مقدمة: الحب الذي يجعل الإيمان كاملاً
من أعظم ما جاء في الحديث النبوي عن حب الناس قول النبي ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه» (رواه البخاري ومسلم). هذا الحديث يجعل حب الناس شرطاً من شروط كمال الإيمان — ليس مجرّد أمر مستحب بل هو ركن أساسي في بنية الإيمان لا يكتمل بدونه. فالإسلام لا يقبل مؤمناً يعبد الله ويكره الناس أو يحسدهم أو يتمنّى لهم الشرّ.
وحب الناس في التصوّر الإسلامي ليس شعوراً عاطفياً عابراً بل هو موقف أخلاقي ثابت يترجم إلى أفعال يومية. يعني أن تتمنّى للناس الخير كما تتمنّاه لنفسك وأن تفرح لفرحهم وتحزن لحزنهم وأن تنصحهم بصدق وتُعينهم في حاجاتهم. والإمام النووي رحمه الله شرح هذا الحديث بأنّ المطلوب هو أن يكون قلبك خالياً من الحسد والبغضاء وأن تُحبّ لغيرك من الخير ما تُحبّه لنفسك.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
(سورة الحجرات: 10)
الحب في الله: أرقى أنواع الحب البشري
الحب في الله هو أن تُحبّ شخصاً لا لمصلحة دنيوية ولا لجمال ظاهر ولا لنفوذ وجاه بل لأنّ فيه صفات يُحبّها الله: صدقه أو تقواه أو كرمه أو علمه. وهذا النوع من الحب هو الأكثر ثباتاً لأنّه غير مرتبط بمصلحة تتغيّر بتغيّر الظروف. والنبي ﷺ بشّر المتحابين في الله ببشارات عظيمة — منها أنّهم يُظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه.
وابن القيم تحدّث في «مدارج السالكين» عن منزلة المحبة في الله وقال إنّها من أعلى منازل القلوب وأشرفها. فمن أحبّ في الله فقد أحبّ حبّاً خالصاً لا شائبة فيه من هوى النفس أو مصلحة الدنيا. وهذا الحب يتجلّى في أفعال عملية: أن تدعو لأخيك في غيبته وأن تذكره بالخير وأن تنصحه إن أخطأ وأن تفرح لنجاحه كما تفرح لنجاحك.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
❝ثلاث من كنّ فيه وجد بهنّ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما، وأن يحبّ المرء لا يحبّه إلا لله❞
رواه البخاري ومسلم
حقوق الأخوّة: الحب العملي
الإمام الغزالي عدّد في «إحياء علوم الدين» حقوق الأخوّة في الإسلام وجعلها ثمانية حقوق أساسية تُجسّد الحب العملي. أولها: المواساة بالمال — أن تُشارك أخاك فيما تملك حين يحتاج. وثانيها: المعونة بالنفس — أن تبذل وقتك وجهدك لمساعدته. وثالثها: كتمان السرّ والستر على العيب — فمن كشف سرّ أخيه فقد خان أمانته.
ومن حقوق الأخوّة أيضاً: النصيحة الصادقة — أن تقول لأخيك الحقيقة بلطف حتى لو لم يُعجبه ذلك. والدعاء في ظهر الغيب — فالنبي ﷺ قال إنّ من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك: ولك مثل ذلك. والتخفيف وترك التكلّف — أن تكون على طبيعتك مع أخيك دون تصنّع. والوفاء بعد الممات — أن تحفظ ذكراه وتدعو له وتُحسن إلى أهله بعد رحيله.
كيف يبني حب الناس مجتمعاً صحياً
المجتمع الذي يسوده الحب المتبادل يكون بيئة صحية تُنمّي الأفراد وتحمي العلاقات الزوجية. فالزوجان اللذان يعيشان في محيط اجتماعي متحابّ يجدان دعماً في أوقات الأزمات ونصيحة حين يحتاجان ومساحة للتنفّس خارج حدود البيت. والعكس صحيح — المجتمع الذي يسوده الحسد والتنافس والعداء يُشكّل بيئة سامّة تُضعف الزواجات وتُغذّي الخلافات.
والنبي ﷺ أسّس لهذا المفهوم حين آخى بين المهاجرين والأنصار في المدينة المنوّرة. تلك الأخوّة لم تكن مجرّد رمز بل كانت نظاماً اجتماعياً قائماً على التكافل والمحبة. وقد أثمرت مجتمعاً متماسكاً كانت فيه الأسر مستقرة والعلاقات قوية لأنّ الجميع يشعرون بالانتماء والأمان.
خاتمة: ازرع حبّاً تحصد سعادة
تذكّر أنّ الحب الذي تزرعه في قلوب الناس يعود إليك أضعافاً مضاعفة. والنبي ﷺ أرشدنا إلى طريقة بسيطة لنشر الحب حين قال: «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابّوا. أولا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» (رواه مسلم). فابدأ بإلقاء السلام وابتسم في وجه من تلقاه وقدّم المعروف ما استطعت — فكل فعل حبّ صغير يُسهم في بناء مجتمع أكثر رحمة وسعادة.
