مقاصد الزواج في الإسلام

لماذا شرع الله الزواج — السكينة والنسل والتعاون والإحصان

🎯

لماذا شرع الله الزواج؟

الزواج في الإسلام ليس مجرد عقد اجتماعي أو ارتباط عرفي، بل هو ميثاق غليظ وسنّة من سنن الله في خلقه، شرعه الله تعالى لحِكَم عظيمة ومقاصد سامية تتعلق بسعادة الإنسان في الدنيا وفلاحه في الآخرة. وقد وصف القرآن الكريم الزواج بأوصاف تكشف عن مكانته الرفيعة، فسماه آية من آيات الله، وجعله طريقاً إلى السكينة والمودة والرحمة.

والمقاصد الشرعية للزواج متعددة ومتكاملة، لا يُستغنى عن واحد منها في بناء الأسرة المسلمة السليمة. فهي تشمل الجوانب النفسية والروحية والاجتماعية والجسدية، وتراعي الفطرة الإنسانية في حاجتها إلى الاستقرار والأُنس والعفة والإنجاب. ومن يتأمل في نصوص الكتاب والسنة يجد أن الشريعة الإسلامية لم تترك جانباً من جوانب الحياة الزوجية إلا ونظمته وبيّنت حكمته ومقصده.

يقول الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين: "النكاح سنّة رسول الله ﷺ، وهو من محاسن شريعته، إذ ما من شيء إلا وله في الشرع أصل ومقصد". وقد عدّ العلماء من مقاصد الزواج الكبرى: السكينة النفسية، وحفظ النسل، والتعاون على الحياة والدين، والإحصان وصون النفس. وفي هذا المقال نتناول هذه المقاصد الأربعة بالتفصيل، مستضيئين بنور القرآن والسنة، وبفهم العلماء الأجلاء.

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

(سورة الروم: 21)

المقصد الأول: السكينة النفسية

أعظم مقاصد الزواج وأسماها هو تحقيق السكينة النفسية والطمأنينة القلبية، وهو المقصد الذي افتتح الله به الآية الكريمة في سورة الروم: ﴿لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾. والسكون إلى الزوج يعني أن يجد كل من الزوجين في الآخر الأُنس والراحة والاستقرار، فلا يشعر بوحشة أو قلق أو اضطراب، بل يأوي إليه كما يأوي الإنسان إلى بيته بعد عناء النهار.

وقد اختار الله تعالى لفظ "لتسكنوا" بصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار والتجدد، فالسكينة ليست شعوراً عابراً يحصل في بداية الزواج ثم يزول، بل هي حالة دائمة ينبغي أن يعمل الزوجان على تحقيقها والمحافظة عليها. يقول ابن كثير في تفسيره: "أي جعل لكم من جنسكم إناثاً لتألفوهن وتسكنوا إليهن، فإن الجنس إلى الجنس أميَل، والمُشاكل للمشاكل أسكن".

وهذه السكينة لا تتحقق إلا بوجود عنصرين أساسيين ذكرهما الله في نفس الآية: المودة والرحمة. المودة هي المحبة والميل القلبي، والرحمة هي اللطف والشفقة والرفق. فالمودة تجمع القلوب، والرحمة تديم الصحبة وتحفظها من الجفاء. وقد قال ابن القيم: "لا يصلح القلب إلا بأن يكون معموراً بذكر الله ومحبته، ولا يسكن إلا إلى من يعينه على ذلك، ولهذا كانت المودة والرحمة من أعظم ثمرات النكاح".

ومن رحمة الله بعباده أن جعل الزواج طريقاً إلى إشباع الحاجات النفسية والعاطفية بطريقة مشروعة ومباركة، فالإنسان بفطرته يحتاج إلى من يحبه ويحبه، ومن يُفضي إليه بمشاعره وأسراره، ومن يشاركه أفراحه وأتراحه. وهذا كله يتحقق في العلاقة الزوجية حين تُبنى على أساس من التقوى والمودة والرحمة، فيصير كل من الزوجين سكناً للآخر، كما وصفهما القرآن الكريم.

المقصد الثاني: حفظ النسل وتربية الأجيال

من مقاصد الزواج الكبرى في الإسلام حفظ النسل وبقاء النوع الإنساني، وهو مقصد يتعلق بعمارة الأرض وتحقيق الخلافة التي أنيطت بالإنسان. فالله تعالى خلق الإنسان ليعمّر الأرض ويعبد الله، ولا يتحقق ذلك إلا بالتوالد والتناسل عبر الزواج الشرعي. يقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ (سورة النحل: 72).

والإنجاب في الإسلام ليس مجرد عملية بيولوجية، بل هو استجابة لفطرة الله التي فطر الناس عليها، وهو أيضاً تحقيق لرغبة النبي ﷺ في تكثير أمته وامتداد ذريته الصالحة. فقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» (رواه أبو داود والنسائي — حسن). وفي هذا دلالة على أن الإكثار من النسل الصالح مطلوب شرعاً، وأن الأمة الإسلامية تفتخر بكثرة أبنائها الذين يعمرون الأرض بالإيمان والصلاح.

