🤲

بر الوالدين والحب

طاعة تبني استقراراً وبركة تملأ البيت

🤲

مقدمة: البر أساس كل حب

بر الوالدين في الإسلام ليس مجرّد واجب اجتماعي بل هو عبادة عظيمة قرنها الله بتوحيده في القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الإسراء: 23). هذا الاقتران يُشير إلى أنّ بر الوالدين من أعظم القربات إلى الله. والمفاجئ لكثيرين أنّ هذا البر لا يُؤثّر فقط على علاقتك بوالديك بل يمتدّ أثره ليُشكّل طريقة حبّك وتعاملك في زواجك وحياتك كلها.

والعلاقة بين بر الوالدين والنجاح في الحياة الزوجية أعمق ممّا يظنّ كثيرون. فالشخص الذي تعلّم أن يحترم والديه ويُقدّرهما ويصبر على ضعفهما يحمل هذه المهارات إلى حياته الزوجية. فالتعاطف والصبر والتقدير والعطاء — كلها صفات يتعلّمها الإنسان في علاقته بوالديه ثم يُطبّقها في علاقته بشريك حياته.

قال الله تعالى:

﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾

(سورة الإسراء: 23)

كيف يُؤثر بر الوالدين على قدرتك على الحب

أولاً: البر يُعلّمك الصبر والتحمّل. التعامل مع الوالدين خاصة حين يكبران يحتاج صبراً ورحمة وتفهّماً. وهذه نفس الصفات التي يحتاجها الزواج الناجح. فمن صبر على والديه وهما يتغيّران تعلّم أنّ الحب لا يتوقّف حين يتغيّر الشريك.

ثانياً: البر يُعلّمك العطاء دون مقابل. الوالدان أعطياك سنوات من الحب والرعاية دون أن ينتظرا مقابلاً. وحين تبرّهما فأنت تتعلّم أنّ الحب الحقيقي عطاء غير مشروط. وهذا المبدأ حين تنقله إلى زواجك يُحوّله من علاقة حسابية إلى علاقة قائمة على الكرم والسخاء العاطفي.

ثالثاً: البر يجلب البركة الإلهية. والنبي ﷺ أخبر أنّ رضا الله في رضا الوالدين وسخط الله في سخط الوالدين. وحين يرضى الله عن عبده يُبارك في حياته ورزقه وعلاقاته. وكثير من المشكلات الزوجية التي لا يُعرف سببها قد تكون ناتجة عن غياب البركة بسبب العقوق.

التوازن بين حقوق الوالدين وحقوق الزوج

من أصعب التحديات التي يواجهها المتزوجون هي التوازن بين بر الوالدين وحقوق الشريك. والإسلام وضع لكلّ طرف حقوقاً واضحة: للوالدين حق البر والإحسان وللزوج/الزوجة حق المعاشرة بالمعروف واحترام الخصوصية. والحكمة تقتضي ألّا يطغى حقّ على حقّ.

وابن القيم أشار إلى أنّ العدل هو إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه دون إفراط ولا تفريط. فلا يصحّ أن تُهمل والديك بحجّة الزواج ولا أن تظلم زوجتك بحجّة بر الوالدين. والمفتاح هو الحوار المفتوح مع الجميع: أخبر والديك بحبّك واحترامك وأخبر شريكك بأنّ والديك أولوية في حياتك — ومع الصدق والحكمة يجد الإنسان طريقه إلى التوازن.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

❝رضا الله في رضا الوالدين وسخط الله في سخط الوالدين❞

رواه الترمذي

خاتمة: البر طريق إلى حب أعمق

بر الوالدين ليس عبئاً يُثقل كاهل الإنسان بل هو مدرسة يتعلّم فيها أنبل صفات الحب: الصبر والتقدير والعطاء والرحمة. ومن تخرّج من هذه المدرسة بنجاح يدخل الزواج وهو مُسلّح بمهارات عاطفية لا تُقدّر بثمن. فكن بارّاً بوالديك وستجد أثر ذلك في كل علاقة في حياتك — في زواجك ومع أبنائك ومع الناس من حولك. فالبر بذرة تنبت أشجاراً من الحب والسعادة في كل اتجاه.

أسئلة شائعة حول بر الوالدين والحب

س:كيف أوازن بين بر والديّ وحقوق زوجي/زوجتي؟

ج:التوازن يبدأ بفهم أنّ لكل طرف حقوقاً شرعية واضحة. للوالدين حق البر والإحسان وللزوج/الزوجة حق المعاشرة بالمعروف والأولوية في القرارات الزوجية. المفتاح هو الحوار المفتوح مع الجميع ووضع حدود صحية تحفظ حقوق كل طرف. والأصل ألا يكون بر الوالدين على حساب الحياة الزوجية ولا العكس.

س:هل عقوق الوالدين يؤثر على حياتي الزوجية؟

ج:نعم، العقوق يؤثر سلباً على الحياة الزوجية من عدة جوانب: أولاً يُفقد البركة في الحياة لأنّ رضا الله في رضا الوالدين. ثانياً الشخص الذي لا يحترم والديه يحمل أنماطاً سلبية في التعامل مع أقرب الناس. ثالثاً التوتر الأسري الناتج عن العقوق ينعكس على العلاقة الزوجية.

س:ماذا أفعل إذا تدخّل والداي في حياتي الزوجية بشكل سلبي؟

ج:تعامل مع الموقف بحكمة: أولاً تحدّث مع والديك بلطف واحترام وأوضح لهما أنّك تُقدّر رأيهما لكنّ بعض القرارات خاصة بحياتك الزوجية. ثانياً لا تسمح لشريكك بإهانة والديك ولا لوالديك بالإساءة لشريكك. ثالثاً استعن بشخص حكيم من العائلة إن لزم الأمر. والتوازن ممكن لكنه يحتاج صبراً وحكمة.

س:كيف أربّي أبنائي على بر الوالدين؟

ج:أفضل طريقة هي القدوة العملية: كن بارّاً بوالديك أمام أبنائك وسيتعلّمون منك. احكِ لهم قصص بر الوالدين من السيرة النبوية. علّمهم أنّ البر ليس فقط طاعة بل احترام ومحبة وتقدير. وامنحهم حبّاً غير مشروط حتى يكبروا قادرين على الحب والبر.

س:هل بر الوالدين يعني طاعتهما في كل شيء حتى لو أضرّ بزوجتي؟

ج:لا، البر لا يعني الطاعة العمياء. الطاعة واجبة في المعروف لا في المعصية. إذا طلب أحد الوالدين شيئاً يُضرّ بالزوجة أو يظلمها فلا يجوز طاعتهما في ذلك لأنّ للزوجة حقوقاً شرعية أيضاً. لكن الرفض يكون بأدب ولطف مع شرح الأسباب. والنبي ﷺ لم يأمر أحداً بظلم زوجته إرضاءً لوالديه.