في مدينة أيوديا، عاصمة مملكة كوشالا في شمال الهند القديمة، وُلد راما — بكر الملك داشاراثا. منذ لحظة ولادته أدرك الحكماء أنه ليس طفلاً عادياً: عيناه زرقاوان كزهور اللوتس، وبشرته داكنة كسُحب المطر، وفي داخله سكنت روح الإله فيشنو، حارس الكون، الذي نزل إلى العالم في هيئة بشر ليحارب الشرّ.
في مملكة ميثيلا، بعيداً من هناك، عاش الملك جاناكا — ملكٌ فيلسوف قلبه مفعم بالحكمة والرحمة. ذات يوم، بينما كان يحرث الأرض في طقسٍ مقدّس، انشقّت الأرض تحت محراثه، وظهرت من الأخدود طفلةٌ — لم تُولَد من رَحِم امرأة بل من الأرض ذاتها، كأن كلّ خصوبة الطبيعة تركّزت في كائنٍ واحد. تبنّاها جاناكا وأسماها سيتا، ومعناها «الأخدود». وحين كبرت كان جمالها كجمال الأرض في إزهارها: دافئاً، نابضاً بالحياة، وفي عينيها الداكنتين يسكن عمقٌ كامل من الحكمة الهادئة.
في بلاط جاناكا وُضعت قوس الإله شيفا — سلاحٌ إلهيّ عتيق وثقيلٌ لدرجة أن أيّاً من أبطال الهند لم يستطع حتى تحريكه من مكانه. أعلن جاناكا: «من يثني هذه القوس ويقطع وترها — هو من سيأخذ يد سيتا.» مئات الأمراء والمحاربين حاولوا. واحداً تلو الآخر تقدّموا، أمسكوا بمقبض القوس، شدّوا بكلّ قوّتهم — ولم ينجحوا في تحريكها قيد شعرة. بعضهم أُصيب، وبعضهم فرّ خجلاً.
دخل راما القاعة. كان شاباً، فارع الطول، مشيته هادئة كنهرٍ عميق. اقترب من القوس، رفعها بيدٍ واحدة كأنه يرفع زهرة، ثناها — فانكسرت إلى نصفين برعدٍ دوّى في الجبال كعاصفة الرياح الموسمية. ارتجفت القاعة، واهتزّت الأعمدة. خيّم صمتٌ مطلق. نظرت سيتا إلى الأمير والقوس المحطّمة بين يديه، وفي عينيه الزرقاوين الهادئتين رأت كلّ ما حلمت به — قوةٌ ملفوفة بالرقّة، وبطولةٌ مصحوبة بالرحمة. عرفت، بيقينٍ اخترق كيانها كلّه، أنه هو الرجل.
كان زفافهما احتفالاً أضاء ميثيلا كلّها. أُلقيت الأزهار من كل نافذة، وقرعت الطبول، وغنّت النساء أناشيد البركة. لكن السعادة لم تدُم. كايكيي، إحدى زوجات أبيه راما، طالبت بدَين قديم من الملك داشاراثا — طلبت أن يُنفى راما إلى الغابة أربع عشرة سنة، وأن يتولّى ابنها بهاراتا الحكم بدلاً منه. انكسر داشاراثا، لكن قسَمه كبّله. تقبّل راما الحكم دون غضبٍ ولا ضغينة. «واجب الحقّ يسمو على الراحة،» قال.
لم تتردّد سيتا لحظةً واحدة. «حيثما تذهب — أذهب،» قالت. «ظلّك يمشي خلفك، وأنا أمشي أمام الظلّ. أنا زوجتك — لستُ زوجة القصر ولا زوجة العرش، بل زوجتك أنت.» كذلك لاكشمانا، أخو راما الأصغر، رفض البقاء. خرج الثلاثة إلى الغابة، واستبدلوا حرير القصر بثياب لحاء الشجر.
