🤝

الإصلاح بين الزوجين

كيف تُساعد بحكمة ومحبة

🤝

مقدمة: والصلح خير

الإصلاح بين الزوجين من أعظم القربات إلى الله وأنبل الأعمال الاجتماعية في الإسلام. قال تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (النساء: 128) — كلمتان موجزتان تحملان مبدأً عظيماً: أنّ إصلاح ذات البين أفضل من تركها تتمزّق. فالخلاف بين الزوجين أمر طبيعي لا بدّ منه لكنّ المشكلة حين يتحوّل الخلاف إلى قطيعة ويتحوّل الحب إلى بغض — وهنا يأتي دور المُصلح الحكيم الذي يُعيد المياه إلى مجاريها.

والنبي ﷺ رفع شأن الإصلاح بين الناس فجعله أعلى من درجة الصيام والصلاة والصدقة. ففي الحديث الصحيح قال ﷺ: «ألا أُخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى. قال: إصلاح ذات البين فإنّ فساد ذات البين هي الحالقة. لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين» (رواه أبو داود والترمذي). هذا الحديث يُبيّن أنّ الخلاف المستمرّ بين الناس — وخاصة الأزواج — لا يُفسد العلاقة فحسب بل يُفسد الدين كلّه.

قال الله تعالى:

﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾

(سورة النساء: 128)

نظام الحكمين في القرآن: منهج إلهي للإصلاح

من أعظم ما شرعه الإسلام لحلّ الخلافات الزوجية نظام الحكمين. قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (النساء: 35). هذه الآية ترسم منهجاً واضحاً: حين يعجز الزوجان عن حلّ خلافهما بأنفسهما يُختار حكم من أهل الزوج وحكم من أهل الزوجة ليتوسّطا بينهما.

والحكمة في اختيار الحكمين من أهل الزوجين واضحة: القريب أعرف بأحوال قريبه وأحرص على مصلحته. فحكم الزوج يعرف طباعه وعيوبه ونقاط ضعفه وقوّته وكذلك حكم الزوجة. وحين يجتمع هذان الحكمان بنيّة صادقة للإصلاح يملكان رؤية شاملة تُساعدهما على تشخيص المشكلة واقتراح الحلول. والإمام القرطبي شرح في تفسيره أنّ شرط الحكمين أن يكونا عدلين عاقلين عالمين بشؤون الحياة الزوجية.

والآية تختم بوعد إلهي عظيم: ﴿إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ — أي أنّ النيّة الصادقة للإصلاح تستجلب التوفيق الإلهي. فإذا كان الحكمان صادقين في رغبتهما بالإصلاح وكان الزوجان راغبين في إنقاذ زواجهما فإنّ الله يُيسّر الأمور ويفتح أبواباً لم تكن في الحسبان.

قال الله تعالى:

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾

(سورة النساء: 35)

آداب الوساطة بين الأزواج

الوساطة بين الزوجين فنّ يحتاج مهارة وحكمة — وأوّل آدابها الاستماع الكامل لكلا الطرفين دون مقاطعة أو حكم مسبق. كثير من المشكلات الزوجية يكون سببها سوء فهم أو عدم قدرة أحد الطرفين على التعبير عن مشاعره. فالوسيط الحكيم يسمع الزوج بصبر ثم يسمع الزوجة بنفس الصبر — وفي كثير من الأحيان مجرّد الاستماع يكشف جذر المشكلة.

ثاني هذه الآداب: الحياد التام وعدم الانحياز. حتى لو كان الوسيط من أهل أحد الطرفين فعليه أن يكون عادلاً وأن يقول الحقّ حتى لو كان على قريبه. والإمام ابن تيمية أكّد أنّ الحكم بين الناس يجب أن يكون بالعدل لا بالهوى — وأنّ من انحاز في وساطته فقد خان الأمانة. فلا تُبرّر خطأ قريبك ولا تُدين الطرف الآخر لمجرّد أنّه غريب عنك.

ثالثاً: كتمان الأسرار وعدم إفشائها. الزوجان حين يثقان بالوسيط يكشفان له أسراراً خاصة لا يعلمها أحد — وإفشاء هذه الأسرار خيانة عظيمة قد تُدمّر العلاقة نهائياً. والنبي ﷺ قال: «إنّ من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يُفضي إلى امرأته وتُفضي إليه ثم ينشر سرّها» (رواه مسلم). فمن تولّى الوساطة فليحفظ ما سمع وليكتم ما علم.

أخطاء شائعة في التدخّل بين الأزواج

أوّل الأخطاء وأخطرها: التحريض بدلاً من الإصلاح. بعض الأمهات تقول لابنتها «لا تقبلي الإهانة — اطلبي الطلاق» قبل أن تفهم المشكلة. وبعض الأصدقاء يقول لصديقه «أنت رجل — لا تسمع كلامها». هذا التحريض يُشعل النار بدلاً من إطفائها ويُدمّر ما بقي من الحب بين الزوجين. والإمام الغزالي حذّر من «لسان الفتنة» الذي يُزيّن القطيعة ويُبشّع المصالحة.

ثاني الأخطاء: سماع طرف واحد والحكم على الآخر. كلّ إنسان يروي القصة من زاويته ويُبرّر موقفه ويُضخّم خطأ الطرف الآخر — وهذا طبيعي. لكنّ المُصلح الحكيم لا يحكم بعد سماع طرف واحد بل يسمع الطرفين ويُقارن بين الروايتين ويبحث عن الحقيقة في المنتصف. وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إذا جاءك أحد الخصمين وقد فُقئت عينه فلا تحكم حتى يأتي الآخر فلعلّه فُقئت عيناه.