لكن حفظ النسل في الإسلام لا يقتصر على الإنجاب فحسب، بل يشمل أيضاً تربية الأولاد تربية صالحة تعدّهم ليكونوا أعضاء نافعين في المجتمع، عابدين لله، حاملين لرسالة الإسلام. ولهذا جاءت النصوص الشرعية تحثّ على العناية بتربية الأولاد وتعليمهم وتأديبهم، فقال النبي ﷺ: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (رواه البخاري ومسلم — صحيح). فالأبوان مسؤولان أمام الله عن تنشئة أولادهما على الإيمان والأخلاق الحسنة.

ويرى الإمام الغزالي أن من فوائد النكاح "طلب الولد لبقاء النسل، وهو المقصود الأصلي، وله وُضع النكاح". ويضيف الإمام ابن حزم في "المحلّى" أن الله تعالى جعل من طبيعة الإنسان ميلاً فطرياً إلى حب الأولاد والحنين إليهم، وأن هذه الفطرة هي التي تدفعه إلى الزواج والإنجاب. فالذرية الصالحة هي زينة الحياة الدنيا، وهي الصدقة الجارية التي تنفع الوالدين بعد موتهما، كما قال النبي ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (رواه مسلم — صحيح).

المقصد الثالث: التعاون على الحياة والدين

الزواج في الإسلام ليس مجرد علاقة عاطفية أو جسدية، بل هو شراكة حياتية متكاملة يتعاون فيها الزوجان على أعباء الحياة وعلى طاعة الله وتحقيق الفلاح في الدنيا والآخرة. فالحياة الدنيا مليئة بالمسؤوليات والتحديات، والإنسان بطبيعته ضعيف لا يستطيع أن يقوم بكل شيء وحده، ولهذا جعل الله الزواج وسيلة لتقاسم الأعباء وتوزيع الأدوار بين الزوجين.

فالزوج يقوم بالإنفاق والحماية والرعاية، والزوجة تقوم بإدارة البيت وتربية الأولاد ورعاية شؤون الأسرة، وكلاهما يتعاونان على إقامة بيت مسلم تُذكر فيه الله، وتُقام فيه الصلاة، وتُرعى فيه حدود الله. يقول تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (سورة التوبة: 71). فالزواج ولاية وتعاون، وليس سيطرة أو استبداداً.

ومن أعظم صور التعاون بين الزوجين التعاون على طاعة الله وذكره، فكل منهما يذكّر الآخر بالله إذا نسي، ويعينه على الخير إذا فتر، ويشد من أزره إذا ضعف. وقد كان النبي ﷺ يُوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان ليقوموا الليل، وكان يأمر بالصلاة في البيت، ويحث على قراءة القرآن، وكان يشاور زوجاته في الأمور المهمة. وهذا كله يدل على أن البيت المسلم هو محضن إيماني يربّي أفراده على الطاعة والإحسان.

يقول الإمام القرطبي في تفسيره: "من حكمة النكاح أن يكون الزوجان عوناً لبعضهما على مصالح الدنيا والآخرة، فالزوج يكفي زوجته أمر الإنفاق والحماية، والزوجة تكفيه أمر البيت والأولاد، ويتعاونان على ذكر الله وطاعته". وهذا المعنى العميق للزواج يجعله أكثر من مجرد عقد اجتماعي، بل عقد إيماني يُبنى على التقوى ويُراد به وجه الله.

«رحم الله رجلاً قام من الليل فصلّى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلّت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء»

(رواه أبو داود — صحيح)

المقصد الرابع: الإحصان وصون النفس

من مقاصد الزواج العظيمة الإحصان وحفظ النفس من الوقوع في الحرام. والإحصان في اللغة يعني التحصين والحفظ والمنع، وهو من أسماء الزواج في الشريعة، فيقال: أحصن الرجل إذا تزوج. والمعنى أن الزواج يحصّن الإنسان ويحميه من الانزلاق في الفاحشة، ويصون عرضه وكرامته، ويحفظ بصره وفرجه وقلبه من التعلق بالحرام.

وقد جاءت النصوص الشرعية صريحة في بيان هذا المقصد، فقال النبي ﷺ: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (رواه البخاري ومسلم — صحيح). وفي هذا الحديث بيان واضح أن الزواج هو الوسيلة الشرعية لإشباع الغريزة الجنسية بطريقة حلال مباركة، وأنه يحفظ الإنسان من الوقوع في النظر المحرم أو الزنا أو غيرهما من المحرمات.

والإسلام دين واقعي يراعي الفطرة الإنسانية، فلم يكبت الغريزة الجنسية ولم يحرّمها، بل وضع لها ضوابط شرعية تحفظ الإنسان من الانحراف، وتوجّهها نحو ما فيه الخير والبركة. ولهذا كان الزواج في الإسلام عبادة يُثاب عليها المسلم، حتى في إتيان زوجته، كما قال النبي ﷺ: «وفي بُضع أحدكم صدقة»، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» (رواه مسلم — صحيح).

