حب الله للعبد وحب العبد لله

يُحبّهم ويُحبّونه — دراسة في الحب المتبادل بين الخالق وعباده

~18 دقيقة قراءة

﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾

سورة المائدة: 54

مقدمة: الحب الذي يسبق كل حب

من أعظم الحقائق التي يكشفها القرآن الكريم أن العلاقة بين الله وعباده ليست مجرد علاقة خلق وعبودية، بل هي علاقة حب متبادل يسبق فيها حبّ الخالق حبَّ المخلوق. إن الله تعالى لم يكتفِ بأن خلقنا ورزقنا وهدانا، بل أخبرنا بأنه يُحبّنا — وطلب منا أن نُحبّه. وهذا التبادل في المحبة هو جوهر العبادة وروحها وغايتها القصوى.

حين نقرأ قوله تعالى ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ نلاحظ أن الله قدّم حبّه هو لعباده قبل حبّهم له. وهذا الترتيب ليس عبثياً بل يحمل رسالة عميقة: أن الله هو الذي بدأ بالحب، وأن حبّنا له ما هو إلا استجابة لحبّه لنا. فالعبد لا يسعى لنيل حب إله لا يأبه به، بل يستجيب لإله أحبّه أولاً قبل أن يعرفه العبد أصلاً — أحبّه وهو في ظلمات الأرحام، وأحبّه قبل أن ينطق لسانه باسمه.

وقد اعتنى علماء الإسلام الكبار بهذا الموضوع عناية فائقة. فأفرد له ابن القيم فصولاً مطوّلة في “مدارج السالكين” حتى جعل مقام المحبة ذروة مقامات القلب. وخصّص له الغزالي كتاباً كاملاً ضمن “إحياء علوم الدين” هو “كتاب المحبة والشوق والأنس والرضا”. وتحدث عنه ابن تيمية في “العبودية” بوصفه أصل الدين ومبناه. وكل هؤلاء أجمعوا على أن محبة الله ليست مجازاً ولا كناية، بل هي حقيقة ثابتة جاء بها الكتاب والسنة.

في هذا المقال نتأمل في هذا الحب المتبادل العظيم: كيف يُحبنا الله؟ ومن هم الذين يستحقون محبته؟ وكيف نُحبه نحن؟ وما أثر هذا الحب على حياتنا وعلاقاتنا الزوجية والأسرية؟ رحلة في أعماق أنبل عاطفة يمكن أن يعيشها قلب بشري — عاطفة حب الله والتعلّق به سبحانه.

يُحبّهم ويُحبّونه: الآية المركزية

تُعدّ آية سورة المائدة من أعظم الآيات التي تتحدث عن الحب المتبادل بين الله وعباده. ولفهم عمقها لا بد من قراءتها كاملة في سياقها:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾

(سورة المائدة: 54)

تأمّل كيف وصف الله هؤلاء القوم بصفات متعددة بعد ذكر المحبة المتبادلة: “أذلّة على المؤمنين” أي متواضعين رحماء مع إخوانهم، “أعزّة على الكافرين” أي أقوياء شجعان لا يُذلّون أمام من يُعادي دينهم. فالحب الإلهي لا يُنتج إنساناً ضعيفاً منكسراً، بل يُنتج إنساناً جمع بين الرحمة والقوة، بين اللين مع المؤمنين والعزة في الحق.

والملاحظة الدقيقة في هذه الآية أن الله قال “يُحبّهم” بصيغة المضارع التي تدل على الاستمرار والتجدد — فحب الله ليس حدثاً واحداً انتهى، بل هو حب متجدد مستمر لا ينقطع. وقدّم حبّه سبحانه على حبّهم ليُبيّن أن حبّه هو الأصل وحبّهم هو الفرع. قال الإمام القشيري في “الرسالة”: لولا أنه أحبّهم أولاً لما أحبّوه، فمحبة العبد لله فضل من الله على العبد لا استحقاق من العبد على الله.

