مقدمة: أجمل استعارة في القرآن
في سورة البقرة، يُقدّم لنا القرآن الكريم واحدة من أجمل الاستعارات وأعمقها في وصف العلاقة الزوجية. يقول الله تعالى في سياق الحديث عن الرُّخص في ليالي رمضان:
﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾
سورة البقرة: 187
هذا التشبيه القرآني البديع يختزل في كلمتين بسيطتين عُمق العلاقة الزوجية وشموليتها. فاللباس ليس مجرّد قطعة قماش نرتديها، بل هو ستر وحماية وقرب وجمال وضرورة. وعندما يُشبّه القرآن الزوجين باللباس، فإنه يرسم لنا صورة كاملة للحياة الزوجية السعيدة: علاقة قائمة على الستر المتبادل، والقرب الدائم، والحماية المشتركة، والجمال المتناغم.
وما يزيد هذه الآية روعةً أنها لم تقل "النساء لباس للرجال" فقط، بل قالت ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾، فأثبتت المساواة الكاملة والتبادلية في هذه العلاقة. كل طرف يُقدّم للآخر ما يُقدّمه اللباس لصاحبه، وكل طرف محتاج إلى الآخر كما يحتاج الإنسان إلى لباسه.
اللباس كستر: حماية الأسرار والعيوب
الوظيفة الأولى والأساسية للباس هي ستر العورة. فكما يستر اللباس جسد الإنسان ويُخفي ما يُستحى من إظهاره، كذلك الزوجان يستران بعضهما البعض. يقول الإمام القرطبي في تفسيره: "سُمّي كل واحد منهما لباساً لصاحبه لأنه يستره ويُواريه، كما يستر الثوب لابسه".
هذا الستر يشمل عدة أبعاد. أولاً، ستر الأسرار الزوجية. فما يحدث بين الزوجين في خلوتهما هو أمانة لا يجوز إفشاؤها أو التحدث بها. وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك بقوله: "إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يُفضي إلى امرأته وتُفضي إليه ثم ينشر سرها" (رواه مسلم). فكل زوج وزوجة هما لباس يحفظ خصوصية الآخر ويصونها.
ثانياً، ستر العيوب والنقائص. فلكل إنسان عيوب وضعف، والزوج الصالح لا يفضح عيوب شريكه ولا يُشهّر بها أمام الناس، بل يسترها كما يستر اللباس جسد صاحبه. إذا رأت الزوجة في زوجها ما لا يُعجبها، لم تذكره للناس ولم تتحدث به في المجالس، وكذلك الزوج. هذا الستر يبني الثقة ويحفظ الكرامة.
ثالثاً، ستر الماضي والعفو عن الزلات. فاللباس يُغطّي ما كان قبله، وكذلك الزوجان يتجاوزان عن أخطاء بعضهما ولا يُذكّر أحدهما الآخر بزلاته السابقة. الحياة الزوجية السعيدة هي التي يكون فيها كل زوج ستراً لأخطاء شريكه، عوناً له على التوبة والإصلاح، لا فضّاحاً يُعيّر ويُذكّر.
اللباس كقرب: الحميمية والأُنس
اللباس هو أقرب شيء إلى جسد الإنسان، يُلاصقه ويُلازمه، لا يفارقه في حلّه وترحاله. وهذا القرب يُشير إلى البعد الثاني من أبعاد العلاقة الزوجية: القرب الجسدي والنفسي بين الزوجين. يقول ابن كثير: "كل واحد منهما يُماس الآخر ويُضاجعه ويُعانقه، فناسب أن يُسمّى كل منهما لباساً للآخر".
هذا القرب يبدأ بالحميمية الجسدية التي شرّعها الله للزوجين، وجعلها من آياته الدالة على قدرته ورحمته. والقرآن لا يخجل من الحديث عن هذا البعد، بل يُشير إليه بأسلوب رفيع محترم، كما في قوله ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ في نفس الآية. فالمباشرة والملامسة والقرب الجسدي جزء أصيل من معنى اللباس.
