مقدمة: معنى المعاشرة بالمعروف
في آية جامعة مانعة، وضع الله سبحانه وتعالى الأساس الذي تقوم عليه العلاقة الزوجية، فقال في محكم تنزيله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]. هذه الآية الكريمة ليست مجرد توجيه عابر، بل هي منهج حياة، وفلسفة تعامل، وميثاق أخلاقي يحكم العلاقة بين الزوجين.
المعاشرة بالمعروف تعني أن يعامل كل من الزوجين الآخر بكل ما هو حسن ومستحسن في الشرع والعرف، من الكلام الطيب، والفعل الحسن، والإنفاق الكريم، والصبر الجميل، والستر العفيف. قال القرطبي في تفسيره: "المعاشرة بالمعروف: الصحبة الجميلة، وكف الأذى، وبذل الندى، وطيب الكلام، والعشرة بالإحسان، وإن كانت منها إساءة".
وقد أكد النبي ﷺ هذا المعنى في حديثه الشريف: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" [رواه الترمذي]. فجعل الخيرية في حسن المعاشرة، وربطها بالأهل، لأن البيت هو المختبر الحقيقي للأخلاق، ولأن الإنسان يظهر على حقيقته في بيته أكثر من أي مكان آخر.
المعروف في القول: الكلمة الطيبة
أول مظاهر المعاشرة بالمعروف هو الكلام الطيب. فاللسان هو الباب الذي تدخل منه المودة إلى القلب، أو يخرج منه الشقاق إلى البيت. قال تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: 53]. فإذا كان هذا مع عامة الناس، فكيف بمن جعلها الله سكناً ولباساً؟
المعروف في القول يشمل الكلام اللين، والثناء الصادق، والدعاء الخفي، والمزاح المباح، والاستماع الحسن. كان النبي ﷺ يكني عائشة رضي الله عنها بـ"عائش"، ويقول لها: "يا حميراء" تحبباً إليها. وكان يسمع حديث نسائه ولا يقاطعهن، ويصبر على ما قد يكون من لحن في القول أو طول في الحديث.
ومن الكلمة الطيبة أن يمتنع الزوج عن السب والشتم والتعيير والتنقص، حتى لو كان هناك خلاف أو إساءة. قال ابن كثير: "لا يجوز للرجل أن يكرهها فيسيء عشرتها بالقول أو الفعل، بل يحسن صحبتها ما استطاع". فالكلمة الطيبة صدقة، والكلمة الخبيثة نار تحرق المودة وتهدم السكينة.
المعروف في الفعل: الاهتمام اليومي
المعاشرة بالمعروف ليست مجرد كلمات تُقال، بل هي أفعال تُصنع يومياً في تفاصيل الحياة الصغيرة. من المعروف في الفعل: المساعدة في أعمال البيت، والمشاركة في الهموم، والسؤال عن الحال، والاهتمام بالمشاعر، والتخفيف من الأعباء.
كان النبي ﷺ خير الناس لأهله في الفعل قبل القول. سُئلت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: "كان يكون في مهنة أهله، يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويحلب شاته" [رواه البخاري]. فرغم مكانته ومسؤولياته العظيمة، كان يشارك في أعمال البيت، ولا يرى في ذلك نقصاً من رجولته أو قدره.
ومن المعروف في الفعل أيضاً: التجمل للزوجة كما تتجمل له، والحرص على النظافة والطيب، وإظهار الاهتمام بالمظهر. قال ابن عباس رضي الله عنهما: "إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾". فالاهتمام بالمظهر والنظافة من حقوق الزوجة وليس تنازلاً من الرجل.
المعروف عند الخلاف: الصبر والحكمة
حقيقة المعاشرة بالمعروف تظهر عند الخلاف، لأن الموافقة يحسنها الجميع، ولكن المخالفة لا يصبر عليها إلا من امتلأ قلبه إيماناً وحكمة. لذلك قال الله تعالى بعد الأمر بالمعاشرة بالمعروف: ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19].