وقد نزلت هذه الآية في سياق التحذير من الردة عن الدين، وكأن الله يقول: من أعرض عني فلن يضرني شيئاً، وسأستبدله بقوم خير منه — قوم أُحبّهم ويُحبّونني. وهذا يكشف أن أعظم نعمة يخسرها المُعرض عن الله ليست النعم المادية، بل خسارة محبة الله — وهي أعظم ما يمكن أن يملكه قلب بشري.

كيف يُحبّنا الله أولاً: حبّه يسبق حبّنا

من أروع ما يُثبته القرآن والسنة أن حب الله لعبده سابق لحب العبد لله. فالله أحبّك قبل أن تعرفه، وهداك إليه قبل أن تطلبه، ومنّ عليك بالإيمان قبل أن تستحقه. وهذه حقيقة تملأ القلب بالعجب والامتنان: أن خالق السماوات والأرض يُحبّ عبداً ضعيفاً مسكيناً لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً.

قال الإمام ابن القيم في “مدارج السالكين” إن حب الله للعبد هو الأصل، وحب العبد لله هو الثمرة. فالله هو الذي ألهم العبد حبّه وأوقد في قلبه شعلة الشوق إليه. ولولا حب الله السابق لما تحرّك قلب العبد نحوه أصلاً. ولهذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: “اللهم إني أسألك حبّك، وحبّ من يُحبّك، وحبّ عمل يُقرّبني إلى حبّك” (رواه الترمذي).

ومن تجليات حب الله السابق أنه سبحانه خلقك في أحسن صورة وأسكنك أرضاً جميلة ورزقك من الطيبات وأحاطك بأحبّة يُؤنسونك. كل هذه النعم التي سبقت وجودك ووعيك هي رسائل حب من الودود إلى عبده قبل أن يعرفه العبد. بل إن الابتلاء ذاته — كما بيّن العلماء — قد يكون من علامات حب الله، لأن الله يبتلي من يُحب ليرفع درجته ويُطهّر قلبه ويُقرّبه إليه.

وقد وصف الإمام الغزالي في “كتاب المحبة” من “إحياء علوم الدين” أن حب الله للعبد يظهر في أنه يصرف عنه الآفات ويحفظه من المهلكات ويُوفّقه للطاعات ويصرفه عن المعاصي ويُيسّر له أسباب القرب ويُلهمه ذكره ويشرح صدره لدينه. فإذا رأيت نفسك مُقبلاً على الله محبّاً لذكره مشتاقاً إلى لقائه، فاعلم أن ذلك أثر من آثار حبّه لك لا من صنيعك أنت.

من يُحبّهم الله: خارطة طريق قرآنية

لم يترك القرآن الكريم باب محبة الله مبهماً، بل رسم خارطة طريق واضحة لمن يُريد أن ينال هذه المحبة العظيمة. فقد ذكر الله تعالى في آيات متعددة صفات من يُحبّهم، وكل صفة هي باب من أبواب القرب منه سبحانه:

المحسنون

﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾

(سورة البقرة: 195)

الإحسان هو أعلى مراتب الدين كما جاء في حديث جبريل الشهير (رواه مسلم). والمحسن هو الذي يُتقن عمله ويُحسن إلى الخلق ويعبد الله كأنه يراه. ومن أعظم الإحسان: الإحسان إلى الزوج والزوجة بالكلمة الطيبة والمعاملة الحسنة والصبر الجميل.

التوّابون والمتطهّرون

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾

(سورة البقرة: 222)

التوّابون هم كثيرو التوبة — والصيغة بالمبالغة تدل على أن الإنسان مهما تكرّرت أخطاؤه فإن باب التوبة مفتوح وباب محبة الله لا يُغلق أمام من يعود إليه. والمتطهّرون هم الذين يسعون للطهارة ظاهراً وباطناً — طهارة الجسد وطهارة القلب من الحقد والحسد والكبر.

الصابرون والمتوكّلون والمقسطون

وذكر الله كذلك أنه يُحب الصابرين: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة آل عمران: 146) — وهم الذين يتحملون المشاق ولا يجزعون عند البلاء. ويُحب المتوكلين: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (سورة آل عمران: 159) — وهم الذين يأخذون بالأسباب ثم يُفوّضون أمرهم لله. ويُحب المقسطين: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (سورة المائدة: 42) — وهم العادلون في أحكامهم ومعاملاتهم.

