كل آيات الحب في القرآن الكريم

مرجع شامل لجميع آيات المودة والرحمة والسكينة وحب الله — مصنّفة بحسب الموضوع

25 دقيقة قراءة

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

سورة الروم: 21

مقدمة: القرآن كتاب الحب

حين نتأمل في القرآن الكريم نجد أن الحب بمفاهيمه المتنوعة — المودة والرحمة والسكينة وحب الله لعباده — يتخلل آياته من أولها إلى آخرها. فالقرآن لم يتحدث عن الحب في موضع واحد فحسب، بل نثر آيات الحب في عشرات السور، وتناوله من زوايا متعددة: الحب بين الزوجين، والحب الأبوي، وحب الله لعباده الصالحين، وبيان صفات من يحبهم الله ومن لا يحبهم. هذا المرجع الشامل يجمع أبرز هذه الآيات ويصنفها بحسب الموضوع ليكون دليلاً متكاملاً لكل باحث عن آيات الحب في كتاب الله.

إن القرآن الكريم لم ينظر إلى الحب باعتباره ضعفاً بشرياً أو غريزة عابرة، بل رفعه إلى مرتبة الآيات الكونية الكبرى، وجعله دليلاً على عظمة الخالق سبحانه. فالحب في القرآن ظاهرة إلهية تستوجب التأمل والتفكر، ونعمة ربانية تستوجب الشكر والحمد. وقد صنّفنا الآيات في هذا المرجع إلى ستة أبواب رئيسية تغطي أهم جوانب الحب في القرآن الكريم.

أولاً: آيات المودّة في القرآن

المودة من أرقى أنواع الحب في القرآن الكريم. وهي مشتقة من الجذر (و-د-د) الذي يعني المحبة الفعّالة التي تُترجم إلى أفعال ظاهرة. وقد وردت المودة ومشتقاتها في مواضع عديدة من كتاب الله، كل موضع يكشف عن بُعد مختلف من أبعاد هذا المفهوم العظيم.

﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

(سورة الروم: 21)

هذه هي الآية المركزية في موضوع المودة بين الزوجين. فالله سبحانه يُخبرنا أنه هو الذي “جعل” المودة بين الزوجين — أي أودعها بينهما كهبة إلهية. واقتران المودة بالرحمة في هذه الآية يدل على أنهما ركنان متلازمان لا تقوم العلاقة الزوجية السليمة إلا بهما معاً.

﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾

(سورة الشورى: 23)

في هذه الآية يأمر الله نبيه أن يُخبر الناس أنه لا يطلب أجراً على تبليغ الرسالة إلا المودة في القربى. واختيار كلمة “المودة” دون “الحب” أو “الاحترام” يدل على أن المطلوب ليس مجرد مشاعر مكتومة، بل محبة فعّالة تتجلى في الرعاية والتقدير والصلة الحقيقية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.

﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً﴾

(سورة الممتحنة: 7)

تكشف هذه الآية عن قدرة المودة التحويلية العظيمة. فالله قادر على أن يُبدّل العداوة إلى مودة بين الناس. وقد تحقق ذلك فعلاً عندما أسلم كثير من أعداء المسلمين وصاروا إخواناً لهم. هذه الآية تُعلمنا أن المودة ليست مقتصرة على العلاقات القريبة، بل يمكن أن تمتد لتشمل حتى من كانوا أعداءً.

﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾

(سورة البروج: 14)

في هذه الآية يصف الله نفسه بأنه “الودود” — أي المُحب لعباده حباً فعالاً يتجلى في رعايته وعنايته بهم. واقتران اسم الودود بالغفور يحمل معنى بالغ الجمال: أن الله يغفر لعبده ثم يُودّه ويحبه، لا يغفر له فحسب بل يتودد إليه. وهذا يُعلمنا أن المودة الحقيقية تقترن بالتسامح والعفو.

ثانياً: آيات الرحمة بين الزوجين

الرحمة بين الزوجين ركن أساسي من أركان الحياة الزوجية في القرآن الكريم. وهي مشتقة من الجذر (ر-ح-م) المرتبط بالرحم — رحم الأم الذي يحتضن ويحمي. والآيات التالية ترسم صورة متكاملة للرحمة والرعاية المتبادلة التي ينبغي أن تسود بين الزوجين.

