حقوق الزوجين في الإسلام

حقوق متبادلة تُبنى على العدل والإحسان والمعروف

⚖️

مقدمة: منظومة الحقوق في الإسلام

الزواج في الإسلام ليس مجرد عقد قانوني أو اتفاق مدني، بل هو ميثاق غليظ كما وصفه القرآن الكريم، ميثاق يُبنى على التراحم والتكامل والتعاون على الخير. وفي قلب هذا الميثاق تقوم منظومة متكاملة من الحقوق والواجبات المتبادلة التي تضمن لكل من الزوجين كرامته وحقوقه، وتحفظ للأسرة استقرارها وسعادتها.

وقد أسس الإسلام هذه المنظومة على مبادئ العدل والإحسان والمعروف، فلم يجعل أحد الزوجين سيداً والآخر عبداً، ولم يجعل أحدهما ظالماً والآخر مظلوماً، بل جعلهما شريكين متكاملين، لكل منهما حقوق وعليه واجبات. قال تعالى في كتابه الحكيم:

﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾

(سورة البقرة: 228)

فالحقوق والواجبات متبادلة ومتوازنة، وما على أحد الزوجين من واجب هو في الوقت نفسه حق للآخر. وهذا التوازن الدقيق يحفظ للعلاقة الزوجية توازنها، ويمنع الظلم والاستبداد، ويضمن أن تكون الحياة الزوجية قائمة على المودة والرحمة لا على القهر والإذعان.

حقوق الزوجة على زوجها

للزوجة في الإسلام حقوق كثيرة على زوجها، بعضها واجبات شرعية لا يجوز التفريط فيها، وبعضها مستحبات يُندب إليها لتحقيق الإحسان. وقد حرص الإسلام على حفظ هذه الحقوق وتأكيدها في القرآن والسنة، حتى لا تُهدر كرامة المرأة أو تُنتهك حقوقها.

أولاً: النفقة الكاملة

من أعظم حقوق الزوجة على زوجها النفقة الكاملة، وهي تشمل المأكل والملبس والمسكن والعلاج وكل ما تحتاجه المرأة في حياتها. وهذا الحق واجب على الزوج حتى لو كانت الزوجة غنية، فالنفقة حق لها بمجرد العقد والدخول. قال تعالى:

﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾

(سورة الطلاق: 7)

والنفقة تكون بحسب حال الزوج يسراً أو عسراً، ولا يُكلف الله نفساً إلا وسعها. لكن على الزوج أن يسعى ويجتهد في توفير العيش الكريم لزوجته، وألا يبخل عليها أو يقتّر، فالبخل والتقتير من أسباب الشقاق والنزاع.

ثانياً: حسن المعاشرة والمعاملة بالمعروف

أمر الله تعالى الأزواج بحسن المعاشرة والمعاملة بالمعروف، فقال سبحانه:

﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾

(سورة النساء: 19)

والمعاشرة بالمعروف تشمل حسن الخلق، والكلام الطيب، والابتسامة، والمزاح البريء، والتغاضي عن الزلات الصغيرة، والصبر على ما قد يصدر منها من تقصير. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قدوة في ذلك، فكان يقول: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» (رواه الترمذي وحسنه).

وقال صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنساء خيراً» (متفق عليه). فالإحسان إلى الزوجة ليس منّة أو تفضلاً، بل هو حق واجب وأمر رباني، ومن علامات الإيمان والخُلق الحسن.

ثالثاً: العدل في حال التعدد

إذا تعددت الزوجات، وجب على الزوج العدل بينهن في المبيت والنفقة والكسوة وسائر الحقوق المادية. ومن مال إلى إحداهن دون الأخرى ظلمها وأثم. قال تعالى محذراً من الميل والجور:

﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾

(سورة النساء: 3)

فالعدل شرط لصحة التعدد وحله، ومن علم من نفسه عدم القدرة على العدل حرم عليه التعدد. أما الميل القلبي فهو خارج عن الاستطاعة، ولذلك عُفي عنه، لكن الواجب ألا يظهر هذا الميل في المعاملة الظاهرة.