إن هذه الصفات الست مجتمعة تُشكّل صورة متكاملة للإنسان الذي يستحق محبة الله: مُحسن في عمله، دائم التوبة، حريص على الطهارة، صابر في البلاء، متوكّل على ربّه، عادل في حكمه. وكل صفة من هذه الصفات قابلة للتطبيق في الحياة الزوجية — فالصبر على الشريك عبادة، والعدل في المعاملة فريضة، والإحسان إليه قُربة.

من لا يُحبّهم الله: تحذيرات قرآنية

كما بيّن القرآن صفات من يُحبّهم الله، بيّن أيضاً صفات من لا يُحبّهم — ليكون ذلك تحذيراً للمؤمن من أن يتّصف بهذه الصفات التي تحرمه من أعظم نعمة وهي محبة الله:

الظالمون: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (سورة آل عمران: 57) — والظلم يشمل ظلم النفس بالذنوب وظلم الآخرين بالتعدي على حقوقهم. ومن أشد أنواع الظلم ظلم الزوج لزوجه أو الزوجة لزوجها بالكلمة الجارحة أو الإهمال أو سلب الحقوق.

المعتدون: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (سورة البقرة: 190) — وهم الذين يتجاوزون الحدود ويعتدون على غيرهم بالقول أو الفعل. والمتكبّرون: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ (سورة النحل: 23) — والكبر أصل كثير من الشرور لأنه يمنع صاحبه من الاعتراف بالخطأ والاعتذار والتواضع للشريك.

الخائنون: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (سورة الأنفال: 58) — والخيانة تشمل خيانة الأمانة وخيانة العهد ونقض المواثيق. وأعظم أمانة بين الزوجين هي أمانة الحب والوفاء والإخلاص. والمسرفون: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (سورة الأنعام: 141) — والإسراف ليس في المال فحسب بل في كل شيء، ومنه الإسراف في الكلام الجارح والإسراف في الإهمال العاطفي.

والفرِحون بمعنى البَطِرون المتكبّرون: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ (سورة القصص: 76) — أي الذين يفرحون فرح البطر والغرور لا فرح الشكر والحمد. والفرق بين الفرحين واضح: فرح الشكر يدفع صاحبه للتواضع والإحسان، وفرح البطر يدفعه للكبر والطغيان.

إن تأمّل هذه الصفات يكشف أنها كلها مُدمّرة للعلاقات الإنسانية: الظلم يهدم الثقة، والاعتداء يهدم الأمان، والكبر يهدم التواصل، والخيانة تهدم الوفاء، والإسراف يهدم التوازن. فمن أراد محبة الله فليتخلّص من هذه الصفات، ومن تخلّص منها صلحت علاقاته مع الله ومع الناس في آن واحد.

كيف نُحبّ الله: الحب يحتاج إلى عمل

جاءت في القرآن آية عظيمة يُسمّيها العلماء “آية الامتحان” أو “آية المحبة”، لأنها تضع معياراً واضحاً لصدق محبة العبد لله:

﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾

(سورة آل عمران: 31)

هذه الآية تكشف حقيقة جوهرية: محبة الله ليست مجرد شعور في القلب بل تحتاج إلى برهان عملي. ومن ادّعى حبّ الله دون أن يتّبع هدي نبيّه صلى الله عليه وسلم فدعواه تحتاج إلى مراجعة. قال الحسن البصري رحمه الله: ادّعى قوم محبة الله فابتلاهم الله بهذه الآية. وقال ابن كثير في تفسيره: هذه الآية حاكمة على كل من ادّعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية.

والاتّباع الذي تطلبه الآية ليس اتّباعاً شكلياً ظاهرياً فحسب، بل هو اتّباع شامل يشمل: اتّباع النبي في أخلاقه ومعاملته للناس ورحمته بأهله ولطفه مع أزواجه وصبره وتواضعه. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان أعظم محبّ لله وأكثر الناس تجسيداً لهذا الحب في كل تفاصيل حياته — في صلاته وذكره وشكره وصبره ومعاملته لأهل بيته وأصحابه.

