: أن هذا الحب هو الحب الوحيد الذي لا ينتهي. كل حب مبني على مصلحة دنيوية ينتهي بانتهائها. كل حب مبني على جمال يذبل بذبول الجمال. كل حب مبني على مال يزول بزوال المال. لكن الحب في الله يبقى — يبقى في الدنيا ويبقى في البرزخ ويبقى يوم القيامة ويبقى في الجنة. إنه حب أبدي لأن سببه أبدي — والله سبحانه لا يزول ولا يتغير.

وقد بيّنت الأحاديث النبوية الشريفة أن المتحابين في الله يتعارفون يوم القيامة ويُجمعون معاً في ظل الله وعلى منابر من نور. فالحب الذي بدأ في الدنيا لأجل الله يثمر في الآخرة ثمراً لا ينقطع. ولعل من أجمل ما يتخيّله المسلم أن يلقى يوم القيامة أخاه الذي أحبه في الله في الدنيا فيتعانقان ويدخلان الجنة معاً — وقد صار حبهما في الله نوراً يمشيان به في ذلك اليوم العظيم.

وكما بيّنا فإن هذا الحب ليس حكراً على الصحبة بين الأصدقاء بل يمتد ليشمل أقرب الناس إليك — زوجك وأهلك. والزوجان اللذان أحب كل منهما الآخر في الله يبنيان بيتاً يملؤه النور ويظلّه رضوان الله — بيتاً تنبت فيه ذرية صالحة ويشعّ منه الخير للمجتمع كله. فالحب في الله ليس ترفاً روحياً بل هو أساس كل علاقة إنسانية ناجحة لأنه يُنقّي العلاقة من شوائب الأنانية والحسد والمصلحة ويملؤها بالإخلاص والنصح والدعاء.

فلنحرص على أن يكون حبنا لإخواننا ولأزواجنا حباً في الله — حباً خالصاً طاهراً لا يطلب إلا وجه الله. ولنتذكر دائماً أن هذا الحب ليس مجرد شعور جميل بل هو عبادة من أجلّ العبادات وسبب من أسباب نيل محبة الله ورضوانه. وأن المتحابين في الله على منابر من نور يغبطهم الأنبياء والشهداء — فأيّ فضل أعظم من هذا وأيّ شرف أرفع! نسأل الله أن يجعلنا من المتحابين في جلاله، وأن يجمعنا بمن نحب في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

أسئلة شائعة

ما معنى الحب في الله؟
الحب في الله يعني أن تحب أخاك المسلم لا لمنفعة دنيوية أو مصلحة شخصية، بل لأنك ترى فيه صفات ترضي الله تعالى كالتقوى والصلاح والأخلاق الحسنة. فالباعث على هذا الحب هو الله وحده، والغاية منه رضوان الله، ولذلك لا ينتهي بانتهاء المنفعة ولا يتغير بتغير الأحوال الدنيوية. وقد وصفه ابن القيم رحمه الله بأنه أعلى مراتب المحبة الإنسانية لأنه حب خالص من شوائب النفس والهوى.
ما جزاء المتحابين في الله يوم القيامة؟
ورد في السنة النبوية عدة أحاديث تبيّن جزاء المتحابين في الله. فهم من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله كما في حديث البخاري ومسلم. وهم على منابر من نور يغبطهم الأنبياء والشهداء كما في حديث مسلم. وقد قال الله تعالى فيما يرويه النبي ﷺ في الحديث القدسي: وجبت محبتي للمتحابين فيّ والمتجالسين فيّ والمتزاورين فيّ والمتباذلين فيّ. فجزاؤهم محبة الله لهم وهي أعلى الدرجات.
هل يمكن أن يكون الحب بين الزوجين حباً في الله؟
نعم، وهذا من أجمل صور الحب في الإسلام. فالزوج حين يحب زوجته لتقواها وصلاحها وحسن خلقها فهو يحبها في الله، وهذا لا يتعارض مع الحب الطبيعي والغريزي بينهما بل يضاف إليه ويرتقي به. فيصبح الحب مزدوجاً: حب طبيعي فطري وحب في الله إيماني، وهذا يجعل العلاقة الزوجية أعمق وأبقى لأنها مؤسسة على أساس يتجاوز المتعة والمصلحة إلى رضوان الله.
كيف أعرف أن حبي لأخي هو حب في الله وليس حباً دنيوياً؟
هناك عدة علامات تدل على أن الحب حب في الله: أولاً أن تحب له الخير كما تحبه لنفسك بلا حسد. ثانياً أن تنصحه بصدق وإن كانت النصيحة ثقيلة عليه. ثالثاً أن تدعو له في غيبته دون أن يعلم. رابعاً أن لا يتغير حبك بتغير أحواله المادية فلا تحبه لغناه وتبتعد عنه لفقره. خامساً أن يبقى حبك له حتى لو لم تعد بينكما مصلحة مشتركة. فإذا اجتمعت هذه العلامات فحبك حب في الله إن شاء الله.
ما الفرق بين الحب في الله والحب البشري العادي؟
الحب البشري العادي غالباً ما يكون مبنياً على مصلحة دنيوية أو إعجاب شخصي أو منفعة متبادلة، ولذلك يزول بزوال سببه. أما الحب في الله فباعثه صفات ترضي الله في المحبوب كالتقوى والعلم والأخلاق. والحب العادي قد يكون سطحياً يتأثر بالأحوال المتغيرة، أما الحب في الله فهو عميق ثابت لأن أساسه لا يتغير. كما أن الحب في الله يتضمن الإخلاص والنصح والدعاء، بينما الحب العادي قد يخلو من هذه المعاني.
هل يُسن أن أخبر من أحبه في الله بمحبتي؟
نعم، يُسن الإعلان عن الحب في الله. فقد روى أبو داود بسند صحيح أن رجلاً مرّ على النبي ﷺ ومعه رجل آخر فقال: يا رسول الله إني أحب هذا الرجل في الله، فقال له النبي ﷺ: أأعلمته؟ قال: لا. قال: أعلمه. فذهب إليه فقال: إني أحبك في الله، فقال الآخر: أحبك الذي أحببتني له. وهذا الحديث يدل على أن الإعلان عن الحب في الله سنة نبوية تزيد المودة وتقوي الروابط بين المسلمين.