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

(سورة الروم: 21)

الرحمة في هذه الآية جاءت مقترنة بالمودة لأن كلاً منهما يُكمل الآخر. فالمودة هي حب الشباب والحماسة، أما الرحمة فهي حنان النضج والدوام. والرحمة هي التي تحمل العلاقة في أوقات الضعف والمرض والشيخوخة، حين تخبو نار العاطفة الأولى ويبقى الحنان العميق الذي لا يشترط ولا ينتظر مقابلاً.

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾

(سورة الأعراف: 189)

تُؤكد هذه الآية مبدأ السكينة بين الزوجين من زاوية الأصل المشترك. فالله خلق الزوجين من نفس واحدة ليتحقق بينهما السكن — أي الراحة والطمأنينة والأمان. وعبارة “ليسكن إليها” تدل على أن السكينة غاية مقصودة من الله في الزواج، وليست مجرد نتيجة عرضية.

﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾

(سورة النساء: 19)

أمر إلهي صريح بحسن المعاشرة بين الزوجين. و“المعروف” كلمة جامعة تشمل كل ما تعارف عليه الناس من حسن المعاملة: الكلام الطيب، واحترام المشاعر، والرفق في التعامل، والإنصاف في الحقوق. وهذا الأمر يجعل حسن المعاشرة فريضة شرعية وليس مجرد استحسان اختياري.

﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾

(سورة البقرة: 187)

من أجمل التشبيهات القرآنية للعلاقة الزوجية. فاللباس يستر ويحمي ويُدفئ ويُجمّل — وكل هذه المعاني تنطبق على العلاقة بين الزوجين. كل منهما ستر للآخر يحمي أسراره، ودفء يحتضنه في البرد، وزينة تُجمّل حياته. وتبادل التشبيه (“هن لباس لكم وأنتم لباس لهن”) يؤكد المساواة والتكامل في هذه العلاقة.

﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾

(سورة البقرة: 228)

تُقرر هذه الآية مبدأ التكافؤ في الحقوق والواجبات بين الزوجين. فكما أن على المرأة واجبات تجاه زوجها، فلها حقوق مماثلة عليه. وكلمة “بالمعروف” تُؤطّر هذه الحقوق والواجبات بإطار الرحمة والإنصاف، فلا ظلم ولا تعسف من أي طرف.

﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾

(سورة البقرة: 233)

تُرسي هذه الآية قاعدة ذهبية في العلاقة الأسرية: منع الإضرار المتبادل بين الزوجين بسبب الأولاد. فلا يجوز أن يُستخدم الطفل كأداة ضغط أو إيذاء بين الأبوين. وهذا المبدأ يعكس رحمة القرآن بالأسرة كلها — الأب والأم والطفل — ويحرص على حماية كل طرف من ظلم الآخر.

ثالثاً: آيات حب الله لعباده

من أعظم أبواب الحب في القرآن باب حب الله لعباده. فالله سبحانه يُحب عباده المؤمنين ويتودد إليهم ويُثني على صفاتهم. والآيات التالية تُبيّن الصفات التي يُحب الله أصحابها، وتفتح لكل مسلم باباً واسعاً لنيل محبة الله من خلال التحلي بهذه الصفات العظيمة.

﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾

(سورة المائدة: 54)

هذه الآية من أعظم آيات الحب المتبادل بين الله وعباده. فالحب هنا في اتجاهين: الله يحبهم وهم يحبونه. وقد قدّم الله حبه لهم على حبهم له (“يحبهم ويحبونه”)، وكأنه يقول إن حبه لعباده هو الأصل والسابق، وحبهم له استجابة لحبه وفضله. وهذا من أعظم ما يُشعر المؤمن بالقرب والأنس بالله.

﴿وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾

(سورة البقرة: 195)

الإحسان — وهو إتقان العمل والتفاني فيه — من أحب الصفات إلى الله. والمحسن هو من يعبد الله كأنه يراه، ويتعامل مع الناس بأفضل ما يمكن. وحب الله للمحسنين يشمل كل مجالات الإحسان: في العبادة والعمل والعلاقات الإنسانية والتعامل مع الطبيعة.

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾

(سورة البقرة: 222)

الله يحب من يرجع إليه بالتوبة مهما كانت ذنوبه، ويحب من يتطهر ظاهراً وباطناً. والجمع بين التوبة والتطهر يشير إلى أن الطهارة المطلوبة شاملة: طهارة القلب بالتوبة من الذنوب، وطهارة الجسد بالنظافة والوضوء. وفي ذلك بشارة عظيمة لكل مذنب بأن باب محبة الله مفتوح أمامه ما دام يتوب ويتطهر.

﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾

(سورة آل عمران: 31)

تُعرف هذه الآية عند العلماء بـ“آية المحنة” أو “آية الامتحان” — لأنها تمتحن صدق من يدّعي حب الله. فمن أراد أن يحبه الله فعليه اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأخلاقه. وهذا يجعل اتباع السنة النبوية هو الطريق الأمثل لنيل محبة الله تعالى.

﴿بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَىٰ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾

(سورة آل عمران: 76)

التقوى — وهي خشية الله والعمل بطاعته واجتناب نواهيه — من أعظم أسباب نيل محبة الله. وقد قُرنت هنا بالوفاء بالعهد، مما يدل على أن التقوى ليست مجرد عبادة فردية بل تشمل الأمانة والصدق في التعامل مع الناس والوفاء بالعقود والمواثيق.

﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾

(سورة آل عمران: 134)

تأتي هذه الآية في سياق وصف المتقين الذين أُعدّت لهم الجنة. وتُبيّن أن كظم الغيظ والعفو عن الناس والإحسان إليهم من أسمى الصفات التي يحبها الله. وهذه الصفات ذات أهمية خاصة في الحياة الزوجية، حيث يحتاج كل من الزوجين إلى كظم غيظه والعفو عن أخطاء شريكه.

﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾

(سورة آل عمران: 146)

الصبر من أكثر الصفات التي ربطها القرآن بمحبة الله. والصبر في الإسلام ليس مجرد تحمّل سلبي للمصائب، بل هو ثبات إيجابي على الحق وتحمّل واعٍ للابتلاءات مع الإيمان بحكمة الله. والصبر في العلاقة الزوجية أساسي، لأن كل علاقة تمر بأوقات صعبة تحتاج إلى صبر جميل.

﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾

(سورة آل عمران: 159)

التوكل على الله — أي الاعتماد عليه مع الأخذ بالأسباب — صفة يحبها الله في عباده. والمتوكل هو من يبذل جهده ثم يُفوّض أمره لله بيقين وطمأنينة. وهذا مبدأ مهم في الحياة الزوجية: أن يسعى الزوجان لبناء أسرة سعيدة مع التوكل على الله في تحقيق ما لا يملكان تحقيقه بأنفسهما.

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾

(سورة المائدة: 42)

المُقسطون هم أهل العدل والإنصاف. وقد تكررت هذه الآية في أكثر من موضع في القرآن (المائدة: 42، الحجرات: 9، الممتحنة: 8)، مما يدل على أهمية العدل في نيل محبة الله. والعدل بين الزوجين والأبناء من أعظم ما يُرضي الله ويُقرّب العبد من محبته.

﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾

(سورة الحجرات: 9)

تأتي هذه الآية في سياق الإصلاح بين المتخاصمين، وتُؤكد أن العدل والإنصاف أساس الإصلاح. وهذا المبدأ ينطبق على الخلافات الزوجية أيضاً: حين ينشب خلاف بين الزوجين، فإن الإصلاح يكون بالعدل لا بانحياز طرف على آخر. والله يحب من يسعى للإصلاح بالعدل.

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾

(سورة الصف: 4)

في هذه الآية يُحب الله من يقف في سبيله متراصاً متحداً كالبنيان المتماسك. والمعنى يتجاوز القتال الحربي ليشمل كل من يثبت على الحق ويتحد مع إخوانه في مواجهة التحديات. والتراص والتماسك صفة محببة إلى الله، سواء كانت في الأمة الإسلامية ككل أو في الأسرة الصغيرة حيث يتحد الزوجان في مواجهة صعوبات الحياة.

رابعاً: آيات الحب الأبوي

لم يغفل القرآن عن الحب الأبوي — ذلك الحب العميق الذي يربط الآباء بأبنائهم. وقد صوّر القرآن هذا الحب من خلال قصص الأنبياء وحكمة لقمان ودعاء زكريا، فرسم صوراً مؤثرة للشوق والخوف والرجاء والحنان الأبوي الذي لا ينضب.

﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾

(سورة يوسف: 8)

تكشف هذه الآية عن حب يعقوب عليه السلام ليوسف — ذلك الحب الأبوي العميق الذي لاحظه إخوة يوسف وأثار غيرتهم. وقد وصفوا حب أبيهم ليوسف بأنه أشد من حبه لهم، مما يُظهر أن الحب الأبوي قد يتفاوت في درجته دون أن يعني ذلك ظلماً أو تفضيلاً في المعاملة.