ولاحظ أن الآية وعدت من اتّبع النبي بجائزتين عظيمتين: “يُحبّكم الله” — أي تنالون محبة الله لكم، “ويغفر لكم ذنوبكم” — أي تُمحى سيئاتكم. فالحب هنا مقرون بالمغفرة، وكأن من أحبّه الله غفر له كل ما سبق من ذنوبه — وهذا من أعظم ما يبعث الأمل في القلوب.

مقام المحبة عند العلماء الكلاسيكيين

اعتنى كبار علماء الإسلام بموضوع محبة الله عناية فائقة، وجعلوه من أعلى مقامات السالكين إلى الله وأشرفها. وفيما يلي أبرز ما ذهب إليه أعلام هذا العلم الشريف.

ابن القيم الجوزية — مدارج السالكين

أفرد الإمام ابن القيم لمقام المحبة فصولاً مطوّلة في كتابه “مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين”، وهو من أعمق ما كُتب في هذا الباب. ذهب ابن القيم إلى أن المحبة هي “المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى عَلَمها شمّر السابقون، وعليها تفانى المحبّون، وبروح نسيمها تروّح العابدون”. وجعلها غاية المقامات ومنتهى الدرجات، فليس وراء المحبة منزلة إلا وهي ثمرة من ثمراتها كالشوق والأنس والرضا.

وبيّن ابن القيم أن للمحبة عشرة أسباب تُولّدها وتُقوّيها: قراءة القرآن بالتدبّر، والتقرّب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، ودوام ذكر الله، وإيثار محابّ الله على محابّ النفس، ومطالعة أسماء الله وصفاته، ومشاهدة برّه وإحسانه ونعمه، وانكسار القلب بين يدي الله، والخلوة بالله وقت النزول الإلهي في الثلث الأخير من الليل، ومجالسة الصادقين المحبّين لله، ومباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله.

الإمام الغزالي — إحياء علوم الدين

خصّص الإمام أبو حامد الغزالي الكتاب السادس من الربع الأخير من “إحياء علوم الدين” لموضوع المحبة والشوق والأنس والرضا. وهو من أنفس ما كُتب في هذا الباب. بيّن الغزالي أن محبة الله حقيقية وليست مجازاً خلافاً لمن أنكرها من المتكلمين، وأن الإنسان بطبيعته يُحب ما هو كمال وجمال وإحسان — والله هو الكمال المطلق والجمال المطلق والمحسن المطلق، فمحبته هي أوجب المحابّ وأحقّها.

وذكر الغزالي أن من علامات حب الله: أن يُحب لقاءه ولا يكره الموت إلا ليزداد عملاً، وأن يُؤثر ما يُحبّه الله على ما يُحبّه هو، وأن يكون أُنسه بمناجاة الله أكثر من أُنسه بمحادثة الخلق، وأن يكثر ذكر الله لأن من أحبّ شيئاً أكثر من ذكره.

ابن تيمية — العبودية

أكد شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة “العبودية” أن محبة الله هي أصل الدين ومبناه وأساس التوحيد. وأن العبادة التي أمر الله بها تتضمن غاية الحب مع غاية الذل — فالعابد يُحب الله أعظم محبة ويخضع له أعظم خضوع. وبيّن أن كل من أحبّ شيئاً لغير الله فمحبته فاسدة، وأن المحبة الصحيحة هي أن تُحب الله فوق كل شيء وأن تُحب ما سواه لأجل الله.

الإمام القشيري — الرسالة القشيرية

تناول الإمام أبو القاسم القشيري مقام المحبة في “الرسالة القشيرية” من زاوية تجربة القلب. فقال إن المحبة حال شريفة شهد الحق بها للعبد وشهد بها العبد للحق — فقال الله “يُحبّهم” وقالوا “ويُحبّونه”. وبيّن أن المحبة إذا تمكّنت من القلب أفنت صاحبها عن كل شيء سوى المحبوب، فلا يرى إلا الله ولا يسمع إلا ذكر الله ولا يتحرك إلا لله.