هذه الآية العظيمة تضع فلسفة إسلامية عميقة في التعامل مع الكراهية الزوجية: لا تجعل الكراهة سبباً في سوء المعاملة، بل اصبر، فربما كرهت شيئاً وفيه خير كثير لا تراه الآن. قال ابن عاشور: "في هذا إشارة إلى أن الحكمة الإلهية قد تخفي عن الإنسان مصلحته، فيكره ما فيه خيره، ويحب ما فيه شره".
المعروف عند الخلاف يكون بالصبر على الأذى، وحسن الكلام رغم الغضب، وعدم التشهير بالعيوب، والستر، والبحث عن الحسنات وتذكرها. قال النبي ﷺ: "لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خُلقاً رضي منها آخر" [رواه مسلم]. أي: لا يبغضها بغضاً كاملاً، بل ينظر إلى محاسنها ويتذكرها عند المساوئ.
ومن المعروف عند الخلاف أيضاً: الرفق في التعبير عن الانزعاج، واختيار الوقت المناسب للنقاش، وعدم تعميم الخطأ، والفصل بين السلوك والشخص. قال ﷺ: "إنّ الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه" [رواه مسلم]. فالرفق يجمل الخلاف ويحوله إلى فرصة للتفاهم، والعنف يشينه ويحوله إلى شقاق.
المعروف في الإنفاق: السخاء المحبب
من أبرز مظاهر المعاشرة بالمعروف الإنفاق بسخاء وكرم، دون منّ ولا أذى، ودون بخل ولا إسراف. قال تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: 7]. والإنفاق هنا ليس مجرد واجب قانوني، بل هو تعبير عن الاهتمام والحب والتقدير.
المعروف في الإنفاق يعني أن ينفق الرجل على أهله بما يليق بحاله وحالهم، دون تقتير يولد الضيق، ودون إسراف يولد التبذير. وأن يكون الإنفاق طيب النفس به، فلا يمنّ بما أنفق، ولا يعيّر بما بذل، ولا يجعل كل حاجة مناسبة للتأفف والتذمر.
قال الغزالي في الإحياء: "من حسن العشرة أن يكون الرجل سمحاً في النفقة، كريماً في العطاء، لا يراجع امرأته في كل درهم أنفقته، ولا يحاسبها على كل لقمة أكلتها". والنبي ﷺ قال: "استوصوا بالنساء خيراً" [متفق عليه]، ومن الوصية بالخير: حسن الإنفاق وكرم العطاء.
ومن المعروف في الإنفاق أيضاً: تقديم الهدايا دون مناسبة، والسخاء في المناسبات الخاصة، وعدم التفريق بين الزوجات في الإنفاق إن كان متزوجاً بأكثر من واحدة. قال ابن القيم: "المال قطعة من الروح، فمن بذله طيب النفس به، فقد بذل جزءاً من روحه محبة ومودة".
خاتمة: المعاشرة بالمعروف طريق السكينة
المعاشرة بالمعروف ليست شعاراً يُرفع، ولا مثالاً بعيد المنال، بل هي منهج حياة يومي يُصنع بالتفاصيل الصغيرة، وبالكلمات الطيبة، وبالأفعال الحسنة، وبالصبر الجميل، وبالإنفاق الكريم. هي الطريق إلى السكينة التي وعد الله بها عباده: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
حين يعاشر الزوج زوجته بالمعروف، وتعاشره هي بالمثل، يتحول البيت إلى جنة صغيرة في الدنيا، تحفها الملائكة، وترفرف عليها الرحمة، وتحل فيها السكينة. وحين يُهمل هذا الأمر الإلهي، يتحول البيت إلى ساحة نزاع، ومكان كرب، وسجن ضيق، حتى لو كان فيه الذهب والفضة.
فلنجعل من المعاشرة بالمعروف عهداً نجدده كل صباح، وميثاقاً نلتزم به في السراء والضراء، ومنهجاً نورثه لأبنائنا. فإن الله سبحانه وتعالى حين أمرنا بها، لم يأمرنا عبثاً، بل أمرنا بما فيه صلاحنا وسعادتنا وسكينتنا. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50].
"خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" - رسول الله ﷺ
