🎁

الإيثار في الحب

العطاء النبيل الذي يُغني الحياة

🎁

مقدمة: الإيثار أرقى أشكال الحب

الإيثار في الإسلام ليس مجرّد كرم أو سخاء بل هو مقام عالٍ من مقامات النفس يُفضّل فيه الإنسان غيره على نفسه طلباً لمرضاة الله. وقد خلّد القرآن الكريم هذا المقام في وصف الأنصار الذين آثروا المهاجرين على أنفسهم رغم حاجتهم. قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 9). هذه الآية ترسم صورة إنسان تغلّب على أنانيته وقدّم الآخر على نفسه — وهذا بالضبط ما يحتاجه الحب ليزدهر.

والإيثار في العلاقات الزوجية يأخذ بُعداً خاصاً لأنّ الزواج مبني على التبادل والعطاء المتبادل. فحين يُؤثر أحد الزوجين شريكه على نفسه في أمور الحياة اليومية — من تنازل عن رغبة شخصية إلى تقديم راحة الآخر — فإنّ ذلك يخلق جوّاً من المحبة والامتنان يُغذّي العلاقة ويُقوّيها. لكنّ الإيثار ككلّ فضيلة يحتاج حكمة وتوازناً حتى لا يتحوّل إلى تضحية مؤذية تستنزف المُعطي وتُفسد العلاقة.

قال الله تعالى:

﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

(سورة الحشر: 9)

الإيثار في السنّة: دروس من الأنصار والمهاجرين

قصة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار من أروع نماذج الإيثار في التاريخ الإنساني. حين وصل المهاجرون إلى المدينة فتح الأنصار لهم بيوتهم وقاسموهم أموالهم وعرض بعضهم تطليق إحدى زوجاته ليتزوّجها أخوه المهاجر. هذا المستوى من العطاء لم يكن مبنيّاً على مصلحة بل على إيمان صادق وحبّ خالص لله ولرسوله.

والنبي ﷺ جسّد الإيثار في حياته اليومية بأبسط الصور وأعمقها. كان يُطعم غيره وهو جائع ويكسو غيره وهو يحتاج. وكانت عائشة رضي الله عنها تروي أنّه كان يمرّ الهلال ثم الهلال ثم الهلال — ثلاثة أهلّة في شهرين — وما أُوقدت في بيوت رسول الله ﷺ نار. ومع ذلك كان يُعطي كلّ من سأله ولا يردّ سائلاً. والإمام ابن القيم علّق على ذلك في «مدارج السالكين» بأنّ الإيثار أعلى مراتب الجود لأنّه عطاء مع الحاجة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

❝لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه❞

رواه البخاري ومسلم

الإيثار في الزواج: كيف يُغذّي الحب

الزواج الناجح قائم على مبدأ «أنا أُعطيك لأنّي أحبّك» وليس «أُعطيك لتُعطيني». حين يُقدّم الزوج راحة زوجته على رغبته الشخصية — كأن يتنازل عن مشاهدة برنامجه المفضّل ليُشاركها ما تحب — فإنّه يُرسل رسالة حب أبلغ من ألف كلمة. وحين تُؤثر الزوجة راحة زوجها على مصلحتها — كأن تُغيّر خطة كانت متحمّسة لها لتوافق ظروفه — فإنّها تبني رصيداً من الامتنان يدوم طويلاً.

والإمام الغزالي أشار في «إحياء علوم الدين» إلى أنّ من علامات الحب الصادق أن تُفرحك سعادة من تُحب أكثر من سعادتك الشخصية. وهذا جوهر الإيثار في الزواج — أن تجد متعتك في إسعاد شريكك. لكنّ هذا لا يعني إلغاء الذات أو التنازل المستمرّ بل يعني أنّ العطاء يأتي من فيض القلب لا من فراغه.

والحب الذي يقوم على الإيثار المتبادل يختلف تماماً عن العلاقة الحسابية. في العلاقة الحسابية كلّ طرف يحسب ما أعطى وما أخذ ويشعر بالظلم إذا لم يتساوَ الحساب. لكنّ في العلاقة القائمة على الإيثار يُعطي كلّ طرف بحب دون حساب — والعجيب أنّ هذا النوع من العلاقات يكون أكثر توازناً لأنّ العطاء المتبادل يُولّد حالة من الامتنان الدائم.

الفرق بين العطاء الصحي والتضحية المؤذية

هناك خيط رفيع بين الإيثار النبيل والتضحية المؤذية — ومعرفة هذا الخيط ضرورية لكلّ زوجين. العطاء الصحي يُشبه النبع: يُعطي من فيضه ولا ينضب. أمّا التضحية المؤذية فتُشبه الاستنزاف: تأخذ من الجوهر حتى لا يبقى شيء. والفرق يظهر في المشاعر المصاحبة: المُعطي بإيثار صحي يشعر بالسعادة والرضا بينما المُضحّي بشكل مؤذٍ يشعر بالمرارة والظلم والإرهاق.

وعلامات التضحية المؤذية واضحة: أن تُلغي احتياجاتك تماماً لتُلبّي احتياجات شريكك، أو أن تُعطي خوفاً من الرفض أو الهجر لا حبّاً واختياراً. أو أن تتوقّع من شريكك أن يُدرك تضحياتك دون أن تتكلّم ثم تغضب حين لا يفعل. والإمام ابن حزم نبّه في «الأخلاق والسير» إلى أنّ من أعطى أكثر ممّا يحتمل فقد ظلم نفسه — والظلم لا يُنتج حبّاً حقيقياً بل ينتج عتاباً وحقداً مكبوتاً.

