في جبال الهيمالايا الشاهقة، فوق الغيوم وخارج مدارك البشر الفانين، جلس شيفا — إله الدمار والتجديد، سيّد اليوغا والتأمّل — غارقاً في سباتِ تأمّلٍ عميق امتدّ آلاف السنين. عينه الثالثة، عين البصيرة، كانت مُغمَضة، والكون بأسره غارقٌ في جمود. دون قوة الخلق التي وحده الحبّ يستطيع إيقاظها، كان العالم محكوماً عليه بالتجمّد إلى الأبد.
في الوقت ذاته، استولى شيطانٌ قاسٍ يُدعى تاراكاسورا على العوالم الثلاثة — السماء والأرض والعالم السفلي. كان قد نال بركةً من براهما بأن ابن شيفا وحده يستطيع هزيمته، وبما أن شيفا كان غارقاً في التأمّل دون أي اهتمام بالنساء أو الحب، شعر الشيطان بالأمان إلى الأبد. يئس الآلهة. عرفوا أن قوةً واحدة فقط في الكون تستطيع إيقاظ شيفا من سباته — حبّ امرأةٍ جديرة.
بارفاتي، ابنة ملك الجبال هيماڤان، وُلدت بمصيرٍ واحد واضح — أن تكون رفيقة شيفا. لم تكن أميرةً عادية؛ كانت تجسّداً لساتي، زوجة شيفا السابقة، التي أحرقت نفسها بعد أن أهان أبوها زوجَها. عادت روحها إلى العالم، تحمل في داخلها ذكرى الحب القديم.
منذ صغرها بدأت بارفاتي تصعد إلى جبل كايلاش، مقرّ شيفا، لتخدمه. يوماً بعد يوم كانت تحضر الأزهار، وتنظّف ما حوله، وتصلّي أمامه. لكن شيفا، الغارق في تأمّله، لم يلاحظها البتّة. كان كالحجر — بارداً، بعيداً، لا مبالياً بأي عاطفة بشرية.
الآلهة في يأسهم أرسلوا كاما، إله الحب الهندي (ما يقابل كيوبيد)، ليطلق سهم حبّ على شيفا. كاما، وهو يرتعد من الخوف، شدّ قوسه المصنوعة من قصب السكّر وأطلق سهماً مزيّناً بالأزهار نحو شيفا. في اللحظة التي أصابه السهم، استيقظ شيفا — لكن بدلاً من أن يشعر بالحب، شعر بغضبٍ عارم. انفتحت عينه الثالثة وأحرقت نظرتُها كاما وحوّلته إلى رماد. ولولت راتي زوجة كاما ولولةً مُرّة، وأدركت بارفاتي أن الحبّ بالقوّة لن ينتصر.
اتخذت بارفاتي قراراً سيُغيّر مجرى التاريخ. إن كان شيفا لن يتأثر بالجمال الظاهري، فستغزوه بقوّة الروح. غادرت قصرها، خلعت ثياب الحرير وحُليّ الذهب، وخرجت إلى الغابة لتعيش حياة تقشّفٍ قاسية. سنواتٍ طويلة جلست على صخرةٍ عارية، تحت الشمس الحارقة وأمطار الرياح الموسمية. لم تأكل سوى أوراقٍ قليلة، وأخيراً تخلّت حتى عنها — ومن هنا لقبها «أبارنا» (تلك التي لا تأكل حتى ورقة). كانت قوة تأمّلها عظيمةً لدرجة أن جسدها أشعّ حرارةً أحسّ بها الكون كلّه.
شيفا، الذي أحسّ بقوّتها الهائلة، أرسل إليها اختبارات. تنكّر في هيئة برهمين عجوز وجاءها يذمّ شيفا: «أيتها الفتاة الحمقاء، لماذا تُضيّعين حياتكِ على شيفا؟ إنه يعيش في المقابر، مغطّى بالرماد، يلبس جلود الأفاعي ورفاقه الأشباح. أنتِ تستحقين أفضل منه.» لكن بارفاتي لم تغضب، بل أجابت بسكينة: «أنتَ ترى الظاهر. وراء الرماد يختبئ نور الكون بأسره. شيفا هو الدمار الذي يفسح المجال للخلق، والصمت الذي يُولَد منه كل صوت، والفراغ الذي يحتوي كلّ شيء. أنا لا أحبّ مظهره، بل جوهره — وذلك الجوهر هو جوهر الكون ذاته.»
ابتسم البرهمين العجوز، وتلاشت هيئته. شيفا نفسه وقف أمامها، عيناه تشعّان. «أنتِ انتصرتِ،» قال بهدوء. «لا بالقوة بل بالمعرفة، لا بالحيلة بل بالحقيقة. أنتِ نِدّي — لا كخادمة، بل كنصف روحي.» في تلك اللحظة أدرك شيفا أنها ليست مجرّد امرأة تريده — إنها نصفه الآخر، وبدونها ليس سوى دمارٍ بلا خلق، وموتٍ بلا حياة.
كان زفافهما الحدث الكوني الأعظم في التاريخ. حضر كلّ الآلهة والحكماء والحيوانات والأرواح. ارتجفت الجبال، وغنّت الأنهار، وتفتّحت السماء بألوانٍ لم تُرَ من قبل. ظهر شيفا في جلاله — جسده مغطّى بالرماد الأبيض، وأفعى كوبرا ملتفّة حول عنقه، وهلال القمر في شعره، ونهر الغانج يتدفّق من هامته. بارفاتي وقفت إلى جانبه، مزيّنةً بأزهار الياسمين، بشرتها ذهبية بنّية اللون، وفي عينيها تنعكس ألف تجسّدٍ من الحب.
من اتحادهما وُلد سكاندا (المعروف أيضاً بموروغان أو كارتيكييا)، محاربٌ إلهي نما بسرعة وقاد جيش الآلهة إلى النصر على تاراكاسورا. لكن أبعد من النصر العسكري، رمز اتحاد شيفا وبارفاتي إلى التوازن الكوني ذاته — شيفا، مبدأ الدمار والتحوّل، وبارفاتي، مبدأ الخلق والخصوبة، معاً خلقا دورة الحياة الأبدية.
في عقيدة أردهاناريشڤارا، يظهر شيفا وبارفاتي في جسدٍ واحد — نصفه رجل ونصفه امرأة — رمزاً إلى أنه لا اكتمال بدون اتحاد الأضداد. قصتهما تعلّمنا أن الحب الحقيقي يتطلّب إخلاصاً وصبراً لا حدود لهما، واستعداداً لتحويل الذات — لا لإرضاء الآخر، بل لتكون جديراً باتحاد أرواحٍ يتخطّى حدود الزمان والموت.
