مقدمة: الحب أوسع من أن يكون بين اثنين
حين نسمع كلمة «الحب» يتبادر إلى الذهن فوراً الحب الرومانسي بين رجل وامرأة. لكنّ الحب في التصوّر الإسلامي أوسع وأعمق بكثير من ذلك — إنه شبكة واسعة من المشاعر النبيلة التي تربط الإنسان بربّه وبأسرته ومجتمعه. فحبّ الوالدين عبادة، وصلة الرحم بركة، وحبّ الناس إيمان، والإيثار قمّة الأخلاق. والمجتمع المسلم حين يقوم على هذه الأنواع من الحب يصبح بيئة صحية تُنمّي الزواج والعلاقات وتحميها.
والنبي ﷺ رسم صورة جميلة للمجتمع المتحابّ حين قال: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى» (رواه مسلم). هذا الحديث يُصوّر المجتمع المسلم كجسد واحد تربطه عُرى المحبة والتراحم. وفي هذا القسم نستكشف أوجه الحب المجتمعي: من حبّ الأخ لأخيه إلى برّ الوالدين وصلة الأرحام والإيثار ومساعدة الأزواج على حلّ خلافاتهم.
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾
(سورة المائدة: 2)
وابن القيم رحمه الله أشار في «مدارج السالكين» إلى أنّ الحبّ الأعظم هو الحب في الله ولله، وأنّ من أحبّ الناس لأجل الله وجد في قلبه سعادة لا يجدها من أحبّ لأجل الدنيا. فالحب المجتمعي في الإسلام ليس مجرّد تعاملات اجتماعية بل هو عبادة يُثاب عليها المؤمن ويتقرّب بها إلى ربّه. وكلما كان المجتمع أكثر تحابباً وتراحماً كانت العلاقات الزوجية فيه أكثر استقراراً وسعادة — لأنّ الزواج لا يعيش في فراغ بل في سياق اجتماعي يُغنيه أو يُفقره.
حب الأخوّة: الرابطة التي تبني المجتمع
الأخوّة في الإسلام ليست مجرّد علاقة اجتماعية بل هي رابطة إيمانية قوية جعلها القرآن من أركان المجتمع المسلم. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10). وهذه الأخوة تقوم على الحب والتناصح والتعاون والتسامح. والنبي ﷺ جعل حبّ المسلم لأخيه شرطاً من شروط كمال الإيمان. فالمجتمع الذي يسوده هذا الحب يكون بيئة خصبة للعلاقات الصحية والزواجات المستقرة.
والإمام الغزالي تحدّث في «إحياء علوم الدين» عن حقوق الأخوّة في الإسلام وعدّد منها: المواساة بالمال والنفس، والمحبة بالقلب، والدعاء في ظهر الغيب، والوفاء بعد الممات. وكل هذه الحقوق هي في جوهرها أشكال من الحب العملي الذي يتجاوز الكلمات إلى الأفعال. وحين يعيش الإنسان في مجتمع يُطبّق هذه المعاني يشعر بالأمان والانتماء فيكون أكثر قدرة على بناء علاقة زوجية ناجحة.
البرّ والرحم: أساس البيت المستقرّ
بر الوالدين وصلة الرحم من أعظم العبادات في الإسلام وأكثرها أثراً على حياة الإنسان الزوجية. فالشخص الذي تعلّم احترام والديه وتقديرهما يحمل مهارات التعاطف والصبر والتقدير إلى حياته الزوجية. والعكس صحيح — فمن لم يتعلّم احترام أقرب الناس إليه قد يجد صعوبة في احترام شريك حياته.
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾
(سورة الإسراء: 23)
وصلة الرحم — أي الحفاظ على العلاقات الأسرية الممتدة — تُوفّر شبكة دعم اجتماعي وعاطفي لا غنى عنها. والنبي ﷺ قال: «من أحبّ أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه» (رواه البخاري ومسلم). فالأسرة الممتدة المتماسكة تُشكّل حصناً يحمي الزواج من الانهيار في أوقات الأزمات. لكنّ الحكمة مطلوبة في التوازن بين صلة الرحم وحماية خصوصية الحياة الزوجية من التدخّلات السلبية.
خاتمة: المجتمع المتحابّ حاضنة الزواج الناجح
الزواج لا يعيش في جزيرة معزولة بل في سياق اجتماعي يُؤثّر فيه ويتأثّر به. والمجتمع الذي يسوده الحب والتراحم والتعاون يُوفّر بيئة صحية تُنمّي الزواجات وتحميها. وكل شكل من أشكال الحب المجتمعي — حب الأخوّة وبر الوالدين وصلة الرحم والإيثار والإصلاح — يُسهم في بناء نسيج اجتماعي متماسك يكون فيه الزواج جزءاً من منظومة أكبر من المحبة والرحمة.
والنبي ﷺ دعا ربّه فقال: «اللهم إنّي أسألك حبّك وحبّ من يحبّك وحبّ عمل يُقرّبني إلى حبّك» (رواه الترمذي). فالحب في أرقى معانيه يبدأ من حبّ الله ثم يتدفّق ليشمل كل من حوله — الأسرة والأرحام والجيران والمجتمع. فاجعل من حبّك نهراً يروي كل من حولك وسترى أثره يعود عليك أضعافاً مضاعفة بإذن الله.
