مقدمة: أنت تستحقّ الحب
من أعمق الحقائق التي أثبتها علم النفس الحديث أنّ العلاقة التي تربطك بنفسك هي الأساس الذي تُبنى عليه كل علاقاتك بالآخرين. فمن لا يُقدّر نفسه يبحث في الحب عن قيمته بدلاً من مشاركتها، ومن لا يحترم نفسه يقبل بمعاملة لا تليق به، ومن لا يثق بنفسه لا يُصدّق أنّ أحداً يُحبّه بصدق.
تقدير الذات ليس غروراً ولا تكبّراً ولا أنانية — بل هو إدراك عميق لقيمتك كإنسان خلقه الله وكرّمه. هو أن تعرف أنّك تستحقّ الاحترام والحب والعناية بصرف النظر عن إنجازاتك أو إخفاقاتك أو ما يظنّه الناس بك. وهذا الإدراك هو البوصلة التي تُوجّه اختياراتك في الحب: تختار من يُقدّرك وترفض من يستهين بك.
قال الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾
(سورة الإسراء: 70)
هذه الآية تُؤسّس لتقدير الذات من أعلى مصدر: الله نفسه كرّمك. لم يقل «كرّمنا الأغنياء» أو «كرّمنا الجميلين» بل كرّم بني آدم جميعاً. فأنت مُكرَّم بخلق الله لا بحكم الناس، وقيمتك ثابتة لا تزيد بمدح شريك ولا تنقص بنقده. ومن أدرك هذا التكريم الإلهي لم يحتج أن يبحث عن قيمته في عيون المخلوقين.
كيف يؤثّر تقدير الذات على علاقاتك
من يملك تقديراً صحياً لذاته يختار شريكاً يُعامله باحترام ويرفض من يُسيء إليه. يعرف ما يستحقّ ولا يقبل بأقلّ منه. يُعبّر عن احتياجاته بوضوح ويضع حدوداً صحية ولا يتحمّل الإساءة خوفاً من الوحدة. علاقاته تكون متوازنة لأنه يدخلها كاملاً لا كمحتاج يبحث عمّا ينقصه.
أما من يفتقر إلى تقدير الذات فيدخل العلاقات من باب النقص والاحتياج بدلاً من الاختيار والرغبة. يقبل بأوّل من يُظهر له اهتماماً حتى لو كان غير مناسب. يتحمّل الإهمال والإساءة لأنّه يعتقد أنّه لا يستحقّ أفضل. يتنازل عن قيمه وحدوده إرضاءً لشريك قد لا يُبادله نفس التقدير. وابن القيم قال في «الفوائد»: «من لم يعرف قدر نفسه جعلها في غير موضعها» — وهذا ينطبق تماماً على من يضع نفسه في علاقات لا تليق بكرامته.
والعلاقة بين تقدير الذات واختيار الشريك واضحة: أنت تجذب ما تظنّه في نفسك. من يرى نفسه بلا قيمة يجذب من يُعامله كذلك. ومن يعرف قدره يجذب من يُقدّره. لهذا فإنّ العمل على تقدير الذات ليس رفاهية نفسية بل هو أساس بناء علاقة عاطفية صحية وسعيدة.
أسباب ضعف تقدير الذات
أول الأسباب هو النشأة في بيئة نقدية. الطفل الذي سمع طوال طفولته «أنت فاشل» و«لن تُفلح في شيء» و«أخوك أفضل منك» يكبر وهو يحمل هذه الأحكام في داخله ويُصدّقها. هذه الأصوات الداخلية النقدية تُصبح جزءاً من تفكيره وتُؤثّر على كل قراراته في الحب والحياة.