ثالث الأخطاء: فرض الحلول بدلاً من تسهيل الحوار. دور الوسيط ليس أن يُملي على الزوجين ما يفعلانه بل أن يُساعدهما على فهم بعضهما وإيجاد حلول يرضيان عنها. فالحلّ المفروض من الخارج لا يدوم لأنّ الزوجين لم يشعرا بملكيته. والحلّ الأفضل هو الذي يصل إليه الزوجان بأنفسهما بمساعدة الوسيط لا بإملائه.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

❝ألا أُخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ إصلاح ذات البين فإنّ فساد ذات البين هي الحالقة❞

رواه أبو داود والترمذي

متى تنصح ومتى تصمت

الحكمة في الإصلاح بين الزوجين تتطلّب معرفة التوقيت المناسب والموقف المناسب. انصح حين يطلب منك أحد الطرفين النصيحة صراحة — فالسؤال إذن بالتدخّل. وانصح حين ترى ظلماً واضحاً لا يمكن السكوت عنه — كعنف أو إهانة متكرّرة. وانصح حين تكون لديك معلومات موثوقة عن جذر المشكلة لا مجرّد أقاويل.

واصمت حين يكون الخلاف بسيطاً وعابراً — فكلّ زوجين يختلفان في الأمور اليومية وهذا طبيعي ولا يحتاج تدخّلاً. واصمت حين لا تعرف تفاصيل المشكلة — فالتدخّل بجهل أخطر من عدم التدخّل. واصمت حين تكون منحازاً ولا تستطيع أن تكون عادلاً — فالانحياز في الوساطة يزيد المشكلة. والإمام ابن القيم قال في «إعلام الموقعين» إنّ من أعظم أنواع الظلم أن يحكم الإنسان في أمر لا يعلمه.

وتذكّر دائماً أنّ النصيحة الناجحة تحتاج ظرفاً مناسباً. لا تنصح الزوج وهو غاضب ولا الزوجة وهي تبكي — انتظر حتى تهدأ العاصفة ثم تحدّث بلطف وهدوء. ولا تنصح أمام الأطفال أو أمام أشخاص آخرين — فالنصيحة في السرّ أبلغ وأقبل. والنبي ﷺ كان يُعرّض في خطبه ويقول «ما بال أقوام» حتى لا يُحرج أحداً بعينه.

خاتمة: كن شمعة تُنير لا ناراً تُحرق

الإصلاح بين الزوجين مسؤولية عظيمة ومنزلة رفيعة عند الله. فمن أصلح بين زوجين كاد زواجهما أن ينهار فقد أنقذ أسرة بأكملها — أنقذ الزوجين والأبناء والعائلتين ومجتمعاً بأسره من آثار التفكّك. لكنّ هذا الإصلاح يحتاج حكمة وعدلاً وصبراً وتجرّداً عن الهوى. والإمام ابن حزم قال في «الأخلاق والسير» إنّ أفضل الناس من جمع بين العلم والحكمة في تعامله مع الآخرين. فكن شمعة تُنير طريق المتخاصمين إلى الصلح ولا تكن ناراً تُحرق ما بقي من حبّهما. وتذكّر قول الله تعالى: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 114).

أسئلة شائعة حول الإصلاح بين الزوجين

س:هل يجوز التدخّل في مشاكل زوجين دون أن يطلبا مني ذلك؟

ج:الأصل ألّا تتدخّل في شؤون الزوجين إلا إذا طُلب منك ذلك أو رأيت ظلماً بيّناً. فالتدخّل غير المطلوب قد يزيد المشكلة تعقيداً ويُشعر الطرفين بأنّ خصوصيتهما مُنتهكة. لكن إن رأيت عنفاً أو ظلماً واضحاً فالتدخّل واجب لأنّ السكوت عن الظلم مشاركة فيه.

س:ما صفات الوسيط الناجح بين الزوجين؟

ج:الوسيط الناجح يتّصف بعدة صفات: الحياد التام وعدم الانحياز لطرف على حساب الآخر. الحكمة وسعة الصدر والقدرة على الاستماع. كتمان الأسرار وعدم إفشائها لأحد. الخبرة في شؤون الحياة الزوجية. والقدرة على تهدئة الأوضاع لا تصعيدها.

س:كيف أنصح صديقي الذي يُسيء معاملة زوجته دون أن أخسره؟

ج:اختر الوقت والمكان المناسبين — لا تنصحه أمام الناس. ابدأ بالثناء على جوانبه الإيجابية ثم انتقل للنصيحة بلطف. استخدم أسلوب القصة أو المثال العام بدلاً من الاتّهام المباشر. وذكّره بحديث النبي ﷺ عن خيرية الرجل لأهله. وإن لم يستجب فكرّر النصيحة بعد فترة ولا تقطعه.

س:متى يكون الطلاق أفضل من الإصلاح بين الزوجين؟

ج:الطلاق يكون أفضل حين يكون الضرر من الاستمرار أكبر من ضرر الفراق. في حالات العنف الجسدي أو النفسي المستمرّ والإدمان الذي يرفض صاحبه العلاج والخيانة المتكرّرة بلا توبة — الطلاق قد يكون رحمة لا عقوبة. والإسلام أباح الطلاق لأنّه يعلم أنّ بعض الزيجات لا يمكن إصلاحها.

س:هل يجوز للحكمين أن يُقرّرا التفريق بين الزوجين؟

ج:اختلف العلماء في ذلك. فذهب جمهور أهل العلم إلى أنّ الحكمين وكيلان عن الزوجين فيجوز لهما التفريق إن رأيا أنّ الإصلاح متعذّر وأنّ المصلحة في الفراق. وقال آخرون إنّهما ناصحان فقط. والراجح أنّ الحكمين لهما صلاحية واسعة إذا فُوّض إليهما الأمر وأنّ قرارهما مُلزم إن اتّفقا عليه.