والقاعدة التي وضعها الإسلام واضحة: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: 286). فالله ذاته لم يُطالبك بما يفوق طاقتك — فكيف يحقّ لشريكك أو لنفسك أن تطلب المستحيل؟ العطاء يجب أن يكون في حدود الوسع والاستطاعة وأن يكون متبادلاً — فإن كان من طرف واحد فقط فليس إيثاراً بل هو استغلال.

قال الله تعالى:

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾

(سورة البقرة: 286)

أحبّ لأخيك ما تحبّ لنفسك: الإيثار في المجتمع

الإيثار لا يقتصر على العلاقة الزوجية بل يمتدّ ليشمل المجتمع كلّه. والحديث النبوي «لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه» يرسم خريطة واضحة لمجتمع قائم على الإيثار. تخيّل مجتمعاً يتمنّى فيه كلّ شخص الخير لغيره كما يتمنّاه لنفسه — لن يكون فيه حسد ولا بغضاء ولا تنافس مدمّر بل تعاون وتكافل ومحبة.

وهذا المبدأ ينعكس مباشرة على الحياة الزوجية. فحين يعيش الزوجان في مجتمع يسوده الإيثار والتكافل فإنّ ذلك يُخفّف الضغوط عن علاقتهما. الجار الذي يُساعد جاره والصديق الذي يقف مع صديقه والأخ الذي يدعم أخاه — كلّ هذا يُشكّل بيئة حاضنة تحمي الزواجات من الانهيار تحت ضغط الحياة. والنبي ﷺ أسّس هذا المجتمع المتكافل في المدينة فكانت النتيجة أسراً مستقرة وعلاقات متينة.

خاتمة: الإيثار فنّ يُتقَن بالممارسة

الإيثار ليس صفة يُولد بها الإنسان بل هو فنّ يتعلّمه ويُمارسه حتى يصبح طبيعة ثانية. ابدأ بأفعال صغيرة: قدّم لشريكك آخر قطعة من طعامه المفضّل، تنازل عن رأيك في أمر بسيط لتُسعده، اسأله عمّا يحتاج قبل أن يطلب. ومع الوقت ستجد أنّ الإيثار يُولّد إيثاراً — حين يشعر شريكك بعطائك سيُبادلك بعطاء أجمل. والإمام الغزالي قال إنّ من تغلّب على شحّ نفسه فقد فاز بأعظم انتصار — لأنّ النفس البشرية بطبعها تميل للأخذ، فمن علّمها العطاء فقد ارتقى بها إلى مقام الصالحين.

أسئلة شائعة حول الإيثار في الحب

س:ما الفرق بين الإيثار الصحي والتضحية المؤذية في الزواج؟

ج:الإيثار الصحي هو أن تُعطي بحب واختيار وأنت تشعر بالرضا والسعادة. أمّا التضحية المؤذية فهي أن تُعطي بإكراه أو خوف من فقدان الشريك وتشعر بالمرارة والاستنزاف. الإيثار الصحي يُقوّي العلاقة بينما التضحية المؤذية تُولّد حقداً مكبوتاً ينفجر في النهاية.

س:كيف أُعطي في زواجي دون أن أفقد نفسي؟

ج:أولاً: اعرف احتياجاتك الأساسية ولا تتنازل عنها لأنّك لن تستطيع العطاء وأنت فارغ. ثانياً: تحدّث مع شريكك بصراحة حين تشعر أنّ العطاء أصبح من طرف واحد. ثالثاً: تذكّر أنّ الإسلام لا يطلب منك أن تُهلك نفسك لأجل غيرك بل أن تُحسن في حدود استطاعتك.

س:هل الإيثار واجب في كل المواقف بين الزوجين؟

ج:لا، الإيثار فضيلة وليس واجباً دائماً. هناك مواقف يكون فيها العدل هو المطلوب وليس الإيثار — كتوزيع المسؤوليات والمصروفات. الإيثار يكون أجمل حين يكون تطوّعياً من القلب وليس إلزامياً. وابن القيم قال إنّ العدل واجب والإحسان فضل — فابدأ بالعدل ثم أضف الإيثار حين تستطيع.

س:كيف أتعامل مع شريك يأخذ دائماً ولا يُعطي؟

ج:أولاً: تحدّث معه بصراحة ووضوح عن شعورك دون اتّهام — قل «أشعر» بدلاً من «أنت دائماً». ثانياً: لا تستمرّ في العطاء المفرط أملاً في أن يتغيّر لأنّ ذلك يُعزّز سلوكه. ثالثاً: إن لم يتجاوب فاستعن بمستشار أسري لأنّ الخلل في التوازن بين الأخذ والعطاء من أخطر مشكلات الزواج.

س:كيف أُربّي أبنائي على الإيثار دون أن يتحوّلوا إلى أشخاص يُستغلّون؟

ج:علّمهم الفرق بين الكرم والضعف: الكريم يُعطي باختياره ويستطيع أن يقول لا حين يلزم، أمّا الضعيف فيُعطي خوفاً من الرفض. شجّعهم على مساعدة الآخرين لكن علّمهم أيضاً وضع حدود صحية. واجعلهم يرون قدوة عملية في بيتك — حين يُعطي أبوهم وأمّهم بحب وتوازن.