السبب الثاني هو التجارب العاطفية المؤلمة. الخيانة والرفض والهجر والإساءة العاطفية كلها تترك ندوباً في صورة الإنسان عن نفسه. من خُيِن يبدأ بالسؤال: «ما الذي ينقصني؟» ومن هُجِر يتساءل: «لماذا لم أكن كافياً؟» وهذه الأسئلة المؤلمة تُضعف تقدير الذات تدريجياً.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
❝لا يحقر أحدكم نفسه. قالوا: يا رسول الله كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: يرى أمراً لله عليه فيه مقال ثم لا يقول فيه❞
رواه ابن ماجه
والسبب الثالث هو المقارنة المستمرة بالآخرين. في عصر وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت المقارنة وباءً يُدمّر تقدير الذات. ترى أجساماً مثالية وعلاقات رومانسية وحياة فاخرة فتشعر أنّك أقلّ من كل هؤلاء. والحقيقة أنّ ما تراه صورة مُنتقاة لا تعكس الحقيقة الكاملة. والنبي ﷺ نهى عن احتقار النفس — فلا تحتقر نفسك بمقارنتها بنسخ مُزيّفة من حياة الآخرين.
كيف تبني تقديراً صحياً لذاتك
أولاً: غيّر الصوت الداخلي الناقد. لاحظ الأحكام السلبية التي تقولها لنفسك واستبدلها بأحكام عادلة. بدلاً من «أنا فاشل» قل «أخطأت في هذا الأمر لكنني أتعلّم». بدلاً من «لا أحد يُحبّني» قل «أستحقّ الحب ووجود شخص واحد يُقدّرني يكفي». هذا التغيير يحتاج وقتاً وصبراً لكنّ أثره عميق.
ثانياً: اكتشف نقاط قوّتك واحتفِ بها. كل إنسان لديه مواهب وقدرات ونقاط قوة فريدة. اكتب قائمة بما تُجيده وما يُميّزك وما أنجزته. واقرأها حين تشعر بالنقص. وتذكّر أنّ الله خلقك بتميّز فريد لم يُعطه لأحد غيرك. قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (التين: 4).
ثالثاً: ضع حدوداً واضحة في علاقاتك. كل مرة تقول فيها «لا» لما لا يناسبك تُرسل رسالة لنفسك مفادها أنّك تستحقّ الاحترام. وكل مرة تقبل فيها معاملة سيئة تُرسل رسالة معاكسة. فالحدود ليست فقط حماية من الآخرين بل هي أيضاً تأكيد لقيمتك أمام نفسك.
رابعاً: قوِّ علاقتك بالله واستمدّ قيمتك منه. حين تعرف أنّ خالق الكون كرّمك ونفخ فيك من روحه وجعلك خليفته في الأرض فلن تحتاج تأكيد قيمتك من أيّ مخلوق. وابن القيم يقول: من عرف نفسه بالله عرف قدرها، ومن عرف نفسه بالناس ضلّ عنها.
خاتمة: أنت كنز يستحقّ التقدير
تذكّر دائماً أنّ قيمتك لا تُحدّدها نظرة شريك ولا حكم مجتمع ولا عدد المعجبين. قيمتك ثابتة منذ أن خلقك الله وكرّمك وأسجد لأبيك الملائكة. وكل من يُقلّل من قيمتك هو الذي يحمل مشكلة وليس أنت. فلا تسمح لأحد بأن يُقنعك أنّك أقلّ ممّا خلقك الله عليه.
وابدأ اليوم رحلة إعادة اكتشاف ذاتك: أحبّ نفسك أولاً حتى تستطيع أن تُحبّ بصدق. ليس حبّاً نرجسياً يُلغي الآخرين بل حبّاً ينبع من تقدير عميق لنفسك التي خلقها الله وكرّمها. ومن أحبّ نفسه بتوازن أحبّ الآخرين بنضج، ومن قدّر ذاته اختار من يُقدّرها، ومن عرف قيمته عند الله لم يحتج أن يستجديها من أحد. فكن كما أراد الله لك: مُكرَّماً عزيزاً يُحبّ من موقع قوة لا من موقع احتياج.