حديث القرب بالنوافل: إذا أحببته كنت سمعه

من أعظم النصوص النبوية التي تصف ثمرة حب الله للعبد هذا الحديث القدسي الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربّه:

“ما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها”

(رواه البخاري)

هذا الحديث يكشف عن أعلى مراتب القرب من الله وأعظم ثمرات محبته للعبد. والمعنى — كما بيّن العلماء — ليس حلولاً ولا اتحاداً، بل هو تسديد وتوفيق: أن الله يُسدّد حواس عبده المحبوب فلا يسمع إلا ما يُرضي الله، ولا يُبصر إلا ما يُقرّبه من الله، ولا يتحرّك إلا في طاعة الله. يصبح العبد مُوفّقاً مُسدّداً في كل حواسه وأفعاله.

والطريق إلى هذا المقام العظيم — كما يُبيّن الحديث — هو التقرّب بالنوافل بعد أداء الفرائض. فالفرائض هي الأساس الذي لا محبة بدونه، والنوافل هي التي تُوصل العبد إلى محبة الله الخاصة. والنوافل تشمل كل عبادة زائدة عن الفرض: صلاة الليل، والصيام التطوّعي، والصدقات، والذكر، وتلاوة القرآن، والدعاء في جوف الليل. فمن أراد أن يبلغ هذا المقام فليُكثر من هذه الأعمال حتى يصير القرب من الله حالاً دائمة لا زيارة عابرة.

وتأمّل كيف بدأ الحديث بقوله “ما يزال” — وهي تدل على الاستمرار والمداومة. فالمحبة الإلهية لا تُنال بعمل واحد أو ليلة واحدة، بل بالمداومة على التقرّب والإكثار من الطاعات حتى يصير ذلك طبعاً للعبد وسجيّة له. قال ابن رجب الحنبلي في شرح هذا الحديث: إذا بلغ العبد هذه الدرجة صار محفوظاً في جميع أحواله، مُعاناً في كل شؤونه، مُسدّداً في أقواله وأفعاله.

حين يُعلن الله حبّه: من السماء إلى الأرض

من أجمل الأحاديث التي تصف كيف ينتقل حب الله من السماء إلى الأرض، هذا الحديث الصحيح الذي يرسم صورة مهيبة لإعلان الله حبّه لعبده:

“إنَّ اللَّهَ إذا أحبَّ عبدًا دعا جبريلَ فقال: إنِّي أُحبُّ فلانًا فأحِبَّه. فيُحبُّه جبريلُ، ثمَّ يُنادي في أهلِ السَّماءِ: إنَّ اللَّهَ يُحبُّ فلانًا فأحبُّوه. فيُحبُّه أهلُ السَّماءِ، ثمَّ يُوضعُ له القَبولُ في الأرضِ”

(رواه البخاري ومسلم)

تأمّل هذا المشهد العظيم: الله تعالى — خالق السماوات والأرض — يُعلن حبّه لعبد من عباده في الملأ الأعلى. يُنادي جبريل عليه السلام — أعظم الملائكة — ويُخبره بحبّه لهذا العبد. ثم ينتقل هذا الحب في أهل السماء كلهم فيُحبّونه. ثم يُوضع له القبول في الأرض — أي يجعل الله الناس يُحبّونه ويقبلونه ويألفونه دون أن يعرفوا السبب.

وهذا يكشف حقيقة عجيبة: أن كل حب صادق في الأرض مصدره السماء. فحين ترى شخصاً محبوباً بين الناس تميل إليه القلوب دون سبب ظاهر — فاعلم أن ذلك من أثر محبة الله له. وحين تجد في قلبك مودة لإنسان صالح لا تعرف لها سبباً — فاعلم أنك تلقّيت نصيبك من ذلك القبول الذي أنزله الله من السماء.

وفي هذا الحديث بشارة عظيمة للأزواج المتحابّين: فإذا كان كل منهما ساعياً لمرضاة الله مُتقرّباً إليه بالطاعات، فإن الله يضع حبّ كل منهما في قلب الآخر ويُبارك في هذا الحب ويُنمّيه. فالطريق الأقرب إلى قلب شريك حياتك يمر عبر القرب من الله — لأن الله هو الذي يضع الحب في القلوب ويُثبّته.