ويقول ابن القيم في "زاد المعاد": "ومن مقاصد النكاح: تحصين الفرج وغض البصر وحفظ النفس من الوقوع في الحرام، وهو من أعظم مقاصده، فإن الشهوة غريزة في الإنسان لا يمكنه قمعها، والشرع لا يأمر بقمعها بل بتوجيهها، والزواج هو الطريق الشرعي لذلك". وبهذا يتبيّن أن الإحصان ليس مقصداً ثانوياً، بل هو مقصد أساسي يحفظ الفرد والمجتمع من الفساد الأخلاقي، ويصون الأعراض والأنساب.

خاتمة: الزواج مشروع حياة متكامل

الزواج في الإسلام مشروع حياة متكامل يجمع بين السكينة النفسية، والإنجاب وحفظ النسل، والتعاون على الحياة والدين، والإحصان وحفظ النفس. وهذه المقاصد الأربعة تتضافر لتحقيق سعادة الزوجين في الدنيا والآخرة، ولبناء أسرة مسلمة صالحة تعمر الأرض بالإيمان والعمل الصالح.

ومن يتأمل في هذه المقاصد يدرك أن الإسلام لم يجعل الزواج مجرد إشباع للغريزة أو علاقة عابرة، بل جعله ميثاقاً غليظاً وعقداً مقدساً له أركان وشروط وحقوق وواجبات، وله مقاصد سامية تتجاوز اللحظة العابرة لتمتد إلى عمارة الدنيا والفوز بالآخرة. ولهذا وصف الله تعالى الزوجين بأنهما لباس بعضهما لبعض، وهذا الوصف يشمل كل معاني الستر والحماية والقرب والألفة.

والمسلم الذي يدخل في الزواج ينبغي أن يستحضر هذه المقاصد العظيمة، وأن يعمل على تحقيقها في حياته الزوجية، فيسعى لإسعاد زوجه وتوفير السكينة والمودة والرحمة، ويحرص على تربية أولاده تربية صالحة، ويتعاون مع زوجه على طاعة الله، ويحفظ نفسه وأهله من الحرام. وبهذا يتحول الزواج من عقد اجتماعي عادي إلى عبادة يُتقرب بها إلى الله، ومشروع حياة يُرجى به الأجر والثواب في الدنيا والآخرة.

نسأل الله تعالى أن يوفق المسلمين إلى فهم مقاصد الزواج وتحقيقها، وأن يرزق العُزاب منهم الزواج الصالح، وأن يحفظ المتزوجين ويبارك في أسرهم، وأن يجعل بيوتهم عامرة بالمودة والرحمة والسكينة والطاعة، إنه سميع مجيب.

أسئلة شائعة

إجابات عن أهم الأسئلة حول مقاصد الزواج في الإسلام

ما الفرق بين مقاصد الزواج وأحكامه؟
مقاصد الزواج هي الحِكَم والغايات التي شرع الله الزواج من أجلها، مثل السكينة والنسل والتعاون، أما الأحكام فهي الواجبات والحقوق والآداب التي تنظم العلاقة الزوجية. المقاصد تجيب على 'لماذا'، والأحكام تجيب على 'كيف'.
هل يجوز الزواج لمن لا يريد الإنجاب؟
الزواج مشروع وإن لم يكن هدفه الإنجاب، لأن من مقاصده الأساسية السكينة والإحصان والتعاون، لكن حفظ النسل من مقاصد الشريعة الكلية، فالإنجاب مقصد عظيم لا ينبغي إهماله إلا لعذر شرعي كالمرض أو العجز.
كيف يحقق الزواج السكينة النفسية؟
يحقق الزواج السكينة بتوفير الأُنْس والمودة والرحمة، وبالشعور بالانتماء والأمان العاطفي، وبالتكامل النفسي بين الزوجين، وبإشباع الحاجات الفطرية بطريقة حلال تريح القلب وتُسكن النفس، كما قال تعالى: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾.
ما معنى الإحصان في مقاصد الزواج؟
الإحصان هو التحصين والحفظ، فالزواج يحصّن المرء من الوقوع في الفاحشة، ويصون نفسه وعرضه، ويحفظ بصره وفرجه، ويوفر له طريقاً شرعياً لإشباع الغريزة، وهذا من رحمة الله بعباده، كما قال النبي ﷺ: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج».
هل تختلف مقاصد الزواج عند الرجل والمرأة؟
المقاصد الكبرى واحدة للرجل والمرأة: السكينة والإحصان والتعاون والنسل، لكن قد تختلف الأولويات والاحتياجات العاطفية والنفسية بينهما، فالمرأة قد تركز أكثر على الأمان العاطفي والرعاية، والرجل على المساندة والسكينة، وكلاهما يكمّل الآخر في تحقيق هذه المقاصد.