ثلاث عشرة سنة عاشوا في الغابة بسلامٍ وبساطة، وبنوا لأنفسهم كوخاً بجوار نهر غوداڤاري. لكن رافانا، ملك الشياطين في لانكا، ذا الرؤوس العشرة والأذرع العشرين، سمع بجمال سيتا الأسطوري. كان رافانا ذا قوةٍ هائلة — حتى الآلهة خشيته — لكن كل قوته لم تستطع أن تنال له الشيء الوحيد الذي اشتهاه: حبّ سيتا.
كانت حيلته ماكرةً وقاسية. أرسل غزالاً ذهبياً متلألئاً بجوار كوخهم. رأت سيتا الغزال وطلبت من راما أن يمسكه لها. طارد راما الغزال في الغابة، وحين ابتعد، سمعت سيتا صرخةً بدت كصوته. لاكشمانا، قبل أن يخرج بحثاً عن أخيه، رسم خطاً سحرياً حول الكوخ — خطاً من نار لا يستطيع أي شيطان عبوره. «لا تخرجي من وراء هذا الخط،» حذّرها.
جاء رافانا متنكّراً في هيئة ناسكٍ متجوّل، شيخٍ جائع. طلب طعاماً وماءً. سيتا، بقلبها الطيب الذي لم يكن يستطيع رفض ناسك، تخطّت الخط لتقدّم له الطعام. في اللحظة التي تجاوزت فيها قدمها الخط، خطفها رافانا في عربته الطائرة وصعد بها إلى السماء. صرخت سيتا، وقاومت، وألقت بحُليّها واحدةً واحدةً إلى الأرض كعلاماتٍ لراما.
عاد راما فوجد الكوخ فارغاً. سقط على ركبتيه. «سيتا!» صاح، وصدى صوته تردّد في الغابة كأن كل شجرة تبكي معه. لكنه لم يغرق في اليأس — نهض وخرج يبحث. في طريقه التقى بهانومان، ملك القردة العظيم — كائنٌ ذو قوة جبّارة وحكمة عظيمة، أقسم على مساعدته. قفز هانومان فوق البحر إلى لانكا، ووجد سيتا محبوسةً في حديقةٍ تحت شجرة أشوكا، وهمس لها: «راما قادم. لا تفقدي الأمل.»
بنى راما جسراً من حجارةٍ حيّة فوق البحر — كل حجرٍ يطفو على الماء لأن اسم راما نُقش عليه، واسم الصدّيق يُمسك حتى بالحجارة. عبر جيشٌ من القردة والدببة ومخلوقات الغابة البحرَ الهائج.
كانت المعركة في لانكا مروّعة. رؤوس رافانا العشرة قُطعت رأساً تلو رأس، لكنها نمت من جديد كرؤوس الهيدرا. بدا أنه لا يُقهر. لكن راما، في دعاءٍ هادئ، رفع سهمه الإلهي — سهمٌ أُنير بنار براهما، نار الخلق ذاتها — ورماه مباشرةً في قلب رافانا. هذه المرة لم تنمُ الرؤوس من جديد. سقط رافانا، وارتجفت الأرض.
حُرّرت سيتا، لكن الاختبار الأخير كان لا يزال ينتظر. لإثبات طهارتها، خطت سيتا إلى داخل محرقةٍ مشتعلة. لعقت الألسنة النارية حولها، لكنها لم تمسّها — أغني، إله النار ذاته، حملها بين ذراعيه وأخرجها، بشرتها بلا حرق، وشعرها بلا أذى. ثبتت طهارتها أمام أعين الجميع.
عادوا إلى أيوديا، فأُضيئت المدينة بأكملها بآلاف المصابيح الفخّارية، كل حافّة نافذة، كل درجة، كل سطح — شمعةٌ مُوقَدة. ذلك هو عيد ديوالي، عيد الأنوار، الذي يُحتَفل به حتى اليوم — احتفالاً بانتصار النور على الظلام، والعدل على الشرّ، والحبّ الذي مرّ عبر النار ولم يحترق.