﴿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾

(سورة يوسف: 84)

من أكثر الآيات تصويراً لعمق الحب الأبوي. فيعقوب عليه السلام فقد بصره من كثرة البكاء على ابنه يوسف الذي فُقد منه سنوات طويلة. ورغم مرور الزمن لم ينسَ حبه ولم يخبُ حزنه، بل ظل يدعو الله ويرجو لقاءه. ثم أمر أبناءه بالبحث عنه قائلاً: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ﴾ — فالحب الأبوي لا ييأس أبداً.

﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾

(سورة لقمان: 13)

وصايا لقمان لابنه نموذج راقٍ للحب الأبوي الذي يتجلى في الحرص على تربية الابن وتوجيهه نحو الخير. فلقمان لم يكتفِ بحب ابنه حباً عاطفياً، بل ترجم حبه إلى تعليم ونصح وتربية. ونداؤه له بـ“يا بنيّ” بصيغة التصغير يعكس الحنان والرقة في مخاطبته. ثم تتوالى الوصايا في الآيات (13-19) شاملةً العقيدة والأخلاق والسلوك — فالحب الأبوي الحقيقي يبني ويُربّي ويُوجّه.

﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ۝ فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾

(سورة مريم: 4-5)

دعاء زكريا عليه السلام يكشف عن شوق أبوي عميق. فرغم كِبر سنّه وضعف جسده لم يفقد الأمل في أن يرزقه الله ولداً يكون وليّاً يرثه ويحمل رسالته. هذا الدعاء المؤثر يُظهر أن الرغبة في الأبوة والأمومة فطرة إلهية عميقة في النفس البشرية، وأن الحب الأبوي يمكن أن يسبق وجود الابن — فزكريا أحب ابنه قبل أن يُولد.

خامساً: آيات السكينة

السكينة مفهوم قرآني عميق مشتق من الجذر (س-ك-ن) الذي يعني الاستقرار والهدوء والطمأنينة. وقد وردت السكينة في القرآن في سياقات متعددة — بين الزوجين وفي قلوب المؤمنين وفي مواقف حرجة — مما يكشف عن أنها هبة إلهية يُنزلها الله في القلوب المحتاجة إلى الأمان والاستقرار.

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾

(سورة الروم: 21)

السكينة هنا هي الغاية الأولى من الزواج. فالله خلق الأزواج “لتسكنوا إليها” — أي ليجد كل منهما عند الآخر الراحة والطمأنينة والأمان النفسي. وحرف “إلى” يدل على الاتجاه والغاية، كأن الإنسان في حالة قلق واضطراب حتى يصل “إلى” شريكه فيسكن ويهدأ.

﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾

(سورة الأعراف: 189)

تُعيد هذه الآية التأكيد على أن السكينة هي الحكمة من خلق الزوج. والتكرار في القرآن يدل على أهمية المعنى وضرورة التوقف عنده. فالله يريد للإنسان أن يجد في شريك حياته سكناً وأمناً، لا قلقاً وتوتراً. وهذا يضع مسؤولية على كل زوج أن يسعى ليكون مصدر سكينة لشريكه.

﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾

(سورة الفتح: 4)

هنا تتجلى السكينة كهبة إلهية يُنزلها الله في قلوب المؤمنين. والسكينة في هذا السياق ليست مجرد هدوء نفسي، بل هي طمأنينة إيمانية عميقة تزيد المؤمن ثباتاً ويقيناً. وهذا يعني أن السلام الداخلي الذي يشعر به الإنسان — سواء في علاقته بالله أو في علاقته بشريك حياته — هو نفحة ربانية من السكينة التي يُنزلها الله.

﴿ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾

(سورة التوبة: 26)

في هذا الموضع أنزل الله السكينة على النبي والمؤمنين بعد لحظات عصيبة في غزوة حُنين. فالسكينة تأتي حين يشتد الكرب ويعظم الخوف — وكأنها رسالة من الله أن “لا تخافوا ولا تحزنوا”. وهذا المعنى يمتد إلى الحياة الزوجية: ففي أوقات الشدة والخلاف يُنزل الله سكينته على القلوب المؤمنة التي تلجأ إليه.

﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾

(سورة التوبة: 40)

هذه الآية تتحدث عن نزول السكينة على النبي صلى الله عليه وسلم في غار ثور أثناء الهجرة، حين كان الخطر محدقاً والأعداء على بُعد خطوات. والسكينة هنا جاءت في أشد لحظات الخوف، مما يؤكد أنها قوة إلهية تُغيّر حالة القلب من الاضطراب إلى الهدوء. وهي درس لكل من يمر بأزمة: أن يلجأ إلى الله طالباً السكينة.

﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾

(سورة البقرة: 248)

في هذه الآية تظهر السكينة كشيء محسوس يُمكن أن يُحفظ ويُنقل، حيث كان التابوت يحمل “سكينة من ربكم” لبني إسرائيل. وهذا يوحي بأن السكينة ليست مجرد حالة نفسية عابرة، بل هي حقيقة ربانية لها أثر عميق على النفس البشرية. والبيت الذي تسوده السكينة بين الزوجين هو بمثابة تابوت يحمل السكينة لكل من يسكنه.

سادساً: آيات ما لا يحبه الله

كما بيّن القرآن صفات من يحبهم الله، بيّن أيضاً الصفات والأفعال التي لا يحبها الله. وهذا البيان ليس للتخويف فحسب، بل هو رحمة بالعباد ليعرفوا الحدود التي ينبغي أن يجتنبوها ليظلوا في دائرة محبة الله. ومعرفة ما لا يحبه الله لا تقل أهمية عن معرفة ما يحبه.

﴿وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾

(سورة البقرة: 190)

الاعتداء — وهو تجاوز الحد والظلم — من أبغض الأفعال إلى الله. وهذا يشمل كل أنواع الاعتداء: الاعتداء على الأنفس والأعراض والأموال والحقوق. وفي سياق العلاقات الإنسانية، يُحذر القرآن من كل أشكال التعدي على حقوق الآخرين ومشاعرهم وكرامتهم.

﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾

(سورة البقرة: 205)

الفساد بجميع أشكاله — في الأرض وفي المجتمع وفي العلاقات — مما لا يحبه الله. والآية تربط الفساد بإهلاك الحرث والنسل، أي تدمير مقومات الحياة والأسرة. وهذا تحذير واضح من كل ما يُفسد العلاقات الأسرية ويُدمر بنيان الأسرة الذي هو أساس المجتمع.

﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾

(سورة آل عمران: 32)

الكفر — وهو الجحود بنعم الله ورفض الإيمان به — يحرم صاحبه من محبة الله. وهذه الآية تأتي بعد آية “فاتبعوني يحببكم الله”، فكأن الله يقول: من اتبع النبي نال محبتي، ومن أعرض عنه وكفر فقد حُرم هذه المحبة. وفي ذلك تحفيز للمؤمن على التمسك بإيمانه ليبقى في دائرة حب الله.

﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾

(سورة آل عمران: 57)

الظلم — وهو وضع الشيء في غير موضعه والتعدي على حقوق الآخرين — من أشد ما يُبغضه الله. وقد تكرر نفي حب الله للظالمين في مواضع عديدة من القرآن. والظلم بين الزوجين — سواء بالإهانة أو التقصير في الحقوق أو الإيذاء النفسي — من أعظم ما يُبعد الإنسان عن محبة الله.

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾

(سورة النساء: 36)

الخُيلاء والفخر — أي التكبر والعُجب والاستعلاء على الناس — صفات يبغضها الله. والمختال هو من يتبختر في مشيته وينظر إلى الناس نظرة استعلاء. وهذه الصفة من أخطر ما يُدمّر العلاقات الإنسانية، لأن المتكبر لا يستطيع أن يُحب حباً حقيقياً ولا أن يتواضع لشريكه ولا أن يعترف بخطئه.

﴿وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾

(سورة المائدة: 87)

يتكرر التحذير من الاعتداء في سورة المائدة، لكن السياق هنا مختلف — فالآية تتحدث عن الاعتداء بتحريم ما أحل الله. والمعنى أن الغلو والتشدد في الدين نوع من الاعتداء الذي لا يحبه الله، تماماً كالتفريط والإهمال. والوسطية والاعتدال هما الطريق الذي يحبه الله في كل شيء.

﴿وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾

(سورة الأنعام: 141)

الإسراف — وهو تجاوز الحد في إنفاق المال أو أي شيء آخر — مما لا يحبه الله. والاعتدال في كل شيء صفة محمودة في الإسلام. وفي الحياة الأسرية، يُعد الإسراف من أسباب المشكلات الزوجية، سواء كان إسرافاً مالياً يُثقل كاهل الأسرة، أو إسرافاً في الغضب والعتاب يُنهك العلاقة بين الزوجين.