رابعاً: عدم الإضرار والإيذاء

حرّم الإسلام على الزوج أن يضر زوجته أو يؤذيها بقول أو فعل، سواء كان ذلك ضرباً مُبرِّحاً، أو سبّاً وشتماً، أو تحقيراً وإهانة، أو حرماناً من حقوقها. والضرر منفي في الشريعة بقاعدة: «لا ضرر ولا ضرار». والنبي صلى الله عليه وسلم لم يضرب امرأة قط، ولم يُبح الضرب إلا في حالات محدودة جداً وبضوابط صارمة تجعله رمزياً غير مُبرِّح.

خامساً: تعليمها أمور دينها

من حق الزوجة على زوجها أن يُعلمها أمور دينها، أو يُمكّنها من التعلم، فالعلم حق للمرأة كما هو حق للرجل. قال صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» (رواه ابن ماجه)، والمسلم يشمل المرأة والرجل. فلا يجوز للزوج أن يحول بين زوجته وبين تعلم ما تحتاجه من أمور دينها ودنياها.

حقوق الزوج على زوجته

كما أن للزوجة حقوقاً على زوجها، فإن للزوج حقوقاً على زوجته، وهذا من العدل والتوازن الذي أقامه الإسلام في العلاقة الزوجية. ومن أهم هذه الحقوق:

أولاً: الطاعة بالمعروف

من حق الزوج على زوجته أن تطيعه في المعروف، أي فيما لا معصية فيه ولا ضرر. فإن أمرها بمعصية أو بما يضرها ضرراً بالغاً، فلا طاعة له، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. لكن في الأمور المباحة والمشروعة، فالطاعة واجبة، وهي من أسباب حفظ الأسرة واستقرارها.

وقد ورد في الحديث: «إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت» (رواه أحمد وصححه الألباني). فالطاعة في المعروف من أسباب دخول الجنة، لأنها تحقق الاستقرار والسكينة في البيت.

ثانياً: القيام بشؤون البيت والأولاد

من حق الزوج على زوجته أن تقوم بتدبير شؤون المنزل وتربية الأولاد بحسب العرف والاستطاعة، فهذا من التعاون على الحياة الزوجية. لكن هذا الحق ليس مطلقاً، بل هو مقيد بالاستطاعة والعرف، فإن كانت مريضة أو عاجزة أو من أهل بيت لا يعملون مثل هذه الأعمال، فلا يجبرها على ما لا تطيق.

وقد كانت فاطمة رضي الله عنها تطحن وتعجن وتكنس، فشكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فعلمها التسبيح والتحميد بدلاً من أن يأتيها بخادم، لكنه لم ينكر عليها أن تطلب التخفيف، مما يدل على أن العمل في البيت يُراعى فيه الحال والاستطاعة.

ثالثاً: حفظ الغيب في النفس والمال

من أعظم حقوق الزوج على زوجته أن تحفظه في غيبته، في نفسها وماله وبيته وعرضه. قال تعالى:

﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾

(سورة النساء: 34)

فالمرأة الصالحة تحفظ زوجها في غيابه، فلا تخونه في نفسها، ولا تبذر ماله، ولا تُدخل بيته من يكره، ولا تفشي أسراره. وهذا الحفظ هو من أعظم صور الأمانة والوفاء، وهو أساس الثقة بين الزوجين.

رابعاً: الاحترام والتقدير

من حق الزوج على زوجته أن تحترمه وتقدره، وألا تحتقره أو تزدريه أو تُسفّه رأيه، خاصة أمام الآخرين. فالاحترام المتبادل من أهم أسباب الاستقرار الزوجي، والاحتقار والازدراء من أسباب الفرقة والشقاق. والإسلام يحث على الاحترام المتبادل، فكما أن على الزوج أن يحترم زوجته ويقدرها، فعليها مثل ذلك.