حب الله وأثره على الحياة الزوجية

ليس حب الله شعوراً منعزلاً عن الحياة اليومية، بل هو أقوى محرّك لإصلاح العلاقات وتعميقها. والعلاقة الزوجية هي أولى العلاقات تأثّراً بهذا الحب، لأنها أقرب العلاقات إلى القلب وأكثرها حاجة إلى الرعاية والمودة.

الحب الزوجي عبادة لا عادة

حين يُدرك الزوجان أن حبّهما لبعضهما هبة من الله الودود وانعكاس لمحبته سبحانه، تتحوّل علاقتهما من عادة اجتماعية إلى عبادة ربّانية. فكل كلمة حانية يقولها أحدهما للآخر تصبح ذكراً لله، وكل لحظة حنان يعيشانها تصبح صدقة في ميزان حسناتهما. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “وفي بُضع أحدكم صدقة” (رواه مسلم) — فحتى أخصّ لحظات الزوجين تصبح عبادة حين تُربط بالله.

التخلّق بأخلاق الله في الزواج

من أحبّ الله تخلّق بأخلاقه بما يليق بمقام العبد. فالله غفور — فليكن الزوج غفوراً لزوجته والزوجة غفورة لزوجها. والله رحيم — فليكونا رحيمين ببعضهما. والله صبور — فليصبرا على ما يصدر من أحدهما. والله ودود — فليتودّد كل منهما للآخر بالكلمة والفعل. فحين تصير أخلاق الله هي المرجعية في العلاقة الزوجية، تتحول هذه العلاقة إلى جنّة أرضية يعيش فيها الزوجان بسكينة ومودة ورحمة.

العبادة المشتركة تُعمّق الحب

من أقوى أسباب تعميق الحب بين الزوجين أن يتقرّبا إلى الله معاً: أن يُصلّيا الليل معاً أحياناً، وأن يقرآ القرآن معاً، وأن يتذاكرا في أمور دينهما، وأن يتنافسا في الخيرات. فقد جاء في الحديث: “رحم الله رجلاً قام من الليل فصلّى وأيقظ امرأته فصلّت” (رواه أبو داود). فالعبادة المشتركة تخلق رابطة روحية بين الزوجين لا يمكن لأي شيء آخر أن يخلقها — رابطة مبنية على حب الله الذي يجمعهما ويُقرّبهما.

إن الزوجين اللذين يجتمعان على حب الله يجدان أن خلافاتهما تذوب بسرعة، لأنهما يعودان دائماً إلى مرجعية مشتركة هي مرضاة الله. وحين يغضب أحدهما يتذكّر أن الله يُحب الكاظمين الغيظ فيكظم غيظه. وحين يُخطئ يتذكّر أن الله يُحب التوّابين فيعتذر ويتوب. وحين يضعف حبّه يتذكّر أن الله هو الودود الذي يضع المودة في القلوب فيدعوه أن يُجدّد المودة بينهما.

خاتمة: حين يملأ حب الله القلب

في ختام هذا التأمل في حب الله للعبد وحب العبد لله، نعود إلى الحقيقة التي بدأنا بها: الله أحبّنا أولاً. أحبّنا قبل أن نعرفه، وأحبّنا قبل أن نستحق حبّه، وأحبّنا حين كنا غافلين عنه. وكل ما يُطلب منا هو أن نستجيب لهذا الحب — أن نُحبّه كما أحبّنا، وأن نشكره على حبّه، وأن نسعى لنيل المزيد من قربه.

إن القلب الذي يمتلئ بحب الله لا يبقى فيه مكان للحقد والحسد والكراهية. بل يفيض بالمودة والرحمة والإحسان على كل من حوله. والزوج الذي يملأ حبّ الله قلبه يصبح أفضل الأزواج — لأنه يُحسن لأنه يُحب الله الذي يُحب المحسنين، ويصبر لأنه يُحب الله الذي يُحب الصابرين، ويعدل لأنه يُحب الله الذي يُحب المقسطين، ويتوب من أخطائه لأنه يُحب الله الذي يُحب التوّابين.