ولكن القرب ليس جسدياً فقط، بل قرب نفسي وروحي أيضاً. فاللباس لا يُفارق صاحبه، وكذلك الزوجان يعيشان في قرب دائم: يتشاركان الأحلام والهموم، يتحدثان ويتآنسان، يضحكان معاً ويبكيان معاً، يكون كل منهما السكن والملاذ للآخر. هذا القرب النفسي هو الذي يجعل البيت سكناً، ويجعل الحياة الزوجية مصدراً للطمأنينة لا للوحشة.
يقول الإمام الرازي: "اللباس يُلاصق البدن، فكذلك الزوجان يتلاصقان بالمعاشرة والمساكنة والمؤانسة، فيكون كل واحد منهما سكناً لصاحبه وأُنساً له". فالزوجان لا يعيشان كغريبين تحت سقف واحد، بل كلباسين يلتصقان ويتآلفان، لا مسافة بينهما ولا حواجز.
اللباس كحماية: الدفاع عن بعضهما
اللباس يحمي الإنسان من حر الصيف وبرد الشتاء، ومن الشوك والأذى. وكذلك الزوجان، كل منهما حماية للآخر ودرع له من أذى الناس ومن صعوبات الحياة. يقول ابن عاشور في التحرير والتنوير: "تشبيه كل من الزوجين باللباس للآخر يُفيد معاني الستر والحماية والوقاية".
الحماية الأولى هي الحماية من الفتنة والانحراف. فالزوج الصالح يُعفّ زوجته ويصونها، والزوجة الصالحة تُعفّ زوجها وتحفظه. كل منهما لباس يحمي الآخر من الوقوع في المحرمات، ويُشبع حاجاته العاطفية والجسدية بالحلال، فيكون غنياً به عن الحرام. وفي هذا يقول الطبري: "هن لباس لكم من الزنا، وأنتم لباس لهن من الزنا".
الحماية الثانية هي الحماية من أذى الناس وألسنتهم. فالزوج الكريم لا يسمح لأحد أن يُسيء إلى زوجته أو يتطاول عليها، بل يدافع عنها ويذبّ عن كرامتها. وكذلك الزوجة، لا تسمح لأحد أن يتكلم في زوجها بسوء، بل تُدافع عنه في غيابه وتردّ عنه. هذا الدفاع المتبادل يبني الأمان ويُعزّز الثقة.
الحماية الثالثة هي الحماية العاطفية والنفسية. فاللباس يحمي من البرد، والزوجان يحميان بعضهما من برودة الحياة وقسوتها. عندما يمرّ أحدهما بضيق أو هم، يكون الآخر سنداً له وعوناً، يُخفّف عنه ويُواسيه، يكون لباساً دافئاً يحميه من قسوة الأيام. هذا الدعم النفسي المتبادل هو من أعظم وظائف الزواج.
اللباس كجمال: تزيين الحياة
اللباس ليس للستر والحماية فقط، بل هو أيضاً زينة وجمال. يقول الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ (سورة الأعراف: 26). فاللباس يُظهر الإنسان بأحسن صورة، ويُزيّنه ويجعله مقبولاً عند الناس. وكذلك الزوجان، كل منهما زينة للآخر وجمال في حياته.
هذا الجمال يبدأ بالاهتمام بالمظهر. فكما يحرص الإنسان على نظافة لباسه وحُسنه، كذلك يحرص كل زوج على أن يظهر بأحسن صورة أمام شريكه. لا يُهمل الزوج مظهره بحجة أنه في بيته، ولا تُهمل الزوجة تجمّلها لزوجها بحجة أنه يراها كل يوم. بل كل منهما يحرص على أن يكون لباساً جميلاً يُسرّ الناظر إليه.
ولكن الجمال ليس في المظهر فقط، بل في الخُلق والتعامل. فالزوج الصالح يُزيّن حياة زوجته بالكلمة الطيبة والابتسامة والتقدير، ويجعل بيته جنة بحسن خُلقه. والزوجة الصالحة تُزيّن حياة زوجها بالحنان والرعاية والاهتمام، وتجعل بيتها واحة سكينة يرتاح إليها. كل منهما يكون للآخر مصدر بهجة وسعادة.
والجمال أيضاً في إظهار الآخر بأحسن صورة أمام الناس. فكما يُزيّن اللباس صاحبه أمام الناس، كذلك كل زوج يُظهر محاسن شريكه ويُثني عليه في غيابه، لا يُقلل من شأنه أو يذكر مساوئه. هذا التقدير المتبادل والثناء المتبادل يبني الاحترام ويُعزّز المحبة.