الحقوق المشتركة بين الزوجين

إلى جانب الحقوق الخاصة بكل من الزوجين، هناك حقوق مشتركة بينهما، لا يختص بها أحدهما دون الآخر، بل هي واجبة على كليهما، ومن أهمها:

أولاً: المودة والرحمة

المودة والرحمة هما أساس الحياة الزوجية وغايتها، وهما حق لكل من الزوجين على الآخر. قال تعالى:

﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

(سورة الروم: 21)

فالمودة هي المحبة والميل والألفة، والرحمة هي الشفقة والرأفة والإحسان. وهما يجعلان الحياة الزوجية حياة طيبة سعيدة، مليئة بالسكينة والاطمئنان. فعلى كل من الزوجين أن يسعى لتحقيق المودة والرحمة، بالكلمة الطيبة، والفعل الحسن، والصبر والتسامح.

ثانياً: حسن التواصل والحوار

التواصل الجيد والحوار البنّاء من أهم أسباب نجاح الحياة الزوجية. فعلى كل من الزوجين أن يُحسن الاستماع للآخر، وأن يعبّر عن مشاعره واحتياجاته بوضوح واحترام، وأن يتجنب الصراخ والصمت العدواني والتجاهل. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يُحاور زوجاته ويستمع إليهن ويُشاورهن، وهذا من كمال خُلقه وحكمته.

ثالثاً: الستر والحفاظ على الأسرار

من الحقوق المشتركة بين الزوجين أن يستر كل منهما الآخر، وألا يفشي أسراره أو عيوبه، خاصة ما يتعلق بالعلاقة الحميمة. قال صلى الله عليه وسلم: «إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يُفضي إلى امرأته وتُفضي إليه، ثم ينشر سرها» (رواه مسلم). فإفشاء الأسرار خيانة للثقة، وانتهاك للخصوصية، وسبب للفضيحة والخزي.

رابعاً: التعاون على البر والتقوى

من أسمى الحقوق المشتركة أن يتعاون الزوجان على طاعة الله وعلى البر والتقوى، فيُعين كل منهما الآخر على الصلاة والصيام والذكر وتربية الأبناء على الخير. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (سورة المائدة: 2). فالزوجان شريكان في الدنيا والآخرة، وخير الشراكة ما كانت على طاعة الله ومرضاته.

العدل والإحسان: أعلى من العدل

الإسلام لا يكتفي بالعدل بين الزوجين، بل يدعو إلى ما هو أعلى منه، وهو الإحسان. فالعدل هو إعطاء كل ذي حق حقه دون زيادة أو نقصان، وهو الحد الأدنى الواجب. أما الإحسان فهو الزيادة على العدل، بالتسامح والعفو والكرم والمبادرة بالخير والتجاوز عن الزلات.

يقول الإمام الغزالي رحمه الله: «المعاشرة الجميلة أن يكون دائم البِشر، سهل الأخلاق، لا يطلب منها ما لا تطيق، ويتغافل عن الزلات الصغيرة، ويصبر على الخطأ اليسير». فهذا هو الإحسان الذي يتجاوز مجرد العدل إلى المكارم والفضائل.

وقد قال ابن القيم رحمه الله: «من أحسن إلى زوجته وعاملها بالمعروف، فقد أحسن إلى نفسه، لأن الإحسان يُولد الإحسان، والمعروف يجلب المودة والرحمة». فالإحسان ليس منّة على الزوجة، بل هو استثمار في سعادة الأسرة واستقرارها.

والإحسان يشمل المبادرة بالخير، والعفو عند المقدرة، والصبر عند الغضب، والتجاوز عن الزلات، والسعي لإدخال السرور على قلب الشريك. وهذا ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم مع أزواجه، فكان يُمازحهن ويُحادثهن ويُساعدهن ويُدخل السرور على قلوبهن، وهذا هو قمة الإحسان.

خاتمة: الحقوق تعبير عن الحب

في نهاية المطاف، فإن الحقوق الزوجية في الإسلام ليست مجرد واجبات قانونية جافة، بل هي تعبير حي عن الحب والمودة والرحمة. فحين ينفق الزوج على زوجته، فهو لا يؤدي واجباً فحسب، بل يُعبّر عن حبه واهتمامه. وحين تطيع الزوجة زوجها في المعروف، فهي لا تُذعن لسلطة، بل تُشارك في بناء حياة مشتركة سعيدة. وحين يتعاون الزوجان على البر والتقوى، فهما لا يؤديان شعيرة دينية فحسب، بل يصنعان جنة صغيرة في الأرض قبل جنة الآخرة.