فاللهم اجعلنا من القوم الذين تُحبّهم ويُحبّونك. اللهم ارزقنا حبّك وحبّ من يُحبّك وحبّ عمل يُقرّبنا إلى حبّك. اللهم اجعل حبّنا لأزواجنا وأهلنا في ميزان حسناتنا. واجعلنا ممن يسمعون القول فيتّبعون أحسنه. اللهم إنك عفوّ كريم ودود رحيم تُحب العفو فاعفُ عنا.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، الذي سمّى نفسه الودود وأحبّ عباده وطلب منهم أن يُحبّوه، وجعل كل حب صادق في هذا الكون شعاعاً من نور محبّته العظيمة.

أسئلة شائعة

ما معنى يحبهم ويحبونه في سورة المائدة؟
هذه الآية من سورة المائدة (الآية 54) تصف العلاقة المتبادلة بين الله وعباده المؤمنين. وقد قدّم الله محبته لهم على محبتهم له فقال يُحبهم ويُحبونه، مما يدل على أن حب الله سابق لحب العبد وأن حب العبد لله هو استجابة لحب الله له. وهذه الآية تعدّ من أعظم الآيات التي تتحدث عن المحبة المتبادلة بين الخالق والمخلوق.
ما هي صفات الذين يحبهم الله في القرآن؟
ذكر القرآن الكريم صفات كثيرة لمن يحبهم الله، منها: المحسنون (البقرة: 195)، والتوابون والمتطهرون (البقرة: 222)، والصابرون (آل عمران: 146)، والمتوكلون (آل عمران: 159)، والمقسطون (المائدة: 42)، والذين يقاتلون في سبيله صفاً (الصف: 4). وهذه الصفات تمثل منهجاً عملياً لنيل محبة الله تعالى.
ما هو حديث القرب بالنوافل وعلاقته بحب الله؟
هو حديث قدسي رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه يقول الله تعالى: ما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها. وهذا الحديث يصف أعلى مقامات القرب من الله حيث يصبح العبد مسدّداً بتوفيق الله في كل حواسه وأفعاله.
كيف يُعلن الله حبه للعبد في السماوات والأرض؟
جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم أن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل: إني أحب فلاناً فأحبه. فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه. فيحبه أهل السماء ثم يُوضع له القبول في الأرض. فحب الله للعبد ينتقل من السماء إلى الأرض ويصبح محبوباً بين الناس.
ما هو مقام المحبة عند ابن القيم في مدارج السالكين؟
اعتبر ابن القيم مقام المحبة من أعلى مقامات السالكين إلى الله وأشرفها، وجعله غاية المقامات ومنتهى الدرجات. وبيّن أن المحبة ليست مجرد شعور بل هي حال يتملك القلب بالكلية فيصبح العبد لا يرى ولا يسمع ولا يتحرك إلا بحب الله ولحب الله. وقسّم مراتب المحبة إلى العلاقة والإرادة والصبابة والغرام والوله والتعبّد والخلّة وغيرها.
كيف يؤثر حب الله على العلاقة الزوجية؟
حب الله يُعمّق العلاقة الزوجية من عدة وجوه: أولاً يجعل الزوجين ينظران إلى حبهما على أنه هبة إلهية فيشكران الله عليه ويحرصان على صونه. ثانياً يدفعهما للتخلّق بأخلاق الله كالرحمة والمغفرة والصبر. ثالثاً يجعل العلاقة عبادة يتقربان بها إلى الله. ورابعاً يمنح الحب بُعداً روحياً يجعله أعمق وأصفى وأبقى من الحب المبني على العاطفة وحدها.
ما معنى آية قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله؟
هذه الآية من سورة آل عمران (الآية 31) تُعرف عند العلماء بآية المحبة أو آية الامتحان. وهي تبيّن أن محبة الله ليست مجرد ادعاء بل تحتاج إلى برهان عملي وهو اتباع النبي صلى الله عليه وسلم. فمن ادّعى حب الله دون اتباع سنة نبيه فدعواه كاذبة. والمعنى أن الطريق إلى نيل محبة الله يمر باتباع هدي النبي في كل شؤون الحياة.