اللباس كتساوٍ: "هنّ" و"أنتم"
من أروع ما في هذه الآية أنها لم تقتصر على طرف واحد، بل قالت ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾. هذا التكرار والتقابل يُؤكّد على معنى عظيم: المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات بين الزوجين. كل ما يُطلب من أحدهما يُطلب من الآخر، وكل ما يُقدّمه أحدهما للآخر يجب أن يُقابَل بالمثل.
فإذا كان الزوج مطالباً بستر زوجته وحمايتها والقرب منها، فالزوجة كذلك مطالبة بنفس الأمور. وإذا كانت الزوجة مطالبة بالإخلاص والوفاء، فالزوج كذلك مطالب بهما. لا تفاضل في هذا البُعد، بل هي علاقة متساوية متبادلة، يأخذ فيها كل طرف ويُعطي بنفس القدر.
هذه المساواة تردّ على من يظن أن العلاقة الزوجية في الإسلام علاقة سيطرة من طرف وخضوع من آخر. فالقرآن يقول بوضوح: كلاكما لباس للآخر، كلاكما محتاج للآخر، كلاكما مسؤول عن الآخر، كلاكما يُكمّل الآخر. لا أحد أعلى من الآخر في هذا المقام، بل هما متساويان في الحاجة والعطاء.
يقول الإمام الطبري: "قال الله تعالى ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ﴾ ثم قال ﴿وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾، فسوّى بينهما في اللفظ والمعنى، ليُعلم أن الحق متبادل والمسؤولية مشتركة". هذا التسوية اللفظية تحمل تسوية حقيقية في الواجبات والحقوق، وتُرسي مبدأ التبادلية الذي هو أساس الحياة الزوجية السعيدة.
خاتمة: كيف نكون لباساً لشريكنا
بعد هذا التأمل في معاني اللباس القرآنية، يبقى السؤال العملي: كيف نُترجم هذه المعاني إلى واقع نعيشه في حياتنا الزوجية؟ كيف نكون فعلاً لباساً لشريكنا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معانٍ جميلة؟
أولاً، نكون ساترين بحفظ أسرار بيتنا وعدم نشر ما يحدث بيننا من خلافات أو خصوصيات. لا نفضح عيوب شريكنا أمام الناس، ولا نتحدث عنه بسوء في غيابه. نستر ضعفه ونُقوّي جوانب القوة فيه، نتجاوز عن زلاته ولا نُذكّره بأخطاء الماضي. الستر يبني الثقة ويُعزّز الأمان.
ثانياً، نكون قريبين بالحضور الدائم والتواصل المستمر. لا نجعل العمل أو الانشغالات تُباعد بيننا، بل نحرص على قضاء وقت نوعي معاً، نتحدث ونتآنس ونضحك، نُشارك أحلامنا وهمومنا. القرب الجسدي والنفسي يُحيي المودة ويُجدّد الحب.
ثالثاً، نكون حُماة بالدفاع عن شريكنا والوقوف معه في الشدائد. لا نسمح لأحد أن يتطاول عليه، ولا نتركه يواجه صعوبات الحياة وحده. نكون سنداً له في الضيق، عوناً له في الحزن، فرحاً بفرحه. الحماية المتبادلة تبني الولاء وتُعزّز الانتماء.
رابعاً، نكون جميلين بالاهتمام بمظهرنا وبحسن خُلقنا وتعاملنا. لا نُهمل أنفسنا بحجة الألفة، بل نحرص على أن نكون دائماً في أحسن صورة لشريكنا. نُزيّن حياته بالكلمة الطيبة والابتسامة والتقدير، ونُظهر محاسنه أمام الناس. الجمال المتبادل يُديم الإعجاب ويحفظ الانجذاب.
هذه هي رسالة الآية الكريمة: أن نكون لبعضنا البعض سكناً وأماناً، قرباً وحماية، ستراً وجمالاً. وعندما نعيش هذه المعاني بصدق، تتحوّل الحياة الزوجية إلى سكينة نعيشها، وإلى مودة ورحمة نتبادلها، وإلى جنة صغيرة نبنيها معاً على الأرض.