وقد قال القرطبي رحمه الله: «الحقوق الزوجية إنما شُرعت لتحقيق السكن والمودة والرحمة، فمن أداها بهذا القصد فقد أصاب الغاية، ومن أداها على وجه التكليف والكراهية فقد فاته الخير الكثير». فالقصد والنية يُحيلان الحقوق من واجبات ثقيلة إلى عبادات محبوبة.

ويقول ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾: «أي أحسنوا إليهن بالقول والفعل، واحتملوا الأذى منهن، واصبروا على ما يبدر منهن من نقص، فإن المرأة خُلقت من ضلع أعوج، ومن رام تقويمه كسره، والمعاشرة بالمعروف تقتضي الصبر والمسامحة والعفو».

فإذا أدرك الزوجان أن الحقوق هي وسيلة لتحقيق الحب والسكينة، وليست غاية في ذاتها، وأن العدل واجب والإحسان مطلوب، وأن الحياة الزوجية شراكة تكاملية لا صراع سلطوي، فإنهما سيجدان في بيتهما جنة صغيرة، ولن يحتاجا إلى محاكم أو وسطاء، لأن المودة والرحمة ستكونان الحكم الفيصل بينهما.

اللهم ألف بين قلوب الأزواج، واجعل بيوتهم عامرة بالمودة والرحمة، وأعنهم على أداء حقوقهم وواجباتهم بإحسان وإخلاص، إنك سميع مجيب.

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أسئلة شائعة

ما هي أهم حقوق الزوجة على زوجها في الإسلام؟

أهم حقوق الزوجة تشمل النفقة الكاملة من مأكل وملبس ومسكن، وحسن المعاشرة والمعاملة بالمعروف، والعدل في حال التعدد، وعدم الإضرار بها، وتعليمها أمور دينها، والإنفاق عليها حتى وإن كانت غنية، فهذه حقوق واجبة شرعاً لا يجوز التفريط فيها.

هل طاعة الزوجة لزوجها مطلقة أم مقيدة؟

طاعة الزوجة لزوجها مقيدة بالمعروف وليست مطلقة، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. الطاعة المطلوبة هي في الأمور المباحة والمعروفة، أما ما يخالف الشرع أو يضر بالزوجة ضرراً بالغاً فلا طاعة فيه، والإسلام لم يجعل الزوج سيداً مطلقاً بل شريكاً في الحياة.

ما المقصود بالقوامة في قوله تعالى الرجال قوامون على النساء؟

القوامة تعني المسؤولية والرعاية والإنفاق، وليست تسلطاً أو استبداداً. القوامة تكليف وليست تشريفاً، فالرجل مكلف بالإنفاق والحماية والرعاية، مع وجوب الشورى والتشاور في أمور الأسرة. وقد فسرها العلماء بأنها مسؤولية القيام بشؤون الأسرة بالعدل والإحسان، لا بالظلم والإذلال.

كيف يوازن الإسلام بين حقوق الزوجين؟

يوازن الإسلام بينهما بمبدأ المساواة في الكرامة الإنسانية والعدل في الحقوق والواجبات، مع مراعاة الفطرة والاختلافات الطبيعية. فقال تعالى: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف. فكل حق لأحدهما يقابله واجب على الآخر، والعلاقة قائمة على التكامل لا التنافس، والمودة والرحمة لا الصراع والتسلط.

ما الفرق بين العدل والإحسان في الحقوق الزوجية؟

العدل هو إعطاء كل ذي حق حقه دون نقصان، وهو الحد الأدنى الواجب. أما الإحسان فهو الزيادة على العدل بالتسامح والعفو والكرم والتجاوز عن الزلات. الإسلام يأمر بالعدل ويحث على الإحسان، كما قال تعالى: وعاشروهن بالمعروف، والمعروف يشمل الإحسان الذي يتجاوز مجرد العدل إلى المكارم والفضائل.