خاتمة: القرآن خارطة طريق للمحبين

بعد هذه الجولة الشاملة مع آيات الحب في القرآن الكريم، نلاحظ أن القرآن رسم صورة متكاملة وعميقة للحب لا نجد لها نظيراً. فقد تناول الحب من كل زواياه: المودة بين الزوجين، والرحمة في الأسرة، وحب الله لعباده، والحب الأبوي، والسكينة النفسية، وحتى بيان ما يُبعد الإنسان عن محبة الله. هذه الشمولية تجعل القرآن مرجعاً فريداً لكل من يبحث عن فهم عميق وحقيقي للحب.

إن الحب في القرآن ليس مجرد عاطفة عابرة أو شعور رومانسي سطحي، بل هو منظومة إلهية متكاملة تشمل العاطفة والعقل والسلوك والروح. المودة تدعونا لإظهار الحب بالأفعال، والرحمة تدعونا للحنان في الشدائد، والسكينة تمنحنا الأمان النفسي، وحب الله يربط حبنا البشري بالبُعد الروحي، ومعرفة ما لا يحبه الله ترسم لنا الحدود التي نحافظ بها على علاقاتنا نقية سليمة.

نسأل الله أن يجعل هذا المرجع نافعاً لكل باحث عن الحب في كتاب الله، وأن يرزقنا جميعاً مودة ورحمة وسكينة في بيوتنا وحياتنا، وأن يجعلنا من الذين يحبهم ويحبونه. إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون.

أسئلة شائعة

كم عدد آيات الحب في القرآن الكريم؟
لا يوجد عدد محدد متفق عليه لآيات الحب في القرآن، لأن مفهوم الحب واسع ويشمل المودة والرحمة والسكينة وحب الله لعباده وحب العباد لله. لكن إذا جمعنا الآيات التي تتحدث عن هذه المفاهيم مجتمعة نجد عشرات الآيات المنتشرة في سور مختلفة. وقد حاولنا في هذا المرجع جمع أبرزها وتصنيفها بحسب الموضوع لتسهيل الوصول إليها والتأمل فيها.
ما هي أشهر آية عن الحب بين الزوجين في القرآن؟
أشهر آية عن الحب بين الزوجين هي آية سورة الروم (21): ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾. هذه الآية جمعت ثلاثة أركان للحب الزوجي: السكينة والمودة والرحمة، وجعلت الحب آية من آيات الله الكونية الكبرى جنباً إلى جنب مع خلق السماوات والأرض.
ما الفرق بين المودة والحب في القرآن؟
المودة أخص من الحب وأدق. فالحب كلمة عامة تشمل أنواعاً كثيرة من المشاعر، أما المودة فهي حب فعّال يُترجم إلى أفعال ظاهرة — كلام طيب، ورعاية، واهتمام بالتفاصيل. المودة مشتقة من الجذر (و-د-د) الذي يعني المحبة مع إظهارها. ولذلك اختار القرآن كلمة المودة بدلاً من الحب في سياق العلاقة الزوجية، لأنه يريد حباً عملياً ظاهراً لا مجرد شعور مكتوم.
ما هي صفات من يحبهم الله حسب القرآن الكريم؟
ذكر القرآن عدة صفات لمن يحبهم الله، منها: المحسنون (البقرة: 195)، التوابون والمتطهرون (البقرة: 222)، المتقون (آل عمران: 76)، الصابرون (آل عمران: 146)، المتوكلون (آل عمران: 159)، المقسطون (المائدة: 42)، والذين يقاتلون في سبيله صفاً (الصف: 4). وكل صفة من هذه الصفات تمثل بُعداً من أبعاد القرب من الله ونيل محبته.
هل ذكر القرآن ما لا يحبه الله؟
نعم، ذكر القرآن عدة صفات وأفعال لا يحبها الله، منها: الاعتداء (البقرة: 190)، الفساد (البقرة: 205)، الكفر (آل عمران: 32)، الظلم (آل عمران: 57)، الخيلاء والفخر (النساء: 36)، والإسراف (الأنعام: 141). وذكر هذه الصفات يرسم للمسلم حدوداً واضحة يجتنبها ليظل في دائرة محبة الله.
كيف يمكنني نيل محبة الله حسب القرآن؟
حدد القرآن طريقاً واضحاً لنيل محبة الله في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (آل عمران: 31). فاتباع النبي صلى الله عليه وسلم هو المفتاح الرئيسي لنيل حب الله. وبجانب ذلك، التحلي بالصفات التي يحبها الله كالإحسان والتقوى والصبر والتوكل والتوبة والتطهر والعدل.